مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ} (84)

قوله تعالى { على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ( 85 ) قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون }

واعلم أن يعقوب عليه السلام لما سمع كلام أبنائه ضاق قلبه جدا وأعرض عنهم وفارقهم ثم بالآخرة طلبهم وعاد إليهم .

أما المقام الأول : وهو أنه أعرض عنهم ، وفر منهم فهو قوله : { وتولى عنهم وقال ياأسفى على يوسف } .

واعلم أنه لما ضاق صدره بسبب الكلام الذي سمعه من أبنائه في حق بنيامين عظم أسفه على يوسف عليه السلام : { وقال يا أسفي على يوسف } وإنما عظم حزنه على مفارقة يوسف عند هذه الواقعة لوجوه :

الوجه الأول : أن الحزن الجديد يقوي الحزن القديم الكامن والقدح إذا وقع على القدح كان أوجع وقال متمم بن نويرة :

وقد لامني عند القبور على البكا*** رفيقي لتذراف الدموع السوافك

فقال أتبكي كل قبر رأيته*** لقبر ثوى بين اللوى والدكادك

فقلت له إن الأسى يبعث الأسى*** فدعني فهذا كله قبر مالك

وذلك لأنه إذا رأى قبرا فتجدد حزنه على أخيه مالك فلاموه عليه ، فأجاب بأن الأسى يبعث الأسى . وقال آخر :

فلم تنسني أو في المصيبات بعده*** ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع

والوجه الثاني : أن بنيامين ويوسف كانا من أم واحدة وكانت المشابهة بينهما في الصورة والصفة أكمل ، فكان يعقوب عليه السلام يتسلى برؤيته عن رؤية يوسف عليه السلام ، فلما وقع ما وقع زال ما يوجب السلوة فعظم الألم والوجد .

الوجه الثالث : أن المصيبة في يوسف كانت أصل مصائبه التي عليها ترتب سائر المصائب والرزايا ، وكان الأسف عليه أسفا على الكل . الرابع : أن هذه المصائب الجديدة كانت أسبابها جارية مجرى الأمور التي يمكن معرفتها والبحث عنها . وأما واقعة يوسف فهو عليه السلام كان يعلم كذبهم في السبب الذي ذكروه ، وأما السبب الحقيقي فما كان معلوما له ، وأيضا أنه عليه السلام كان يعلم أن هؤلاء في الحياة ، وأما يوسف فما كان يعلم أنه حي أو ميت ، فلهذه الأسباب عظم وجده على مفارقته وقويت مصيبته على الجهل بحاله .

المسألة الثانية : من الجهال من عاب يعقوب عليه السلام على قوله : { يا أسفى على يوسف } قال : لأن هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية من الله وأنه لا يجوز ، والعلماء بينوا أنه ليس الأمر كما ظنه هذا الجاهل ، وتقريره أنه عليه السلام لم يذكر هذه الكلمة ثم عظم بكاؤه ، وهو المراد من قوله : { وابيضت عيناه من الحزن } ثم أمسك لسانه عن النياحة ، وذكر مالا ينبغي ، وهو المراد من قوله : { فهو كظيم } ثم إنه ما أظهر الشكاية مع أحد من الخلق بدليل قوله : { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله } وكل ذلك يدل على أنه لما عظمت مصيبته وقويت محنته فإنه صبر وتجرع الغصة وما أظهر الشكاية فلا جرم استوجب به المدح العظيم والثناء العظيم . روي أن يوسف عليه السلام سأل جبريل هل لك علم بيعقوب ؟ قال نعم ، قال وكيف حزنه ؟ قال : حزن سبعين ثكلى وهي التي لها ولد واحد ثم يموت ، قال : فهل له فيه أجر ؟ قال : نعم أجر مائة شهيد .

