ولما نبه الله تعالى في هذه الآية على هذه الأسرار العالية الإلهية قال : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } والمقصود منه الإشارة إلى ما قرره حكماء الإسلام من أن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية وقد سبق في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبالغة في تقرير هذا المعنى فلا فائدة في الإعادة انتهى .
المسألة الثانية : قوله : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } وتقديره : بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ، ثم يقول مرة أخرى : { فبذلك فليفرحوا } والتكرير للتأكيد . وأيضا قوله : { فبذلك فليفرحوا } يفيد الحصر ، يعني يجب أن لا يفرح الإنسان إلا بذلك . واعلم أن هذا الكلام يدل على أمرين : أحدهما : أنه يجب أن لا يفرح الإنسان بشيء من الأحوال الجسمانية ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن جماعة من المحققين قالوا : لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام ، والمعنى العدمي لا يستحق أن يفرح به . والثاني : أن بتقدير أن تكون هذه اللذات صفات ثبوتية ، لكنها معنوية من وجوه : الأول : أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها . ألا ترى أن أقوى اللذات الجسمانية لذة الوقاع ، ولا شك أن الالتذاذ بها أقل مرتبة من الاستضرار بألم القولنج وسائر الآلام القوية . والثاني : أن مداخل اللذات الجسمانية قليلة ، فإنه لا سبيل إلى تحصيل اللذات الجسمانية إلا بهذين الطريقين أعني لذة البطن والفرج . وأما الآلام : فإن كل جزء من أجزاء بدن الإنسان معه نوع آخر من الآلام ، ولكل نوع منها خاصية ليست للنوع الآخر . والثالث : أن اللذات الجسمانية لا تكون خالصة البتة بل تكون ممزوجة بأنواع من المكاره ، فلو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب النفس في مقدماتها وفي لواحقها لكفى . الرابع : أن اللذات الجسمانية لا تكون باقية ، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر ، كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر وأشد ، ولذلك قال المعري :
إن حزنا في ساعة الموت أضعا*** ف سرور في ساعة الميلاد
فمن المعلوم أن الفرح الحاصل عند حدوث الولد لا يعادل الحزن الحاصل عند موته . الخامس : أن اللذات الجسمانية حال حصولها تكون ممتنعة البقاء ، لأن لذة الأكل لا تبقى بحالها ، بل كما زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل ولا يمكن استبقاء تلك اللذة . السادس : أن اللذات الجسمانية التذاذ بأشياء خسيسة ، فإنها التذاذ بكيفيات حاصلة في أجسام رخوة سريعة الفساد مستعدة للتغير ، فأما اللذات الروحانية فإنها بالضد في جميع هذه الجهات ، فثبت أن الفرح باللذات الجسمانية فرح باطل ، وأما الفرح الكامل فهو الفرح بالروحانيات والجواهر المقدسة وعالم الجلال ونور الكبرياء .
والبحث الثاني : من مباحث هذه الآية أنه إذا حصلت اللذات الروحانية فإنه يجب على العاقل أن لا يفرح بها من حيث هي هي ، بل يجب أن يفرح بها من حيث إنها من الله تعالى وبفضل الله وبرحمته ، فلهذا السبب قال الصديقون : من فرح بنعمة الله من حيث إنها تلك النعمة فهو مشرك ، أما من فرح بنعمة الله من حيث إنها من الله كان فرحه بالله ، وذلك هو غاية الكمال ونهاية السعادة فقوله سبحانه : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } يعني فليفرحوا بتلك النعم لا من حيث هي هي ، بل من حيث إنها بفضل الله وبرحمة الله ، فهذه أسرار عالية اشتملت عليها هذه الألفاظ التي ظهرت من عالم الوحي والتنزيل ، هذا ما تلخص عندنا في هذا الباب ، أما المفسرون فقالوا : فضل الله الإسلام ، ورحمته القرآن . وقال أبو سعيد الخدري : فضل الله القرآن ، ورحمته أن جعلكم من أهله .
