ثم قال تعالى : { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه } وقد مضى الكلام في الجهاز والرحل ، أما السقاية فقال صاحب «الكشاف » : مشربة يسقي بها وهو الصواع قيل : كان يسقي بها الملك ثم جعلت صاعا يكال به ، وهو بعيد لأن الإناء الذي يشرب الملك الكبير منه لا يصلح أن يجعل صاعا ، وقيل : كانت الدواب تسقى بها ويكال بها أيضا وهذا أقرب ، ثم قال وقيل كانت من فضة مموهة بالذهب ، وقيل : كانت من ذهب ، وقيل : كانت مرصعة بالجواهر وهذا أيضا بعيد لأن الآنية التي يسقى الدواب فيها لا تكون كذلك ، والأولى أن يقال : كان ذلك الإناء شيئا له قيمة ، أما إلى هذا الحد الذي ذكروه فلا .
ثم قال تعالى : { ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون } يقال : أذنه أي أعلمه وفي الفرق بين أذن وبين أذن وجهان : قال ابن الأنباري : أذن معناه أعلم إعلاما بعد إعلام لأن فعل يوجب تكرير الفعل قال ويجوز أن يكون إعلاما واحدا من قبيل أن العرب تجعل فعل بمعنى أفعل في كثير من المواضع ، وقال سيبويه : أذنت وأذنت معناه أعلمت لا فرق بينهما ، والتأذين معناه : النداء والتصويت بالإعلام .
وأما قوله تعالى : { أيتها العير إنكم لسارقون } قال أبو الهيثم : كل ما سير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير وقول من قال العير الإبل خاصة باطل ، وقيل : العير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء ، وقيل : هي قافلة الحمير ، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل قافلة عير كأنها جمع عير وجمعها فعل كسقف وسقف .
إذا عرفت هذا فنقول : { أيتها العير } المراد أصحاب العير كقوله : يا خيل الله اركبي وقرأ ابن مسعود : { وجعل السقاية } على حذف جواب لما كأنه قيل فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه أمهلهم حتى انطلقوا { ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون } .
فإن قيل : هل كان ذلك النداء بأمر يوسف أو ما كان بأمره ؟ فإن كان بأمره فكيف يليق بالرسول الحق من عند الله أن يتهم أقواما وينسبهم إلى السرقة كذبا وبهتانا ، وإن كان الثاني وهو أنه ما كان ذلك بأمره فهلا أنكره وهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة .
قلنا : العلماء ذكروا في الجواب عنه وجوها : الأول : أنه عليه السلام لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال له : إني أريد أن أحبسك ههنا ، ولا سبيل إليه إلا بهذه الحيلة فإن رضيت بها فالأمر لك فرضي بأن يقال في حقه ذلك ، وعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام فخرج عن كونه ذنبا . والثاني : أن المراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام ، والمعاريض لا تكون إلا كذلك . والثالث : أن ذلك المؤذن ربما ذكر ذلك النداء على سبيل الاستفهام ، وعلى هذا التقدير يخرج عن أن يكون كذبا . الرابع : ليس في القرآن أنهم نادوا بذلك النداء عن أمر يوسف عليه السلام والأقرب إلى ظاهر الحال أنهم فعلوا ذلك من أنفسهم لأنهم لما طلبوا السقاية وما وجدوها وما كان هناك أحد إلا هم غلب على ظنونهم أنهم هم الذين أخذوها .
{ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ } ووفى لهم الكيل وزاد كلا منهم على ما روي حمل بعير { جَعَلَ السقاية } هي إناء يشرب به الملك وبه كان يكال الطعام للناس ، وقيل : كانت تسقى بها الدواب ويكال بها الحبوب ، وكانت من فضة مرصعة بالجواهر على ما روي عن عكرمة أو بدون ذلك كما روى عن ابن عباس . والحسن وعن ابن زيد أنها من ذهب ، وقيل : من فضة مموهة بالذهب ، وقيل : كانت إناء مستطيلة تشبه المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه يستعمله الأعاجم ، يروى أنه كان للعباس مثله يشرب به في الجاهلية ولعزة الطعام في تلك الأعوام قصر كيله على ذلك ، والظاهر أن الجاعل هو يوسف عليه السلام نفسه ، ويظهر من حيث كونه ملكاً أنه عليه السلام لم يباشر الجعل بنفسه بل أمر أحداً فجعلها { فِى رَحْلِ أَخِيهِ } بنيامين من حيث يشعر أو لا يشعر .