فإن قيل : روي عن محمد بن علي الباقر قال : مر بيعقوب شيخ كبير فقال له أنت إبراهيم فقال : أنا ابن ابنه والهموم غيرتني وذهبت بحسني وقوتي ، فأوحى الله تعالى إليه : «حتى متى تشكوني إلى عبادي وعزتي وجلالي لو لم تشكني لأبدلنك لحما خيرا من لحمك ودما خيرا من دمك » فكان من بعد يقول : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كان ليعقوب أخ مواخ " فقال له : ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك فقال الذي أذهب بصري البكاء على يوسف وقوس ظهري الحزن على بنيامين ، فأوحى الله تعالى إليه «أما تستحي تشكوني إلى غيري » فقال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، فقال يا رب أما ترحم الشيخ الكبير قوست ظهري ، وأذهبت بصري ، فاردد علي ريحانتي يوسف وبنيامين فأتاه جبريل عليه السلام بالبشرى وقال : لو كانا ميتين لنشرتهما لك فاصنع طعاما للمساكين ، فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين ، وكان يعقوب عليه السلام إذا أراد الغداء نادى مناديه من أراد الغداء فليتغد مع يعقوب ، وإذا كان صائما نادى مثله عند الإفطار . وروي أنه كان يرفع حاجبيه بخرقة من الكبر ، فقال له رجل : ما هذا الذي أراه بك ، قال طول الزمان وكثرة الأحزان ، فأوحى الله إليه «أتشكوني يا يعقوب » فقال : يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي .

قلنا : إنا قد دللنا على أنه لم يأت إلا بالصبر والثبات وترك النياحة . وروي أن ملك الموت دخل على يعقوب عليه السلام فقال له : جئت لتقبضني قبل أن أرى حبيبي فقال : لا ، ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك ، وأما البكاء فليس من المعاصي . وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام : بكى على ولده إبراهيم عليه السلام وقال : " إن القلب ليحزن والعين تدمع ، ولا نقول : ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون " وأيضا فاستيلاء الحزن على الإنسان ليس باختياره ، فلا يكون ذلك داخلا تحت التكليف . وأما التأوه وإرسال البكاء فقد يصير بحيث لا يقدر على دفعه ، وأما ما ورد في الروايات التي ذكرتم فالمعاتبة فيها إنما كانت لأجل أن حسنات الأبرار سيئات المقربين . وأيضا ففيه دقيقة أخرى وهي أن الإنسان إذا كان في موضع التحير والتردد لا بد وأن يرجع إلى الله تعالى ، فيعقوب عليه السلام ما كان يعلم أن يوسف بقي حيا أم صار ميتا ، فكان متوقفا فيه وبسبب توقفه كان يكثر الرجوع إلى الله تعالى وينقطع قلبه عن الالتفات عن كل ما سوى الله تعالى إلا في هذه الواقعة ، وكان أحواله في هذه الواقعة مختلفة ، فربما صار في بعض الأوقات مستغرق الهم بذكر الله تعالى ، فإن عن تذكر هذا الواقعة ، فكان ذكرها كلا سواها ، فلهذا السبب صارت هذا الواقعة بالنسبة إليه ، جارية مجرى الإلقاء في النار للخليل عليه السلام ومجرى الذبح لابنه الذبيح .

فإن قيل : أليس أن الأولى عند نزول المصيبة الشديدة أن يقول : { إنا لله وإنا إليه راجعون } حتى يستوجب الثواب العظيم المذكور في قوله : { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } .

قلنا : قال بعض المفسرين إنه لم يعط الاسترجاع أمة إلا هذه الأمة فأكرمهم الله تعالى إذا أصابتهم مصيبة وهذا عندي ضعيف لأن قوله : { إنا لله } إشارة إلى أنا مملوكون لله وهو الذي خلقنا وأوجدنا ، وقوله : { وإنا إليه راجعون } إشارة إلى أنه لا بد من الحشر والقيامة ، ومن المحال أن أمة من الأمم لا يعرفون ذلك فمن عرف عند نزول بعض المصائب به أنه لا بد في العاقبة من رجوعه إلى الله تعالى ، فهناك تحصل السلوة التامة عند تلك المصيبة ، ومن المحال أن يكون لمؤمن بالله غير عارف بذلك .