المسألة الرابعة : قرئ { فلتفرحوا } بالتاء ، قال الفراء : وقد ذكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء وقال : معناه فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار ، قال وقريب من هذه القراءة قراءة أبي { فبذلك فافرحوا } والأصل في الأمر للمخاطب والغائب اللام نحو لتقيم يا زيد وليقيم زيد ، وذلك لأن حكم الأمر في الصورتين واحد ، إلا أن العرب حذفوا اللام من فعل المأمور المخاطب لكثرة استعماله ، وحذفوا التاء أيضا وأدخلوا ألف الوصل نحو اضرب واقتل ليقع الابتداء به وكان الكسائي يعيب قولهم فليفرحوا لأنه وجده قليلا فجعله عيبا إلا أن ذلك هو الأصل ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض المشاهد : « لتأخذوا مصافكم » يريد به خذوا ، هذا كله كلام الفراء . وقرئ { تجمعون } بالتاء ووجهه أنه تعالى عنى المخاطبين والغائبين إلا أنه غلب المخاطب على الغائب كما يغلب التذكير على التأنيث ، فكأنه أراد المؤمنين هكذا قاله أهل اللغة وفيه دقيقة عقلية وهو أن الإنسان حصل فيه معنى يدعوه إلى خدمة الله تعالى وإلى الاتصال بعالم الغيب ومعارج الروحانيات ، وفيه معنى آخر يدعوه إلى عالم الحس والجسم واللذات الجسدانية ، وما دام الروح متعلقا بهذا الجسد ، فإنه لا ينفك عن حب الجسد ، وعن طلب اللذات الجسمانية ، فكأنه تعالى خاطب الصديقين العارفين ، وقال : حصلت الخصومة بين الحوادث العقلية الإلهية وبين النوازع النفسانية الجسدانية ، والترجيح لجانب العقل لأنه يدعو إلى فضل الله ورحمته والنفس تدعو إلى جمع الدنيا وشهواتها وفضل الله ورحمته خير لكم مما تجمعون من الدنيا لأن الآخرة خير وأبقى ، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب والتحصيل .
{ قُلْ } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمر الناس بأن يغتنموا ما في القرآن العظيم من الفضل والرحمة أي قل لهم { بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ } متعلق بمحذوف ، وأصل الكلام ليفرحوا بفضل الله تعالى وبرحمته ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإفادة اختصاصه بالمجرور ثم أدخل عليه الفاء لإفادة معنى السببية فصار بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ثم جىء بقوله سبحانه : { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } للتأكيد والتقرير ثم حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه ، والفاء الأولى قيل جزائية والثانية زائدة للتأكيد ، والأصل أن فرحوا بشيء فبذلك ليفرحوا لا بشيء آخر ثم زيدت الفاء لما ذكر ثم حذف الشرط ، وقيل : إن الأولى هي الزائدة لأن جواب الشرط في الحقيقة فليفرحوا وبذلك مقدم من تأخير لما أشير إليه ، وزيدت فيه الفاء للتحسين ، ولذلك جوز أن يكون بدلاً من قوله سبحانه : { بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ } وحينئذٍ لا يحتاج إلى القول بحذف متعلقه ونظير ذلك في الاختلاف في تعيين الزائد فيه قول النمر بن تولب
: لا تجزعي إن منفساً أهلكته . . . فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
ومن غريب العربية ما أشار إليه بعضهم إن الآية من باب الاشتغال وقد أقيم اسم الإشارة مقام ضمير المعمول وتوحيده باعتبار ما ذكر ونحوه كما هو شائع فيه ، ووجه غرابته أن المعروف في شرط الباب اشتغال العامل بضمير المعمول ولم يذكر أحد من النحاة اشتغاله باسم الإشارة إليه ، وجوز أن يقدر متعلق الجار والمجرور { *فليعتنوا } أي بفضل الله ورحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا ، والقرينة على تقدير ذلك أن ما يفرح به يكون مما يعتني ويهتم بشأنه ، أو تقديم الجار والمجرور على ما قيل ، وقال الحلبي : الدلالة عليه من السباق واضحة وليس شرط الدلالة أن تكون لفظية ، فقول أبي حيان : إن ذلك إضمار لا دليل عليه مما لا وجه له ، وأن يقدر جاءتكم بعد { اثنين قُلْ } مدلولاً عليه بما قبل أي قل جاءتكم موعظة وشفاء وهدى ورحمة بفضل الله وبرحمته ولا يجوز تعلقه بجاءتكم المذكور لأن { قُلْ } تمنع من ذلك ، وذلك على هذا إشارة إلى المصدر المفهوم من الفعل وهو المجىء أي فبمجىء المذكورات فليفرحوا ، وتكرير الباء في برحمته على سائر الأوجه للإيذان باستقلالها في استيجاب الفرح ، والمراد بالفضل والرحمة إما الجنس ويدخل فيه ما في مجىء القرآن من الفضل والرحمة دخولاً أولياً وإما ما في مجيئه من ذلك ، ويؤيده ما روي عن مجاهد أن المراد بالفضل والرحمة القرآن .
