مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (233)

الحكم الثاني عشر : في الرضاع

قوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما } .

اعلم أن في قوله تعالى : { والوالدات } ثلاثة أقوال الأول : أن المراد منه ما أشعر ظاهر اللفظ وهو جميع الوالدات ، سواء كن مزوجات أو مطلقات ، والدليل عليه أن اللفظ عام وما قام دليل التخصيص فوجب تركه على عمومه .

والقول الثاني : المراد منه : الوالدات المطلقات ، قالوا : والذي يدل على أن المراد ذلك وجهان أحدها : أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آية الطلاق ، فكانت هذه الآية تتمة تلك الآيات ظاهرا ، وسبب التعليق بين هذه الآية وبين ما قبلها أنه إذا حصلت الفرقة حصل التباغض والتعادي ، وذلك يحمل المرأة على إيذاء الولد من وجهين أحدهما : أن إيذاء الولد يتضمن إيذاء الزوج المطلق والثاني : أنها ربما رغبت في التزوج بزوج آخر ، وذلك يقتضي إقدامها على إهمال أمر الطفل فلما كان هذا الاحتمال قائما لا جرم ندب الله الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم ، فقال : { والوالدات يرضعن أولادهن } والمراد المطلقات .

الحجة الثانية لهم : ما ذكره السدي ، قال : المراد بالوالدات المطلقات ، لأن الله تعالى قال بعد هذه الآية : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن } ولو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا لأجل الرضاع ، واعلم أنه يمكن الجواب عن الحجة الأولى أن هذه الآية مشتملة على حكم مستقل بنفسه ، فلم يجب تعلقها بما قبلها ، وعن الحجة الثانية لا يبعد أن تستحق المرأة قدرا من المال لمكان الزوجية وقدرا آخر لمكان الرضاع فإنه لا منافاة بين الأمرين .

القول الثالث : قال الواحدي في «البسيط » : الأولى أن يحمل على الزوجات في حال بقاء النكاح لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة .

فإن قيل : إذا كانت الزوجية باقية فهي مستحقة النفقة والكسوة بسبب النكاح سواء أرضعت الولد أو لم ترضع فما وجه تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع .

قلنا : النفقة والكسوة يجبان في مقابلة التمكين ، فإذا أشغلت بالحضانة والإرضاع لم تتفرغ لخدمة الزوج فربما توهم متوهم أن نفقتها وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في خدمة الزوج فقطع الله ذلك الوهم بإجاب الرزق والكسوة ، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع ، هذا كله كلام الواحدي رحمه الله .

أما قوله تعالى : { يرضعن أولادهن } ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : هذا الكلام وإن كان في اللفظ خبرا إلا أنه في المعنى أمر وإنما جاز ذلك لوجهين الأول : تقدير الآية : والوالدات يرضعن أولادهن في حكم الله الذي أوجبه ، إلا أنه حذف لدلالة الكلام عليه والثاني : أن يكون معنى يرضعن : ليرضعن ، إلا أنه حذف ذلك للتصرف في الكلام مع زوال الإيهام .

المسألة الثانية : هذا الأمر ليس أمر إيجاب ، ويدل عليه وجهان الأول : قوله تعالى : { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } ولو وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة والثاني : أنه تعالى قال بعد ذلك : { وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } وهذا نص صريح ، ومنهم من تمسك في نفي الوجوب عليها بقوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن } والوالدة قد تكون مطلقة فلم يكن وجوب رزقها على الوالد إلا بسبب الإرضاع ، فلو كان الإرضاع واجبا عليها لما وجب ذلك ، وفيه البحث الذي قدمناه ، إذا ثبت أن الإرضاع غير واجب على الأم فهذا الأمر محمول على الندب من حيث أن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من سائر الألبان ، ومن حيث إن شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها هذا إذا لم يبلغ الحال في الولد إلى حد الاضطرار بأن لا يوجد غير الأم ، أو لا يرضع الطفل إلا منها ، فواجب عليها عند ذلك أن ترضعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر في الطعام .

أما قوله تعالى : { حولين كاملين } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : أصل الحول من حال الشيء يحول إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني ، وإنما ذكر الكمال لرفع التوهم من أنه على مثل قولهم أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين ، وإنما أقام حولا وبعض الآخر ، ويقولون : اليوم يومان مذ لم أره ، وإنما يعنون يوما وبعض اليوم الآخر .

المسألة الثانية : اعلم أنه ليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب ويدل عليه وجهان الأول : أنه تعالى قال بعد ذلك : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } فلما علق هذا الإتمام بإرادتنا ثبت أن هذا الإتمام غير واجب الثاني : أنه تعالى قال : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما } فثبت أنه ليس المقصود من ذكر هذا التحديد إيجاب هذا المقدار ، بل فيه وجوه الأول : وهو الأصح أن المقصود منه قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاع ، فقدر الله ذلك بالحولين حتى يرجعا إليه عند وقوع التنازع بينهما ، فإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم لم يكن له ذلك ، وكذلك لو كان على عكس هذا فأما إذا اجتمعا على أن يفطما الولد قبل تمام الحولين فلهما ذلك .