المسألة الثالثة : قوله : { يا أسفي على يوسف } نداء الأسف وهو كقوله : «يا عجبا » والتقدير كأنه ينادي الأسف ويقول : هذا وقت حصولك وأوان مجيئك وقد قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة منها في تفسير قوله : { حاش لله } والأسف الحزن على ما فات . قال الليث : إذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه فأنت أسيف أي حزني ومتأسف أيضا . قال الزجاج : الأصل { يا أسفى } إلا أن ياء الإضافة يجوز إبدالها بالألف لخفة الألف والفتحة .

ثم قال تعالى : { وابيضت عيناه من الحزب } وفيه وجهان :

الوجه الأول : أنه لما قال يا أسفى على يوسف غلبه البكاء ، وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء وقوله : { وابيضت عيناه من الحزن } كناية عن غلبة البكاء ، والدليل على صحة هذا القول أن تأثير الحزن في غلبة البكاء لا في حصول العمى فلو حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسنا : ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل ، فكان ما ذكرناه أولى . وهذا للتفسير مع الدليل رواه الواحدي في «البسيط » عن ابن عباس رضي الله عنهما .

والوجه الثاني : أن المراد هو العمى قال مقاتل : لم يبصر بهما ست سنين حتى كشف الله تعالى عنه بقميص يوسف عليه السلام وهو قوله : { فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا } قيل إن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام حينما كان في السجن فقال إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك فوضع يده على رأسه وقال : ليت أمي لم تلدني ولم أك حزنا على أبي ، والقائلون بهذا التأويل قالوا : الحزن الدائم يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى ، فالحزن كان سببا للعمى بهذه الواسطة ، وإنما كان البكاء الدائم يوجب العمى ، لأنه يورث كدورة في سوداء العين ، ومنهم من قال : ما عمي لكنه صار بحيث يدرك إدراكا ضعيفا . قيل : ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف عليه السلام إلى حين لقائه ، وتلك المدة ثمانون عاما ، وما كان على وجه الأرض عبدا أكرم على الله تعالى من يعقوب عليه السلام .

أما قوله تعالى : { من الحزن } فاعلم أنه قرئ { من الحزن } برفع الحاء وسكون الزاي ، وقرأ الحسن بفتح الحاء والزاي . قال الواحدي : واختلفوا في الحزن والحزن فقال قوم : الحزن البكاء والحزن ضد الفرح ، وقال قوم : هما لغتان يقال أصابه حزن شديد ، وحزن شديد ، وهو مذهب أكثر أهل اللغة ، وروى يونس عن أبي عمرو قال : إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاي كقوله : { تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا } وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع ضموا الحاء كقوله : { من الحزن } وقوله : { أشكو بثي وحزني إلى الله } قال هو في موضع رفع الابتداء .

وأما قوله تعالى : { فهو كظيم } فيجوز أن يكون بمعنى الكاظم وهو الممسك على حزنه فلا يظهره قال ابن قتيبة : ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم ، ومعناه المملوء من الحزن مع سد طريق نفسه المصدور من كظم السقاء إذا اشتد على ملئه ، ويجوز أيضا أن يكون بمعنى مملوء من الغيظ على أولاده .

واعلم أن أشرف أعضاء الإنسان هذه الثلاثة ، فبين تعالى أنها كانت غريقة في الغم فاللسان كان مشغولا بقوله : { يا أسفى } والعين بالبكاء والبياض والقلب بالغم الشديد الذي يشبه الوعاء المملوء الذي شد ولا يمكن خروج الماء منه وهذه مبالغة في وصف ذلك الغم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَـٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ} (84)

{ وَتَوَلَّى } أي أعرض { عَنْهُمْ } كراهة لما جاؤا به { وَقَالَ يَا أسَفى عَلَى يُوسُفَ } الأسف أشد الحزن على ما فات ، والظاهر أنه عليه السلام أضافه إلى نفسه ، والألف بدل من ياء المتكلم للتخفيف ، والمعنى يا أسفى تعال فهذا أوانك ، وقيل : الألف ألف الندبة والهاء محذوفة والمعول عليه الأول ، وإنما تأسف على يوسف مع أن الحادث مصيبة أخوية لأن رزأه كان قاعدة الإرزاء عنده وإن تقادم عهده أخذاً بمجامع قلبه لا ينساه ولا يزول عن فكره أبداً :