وأخرج أبو الشيخ . وابن مردويه عن أنس قال قال : «رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله »
وروي ذلك عن البراء . وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما موقوفاً . وجاء عن جمع جم أن الفضل القرآن والرحمة الإسلام وهو في معنى الحديث المذكور . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الفضل العلم والرحمة محمد صلى الله عليه وسلم . وأخرج الخطيب . وابن عساكر عنه تفسير الفضل بالنبي عليه الصلاة والسلام والرحمة بعلي كرم الله تعالى وجهه ، والمشهور وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة كما يرشد إليه قوله تعالى : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] دون الأمير كرم الله تعالى وجهه ، وإن كان رحمة جليلة رضي الله تعالى عنه وأرضاه ، وقيل : المراد بهما الجنة والنجاة من النار . وقيل غير ذلك ، ولا يجوز أن يراد بالرحمة على الوجه الأخير من أوجه الإعراب ما أريد بها أولاً بل هي فيه غير الأولى كما لا يخفى . وروى رويس عن يعقوب أنه قرأ { *فلتفرحوا } بتاء الخطاب ولام الأمر على أصل المخاطب المتروك بناءً على القول بأن أصل صيغة الأمر الأمر باللام فحذفت مع تاء المضارعة واجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الابتداء بالساكن لا على القول بأنها صيغة أصلية ، وقد وردت هذه القراءة في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أخرجه جماعة منهم أبو داود . وأحمد . والبيهقي من طرق عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه مرفوعاً ، وقرأ بها أيضاً ابن عباس . وقتادة . وغيرهما . وفي تعليقات الزمخشري على كشافه كأنه صلى الله عليه وسلم إنما آثر القراءة بالأصل لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تصريحاً به إيذاناً بأن الفرح بفضل الله تعالى وبرحمته بليغ التوصية به ليطابق التقرير والتكرير وتضمين معنى الشرط لذلك ، ونظيره مما انقلب فيه ما ليس بفصيح فصيحاً قوله سبحانه : { يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [ الصمد : 4 ] من تقديم الظرف اللغو ليكون الغرض اختصاص التوحيد انتهى ، وهو مأخوذ من كلام ابن جني في توجيه ذلك ، ونقل عن «شرح اللب » في توجيهه أنه لما كان النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الحاضر والغائب جمع بين اللام والتاء قيل : وكأنه عنى أن الأمر لما كان لجملة المؤمنين حاضرهم وغائبهم غلب الحاضرون في الخطاب على الغائبين وأتى باللام رعاية لأمر الغائبين ، وهي نكتة بديعة إلا أنه أمر محتمل ، وما نقل عن صاحب الكشاف أولى بالقبول .
وقرىء { *فافرحوا } وهي تؤيد القراءة السابقة لأنها أمر المخاطب على الأصل . وقرىء { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } بكسر اللام { هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } من الأموال والحرث والإنعام وسائر حطام الدنيا فإنها صائرة إلى الزوال مشرفة عليه وهو راجع إلى لفظ ذلك باعتبار مدلوله وهو مفرد فروعي لفظه وإن كان عبارة عن الفضل والرحمة .
ويجوز إرجاع الضمير إليهما ابتداء بتأويل المذكور كما فعل في ذلك أو جعلهما في حكم شيء واحد ، ولك أن تجعله راجعاً إلى المصدر أعني المجىء الذي أشير إليه و { مَا } تحتمل الموصولية والمصدرية . وقرأ ابن عامر { *تجمعون } بالخطاب لمن خوطب { يا أَيُّهَا الناس } [ يونس : 57 ] سواء كان عاماً أو خاصاً بكفار قريش ، وضمير { فَلْيَفْرَحُواْ } للمؤمنين أي فبذلك فليفرح المؤمنون فهو خير مما تجمعون أيها المخاطبون وعلى قراءة { *فلتفرحوا } { *وافرحوا } يكون الخطاب على ما قيل للمؤمنين ، وجوز أن يكون لهم على قراءة الغيبة أيضاً التفاتاً ، وتعقب بأن الجمع أنسب بغيرهم وإن صح وصفهم به في الجملة فلا ينبغي أن يلتزم القول بما يستلزمه ما دام مندوحة عنه .
( ومن باب الإشارة ) :{ قُلْ بِفَضْلِ الله } بتوفيقه للقبول في المقامات { وَبِرَحْمَتِهِ } بالمواهب الخلقية والعملية والكشفية فيها { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } لا بالأمور الفانية القليلة المقدار الدنية القدر { هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } [ يونس : 58 ] من الخسائس والمحقرات ، وفسر بعضهم الفضل بانكشاف صباح الأزل لعيون أرواح المريدين وزيادة وضوحه في لحظة حتى تطلع شموس الصفات . وأقمار الذات فيطيرون في أنوار ذلك بأجنحة الجذبات إلى حيث شاء الله تعالى والرحمة بتتابع مواجيد الغيوب للقلوب بنعت التفريد بلا انقطاع ، ومن هنا قال ضرغام أجمة التصوف أبو بكر الشبلي قدس سره : وقتي سرمد وبحري بلا شاطىء ؛ وقيل : فضله الوصال ورحمته الوقاية عن الانفصال ، وقيل : فضله إلقاء نيران المحبة في قلوب المريدين ورحمته جذبه أرواح المشتاقين ، وقيل : فضله سبحانه على العارفين كشف الذات وعلى المحبين كشف الصفات وعلى المريدين كشف أنوار الآيات ورحمته جل شأنه على العارفين العناية وعلى المحبين الكفاية وعلى المريدين الرعاية .
وقال الجنيد : فضل الله تعالى في الابتداء ورحمته في الانتهاء وهو مناسب لما قلنا ، وقال الكتاني : فضل الله تعالى النعم الظاهرة ورحمته النعم الباطنة وقيل غير ذلك ،