وقرىء { وَجَعَلَ } بواو ، وفي ذلك احتمالان . الأول أن تكون الواو زائدة على مذهب الكوفيين وما بعدها هو جواب { لَّمّاً } والثاني أن تكون عاطفة على محذوف وهو الجواب أي فلما جهزهم أمهلهم حتى انطلقوا وجعل { ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ } نادى مسمع كما في مجمع البيان ، وفي الكشاف وغيره نادى مناد .
وأورد عليه أن النحاة قالوا : لا يقال قام قائم لأنه لا فائدة فيه . وأجيب بأنهم أرادوا أن ذلك المنادي من شأنه الأعلام بما نادى به بمعنى أنه موصوف بصفة مقدرة تتم بها الفائدة أي أذن رجل معين للأذان { أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } وقد يقال : قياس ما في النظم الجليل على المثال المذكور ليس تتم في محله وكثيراً ما تتم الفائدة بما ليس من أجزاء الجملة ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : «لا يزن الزاني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن » والعير الإبل التي عليها الأحمال سميت بذلك لأنها تعير أي تذهب وتجيء ، وهو اسم جمع لذلك لا واحد له ، والمراد هنا أصحاب العير كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «يا خيل الله اركبي » وذلك اما من باب المجاز أو الاضمار إلا أنه نظر إلى المعنى( {[410]} ) في الآية ولم ينظر إليه في الحدبث( {[411]} ) وقيل : العير قافلة الحمير ثم توسع( {[412]} ) فيها حتى قيلت لكل قافلة كأنها جمع عير بفتح العين وسكون الياء وهو الحمار ، وأصلها عير بضم العين والياء استثقلت الضمة على الياء فحذفت ثم كسرت العين لثقل الياء بعد الضمة كما فعل في بيض جمع أبيض وغيد جمع أغيد ، وحمل العير هنا على قافلة الإبل هو المروى عن الأكثرين ، وعن مجاهد أنها كانت قافلة حمير ، والخطاب { ِإَنَّكُمُ * لَسَارِقُونَ } ان كان بأمر يوسف عليه السلام فلعله أريد بالسرقة أخذهم له من أبيه على وجه الخيانة كالسراق ؛ ودخول بنيامين فيه بطريق التغليب أو أريد سرقة( {[413]} ) السقاية ، ولا يضر لزوم الكذب لأنه إذا اتضمن مصلحة رخص فيه .
وإما كونه برضا أخيه فلا يدفع ارتكاب الكذب وإنما يدفع تأذى الأخ منه ، أو يكون المعنى على الاستفهام أي أئنكم لسارقون ولا يخفى ما فيه من البعد وإلا فهو من قبل المؤذن بناء على زعمه قيل والأول هو الأظهر الأوفق للسياق . وفي البحر الذي يظهر أن هذا التحيل ورمي البرآء بالسرقة وإدخال الهم على يعقوب عليه السلام بوحي من الله تعالى لما علم سبحانه في ذلك من الصلاح ولما أراد من محنتهم بذلك ، ويؤيده قوله سبحانه : { وكذلك * كِدْنَا لِيُوسُفَ } [ يوسف : 76 ] وقرأ اليماني { إِنَّكُمْ } بلا لام .
( ومن باب الإشارة { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقايةفي رَحْلِ أَخِيهِ } [ يوسف : 70 ] قيل : إن الله تعالى أمره بذلك ليكون شريكاً لإخوته في الإيذاء بحسب الظاهر فلا يخجلوا بين يديه إذا كشف الأمر ، وحيث طلب قلب بنيامين برؤية يوسف احتمل الملامة ، وكيف لا يحتمل ذلك وبلاء العالم محمول بلمحة رؤية المعشوق ، والعاشق الصادق يؤثر الملامة ممن كانت في هوى محبوبه :
أجد الملامة في هواك لذيذة *** حبا لذكرك فليلمني اللوم
وفي الآية على ما قيل إشارة لطيفة إلى أن من اصطفاه الله تعالى في الأزل لمحبته ومشاهدته وضع في رحله صاع ملامة الثقلين ، ألا ترى إلى ما فعل بآدم عليه السلام صفيه كيف اصطفاه ثم عرض عليه الأمانة التي لم يحملها السموات والأرض والجبال وأشفقن منها فحملها ثم هيج شهوته إلى حبة حنطة ثم نادى عليه بلسان الأزل { وعصى ءادَم رَبَّهُ فغوى } [ طه : 121 ] وذلك لغاية حبه له حتى صرفه عن الكون وما فيه ومن فيه إليه ولولا أن كشف جماله له لم يتحمل بلاء الملامة ، وهذا كما فعل يوسف عليه السلام بأخيه آواه إليه وكشف جماله له وخاطبه بما خاطبه ثم جعل السقاية في رحله ثم نادى عليه بالسرقة ليبقيه معه
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.