ولم تنسني أو في المصيبات بعده *** ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع

ولا يرد أن هذا مناف لمنصب النبوة إذ يقتضي ذلك معرفة الله تعالى ومن عرفه سبحانه أحبه ومن أحبه لم يتفرغ قلبه لحب ما سواه لما قيل : إن هذه محبة طبيعية ولا تأبى الاجتماع مع حبه تعالى ، وقال الإمام : إن مثل هذه المحبة الشديدة تزيل عن القلب الخواطر ويكون صاحبها كثير الرجوع إليه تعالى كثير الدعاء والتضرع/ فيصير ذلك سبباً لكمال الاستغراق ، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما للصوفية قدس الله تعالى أسرارهم في هذا المقام في باب الإشارة ، وقيل : لأنه عليه السلام كان واثقاً بحياتها عالماً بمكانهما طامعاً بإيابهما وأما يوسف فلم يكن في شأنه ما يحرك سلسلة رجائه سوى رحمة الله تعالى وفضله وفيه بحث . وأخرج الطبراني وابن مردوية والبيهقي في «شعب الإيمان » عن سعيد بن جبير [ لم تعط أمة من الأمم { إنا لله وإنا إليه راجعون } [ البقرة : 156 ] إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ] أي لم يعلموه ولم يوفقوا له عند نزول المصيبة بهم ، ألا يرى إلى يعقوب عليه السلام حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال ما قال ، وفي { أسفا } و { يوسف } تجنيس نفيس من غير تكلف وخو مما يزيد الكلام الجليل بهجة .

{ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْن } أي بسببه وهو في الحقيقة سبب للبكاء والبكاء سبب لابيضاض عينه فإن العبرة إذا كثرت محقت سواد العين وقلبته إلى بياض كدر فأقيم سبب السبب مقامه لظهوره ، والابيضاض قيل إنه كناية عن العمى فيكون قد ذهب بصره عليه السلام بالكلية واستظهره أبو حيان لقوله تعالى : { فارتد بصيراً } [ يوسف : 96 ] وهو يقابل بالأعمى ، وقيل : ليس كناية عن ذلك والمراد من الآية أنه عليه السلام صارت في عينيه غشاوة بيضتهما وكان عليه السلام يدرك إدراكاً ضعبفاً ، وقد تقدم الكلام في حكم العمى بالنسبة إلى الأنبياء عليهم السلام ، وكان الحسن ممن يرى جوازه . فقد اخرج عبالله بن أحمد في «زوائده » وابن جرير وأبو الشيخ عنه قال : كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب عليهما السلام إلى يوم رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ودموعه تجري على خديه ولم يزل يبكي حتى ذهب بصره وما على الأرض يومئذ والله أكرم على الله تعالى منه ، والظاهر أنه عليه السلام لم يحدث له هذا الأمر عند الحادث الأخير ، ويدل عليه ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ليث بن أبي سليم أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام في السجن فعرفه فقال له أيها الملك الكريم على ربه هل لك علم بيعقوب ؟ قال : نعم .

قال : ما فعل ؟ قال : ابيضت عيناه من الحزن عليك قال : فما بلغ من الحزن ؟ قال : حزن سبعين مشكلة قال : هل له على ذلك من أجر ؟ قال : نعم أجر مائة شهيد وقرأ ابن عباس ومجاهد { من الحزن } بفتح الحاء والزاي وقرأ قتادة بضمهما .

واستدل بالآية على جواز التأسف والكاء عند النوائب ، ولعل الكف عن أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد .

وقد روى الشيخان من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم بكى على ولده إبراهيم وقال : «إن العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون » وإنما المنهي عنه ما يفعله الجهلة من النياحة ولطم الخدود والصدور وشق الجيوب وتمزيق الثياب . ورويا أيضاً من حديث أسامة أنه صلى الله عليه وسلم رفع إليه صبي لبعض بناته يجود بنفسه فأقعده في حجره ونفسه تتقعقع كأنها في شن ففاضت عيناه عليه الصلاة والسلام فقال سعد : يا رسول الله ما هذا ؟ فقال : هذه رحمة جعلها الله تعالى فيمن شاء من عباده وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء . وفي «الكشاف » أنه قيل له عليه الصلاة والسلام : تبكي وقد نهيتنا عن البكاء ؟ قال . ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أحمقين صوت عند الفرح وصوت عند الترح . وعن الحسن أنه بكى على ولد أو غيره فقيل له في ذلك فقال : ما رأيت الله تعالى جعل الحزن عاراً على يعقوب عليه السلام .

{ فَهُوَ كَظيمٌ } / أي مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا يظهره ، وقيل : مملوء من الحزن ممسك له لا يبديه ، وهو من كظم السقاء إذا شده بعده ملئه ، ففعيل بمعنى مفعول أي مكظوم فهو كما جاء في يونس عليه السلام { إذ نادى وهو مكظوم } [ القلم : 48 ] ويجوز أن يكون بمعنى فاعل كقوله تعالى : { والكاظمين } [ آل عمران : 134 ] من كظم الغيظ إذا تجرعه أي شديد التجرع للغيظ أو الحزن لأنه لم يشكه إلى أحد قط ، وأصله من كظم البعير جرته إذا ردها في جوفه فكأنه عليه السلام يرد ذلك في جوفه مرة بعد أخرى من غير أن يطلع أحداً عليه . وفي الكلام من الاستعارة على الوجهين ما لا يخفى ، ورجح الأخير منهما بأن فعيلاً بمعنى فاعل مطرد ولا كذلك فعيلاً بمعنى مفعول .

( ومن باب الإشارة { وَقَالَ يا أسفى على يُوسُفَ } قال بعض العارفين : إن تأسفه على رؤية جمال الله تعالى من مرآة وجه يوسف عليه السلام وقد تمتع بذلك برهة من الزمان حتى حالت بينه وبينه طوارق الحدثان فتأسف عليه السلام لذلك واشتاقت نفسه لما هناك :

سقى الله أياماً لنا ولياليا *** مضت فجرت من ذكرهن دموع

فياهل لها يوماً من الدهر أوبة *** وهل لي إلى أرض الحبيب رجوع

{ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن } [ يوسف : 84 ] حيث بكى حتى أضر بعينيه وكان ذلك حتى لا يرى غير حبيبه :

لما تيقنت أني لست أبصركم *** غمضت عيني فلم أنظر إلى أحد

قال بعض العارفين : الحكمة في ذهاب بصر يعقوب وبقاء بصر آدم وداود عليهما السلام مع أنهما بكيا دهراً طويلاً إن بكاء يعقوب كان بكاء حزن معجون بألم الفراق حيث فقد تجلى جمال الحق من مرآة وجه يوسف ولا كذلك بكاء آدم وداود فإنه كان بكاء الندم والتوبة وأين ذلك المقام من مقام العشق ، وقال أبو سعيد القرشي : إنما لم يذهب بصرهما لأن بكاءهما كان من خوف الله تعالى فحفظاً وبكاء يعقوب كان لفقد لذة فعوتب ، وقيل : يمكن أن يكون ذهاب بصره عليه السلام من غيرة الله تعالى عليه حين بكى لغيره وإن كان واسطة بينه وبينه ، ولهذا جاء أن الله تعالى أوحى إليه يا يعقوب أتتأسف على غيري وعزتي لآخذن عينيك ولا أردهما عليك حتى تنساه ، واختار بعض العارفين أن ذلك الأسف والبكاء ليسا إلا لفوات ما انكشف له عليه السلام من تجلى الله تعالى في مرآة وجه يوسف عليه السلام ، ولعمري أنه لو كان شاهد تجليه تعالى في أول التعنيات وعين أعيان الموجودات صلى الله عليه وسلم لنسي ما رأى ولما عراه ما عرا ولله تعالى در سيدي ابن الفارض حيث يقول :

لو أسمعوا يعقوب بعض ملاحة *** في وجهه نسي الجمال اليوسفي