الوجه الثاني : في المقصود من هذا التحديد هو أن للرضاع حكما خاصا في الشريعة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » والمقصود من ذكر هذا التحديد بيان أن الارتضاع ما لم يقع في هذا الزمان ، لا يفيد هذا الحكم ، هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه ، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري رضي الله عنهم ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : مدة الرضاع ثلاثون شهرا .

حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه :

الحجة الأولى : أنه ليس المقصود من قوله : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } هو التمام بحسب حاجة الصبي إلى ذلك ، إذ من المعلوم أن الصبي كما يستغني عن اللبن عند تمام الحولين ، فقد يحتاج إليه بعد الحولين لضعف في تركيبه لأن الأطفال يتفاوتون في ذلك ، وإذا لم يجز أن يكون المراد بالتمام هذا المعنى ، وجب أن يكون المراد هو الحكم المخصوص المتعلق بالرضاع ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على أن حكم الرضاع لا يثبت إلا عند حصول الإرضاع في هذه المدة .

الحجة الثانية : روي عن علي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : «لا رضاع بعد فصال » وقال تعالى : { وفصاله فى عامين } .

الحجة الثالثة : ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : « لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين » .

والوجه الثالث : في المقصود من هذا التحديد ما روى ابن عباس أنه قال للتي تضع لستة أشهر أنها ترضع حولين كاملين ، فإن وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرا ، وقال آخرون : الحولان هذا الحد في رضاع كل مولود ، وحجة ابن عباس رضي الله عنهما أنه تعالى قال : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } دلت هذه الآية على أن زمان هاتين الحالتين هو هذا القدر من الزمان ، فكما ازداد في مدة إحدى الحالتين انتقص من مدة الحالة الأخرى .

المسألة الثالثة : روي أن رجلا جاء إلى علي رضي الله عنه فقال : تزوجت جارية بكرا وما رأيت بها ريبة ، ثم ولدت لستة أشهر ، فقال علي رضي الله عنه قال الله : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } وقال تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } فالحمل ستة أشهر الولد ولدك ، وعن عمر أنه جىء بامرأة وضعت لستة أشهر ، فشاور في رجمها ، فقال ابن عباس : إن خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم ، ثم ذكر هاتين الآيتين واستخرج منهما أن أقل الحمل ستة أشهر .

أما قوله تعالى : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : قرأ ابن عباس رضي الله عنهما : { أن يكمل الرضاعة } وقرىء { الرضاعة } بكسر الراء .

المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان الأول : أن تقدير الآية : هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة ، وعن قتادة أنزل الله حولين كاملين ، ثم أنزل اليسر والتخفيف فقال : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } والمعنى أنه تعالى جوز النقصان بذكر هذه الآية والثاني : أن اللام متعلقة بقوله : { يرضعن } كما تقول : أرضعت فلانة لفلان ولده ، أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الإرضاع من الآباء ، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم لما بيناه .

أما قوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : { المولود له } هو الوالد ، وإنما عبر عنه بهذا الاسم لوجوه الأول : قال صاحب «الكشاف » : إن السبب فيه أن يعلم أن الوالدات إنما ولدن الأولاد للآباء ، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات وأنشد للمأمون بن الرشيد :

وإنما أمهات الناس أوعية *** مستودعات وللآباء أبناء

الثاني : أن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد لكونه مولودا على فراشه على ما قال صلى الله عليه وسلم : " الولد للفراش " فكأنه قال : إذا ولدت المرأة الولد للرجل وعلى فراشه ، وجب عليه رعاية مصالحه ، فهذا تنبيه على أن سبب النسب واللحاق مجرد هذا القدر الثالث : أنه قيل في تفسير قوله : { قال ابن أم } أن المراد منه أن الأم مشفقة على الولد ، فكان الغرض من ذكر الأم تذكير الشفقة ، فكذا ههنا ذكر الوالد بلفظ المولود له تنبيها على أن هذا الولد إنما ولد لأجل الأب ، فكأن نقصه عائدا إليه ، ورعاية مصالحه لازمة له ، كما قيل : كلمة لك ، وكلمة عليك .

المسألة الثانية : أنه تعالى كما وصى الأم برعاية جانب الطفل في قوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } وصى الأب برعاية جانب الأم حتى تكون قادرة على رعاية مصلحة الطفل فأمره برزقها وكسوتها بالمعروف ، والمعرف في هذا الباب قد يكون محدودا بشرط وعقد ، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف ، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها ، فقد استغنى عن تقدير الأجرة ، فإنه إن كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها من الجوع والعري ، فضررها يتعدى إلى الولد .

المسألة الثالثة : أنه تعالى وصى الأم برعاية الطفل أولا ، ثم وصى الأب برعايته ثانيا ، وهذا يدل على أن احتياج الطفل إلى رعاية الأم أشد من احتياجه إلى رعاية الأب ، لأنه ليس بين الطفل وبين رعاية الأم واسطة البتة ، أما رعاية الأب فإنما تصل إلى الطفل بواسطة ، فإنه يستأجر المرأة على إرضاعه وحضانته بالنفقة والكسوة ، وذلك يدل على أن حق الأم أكثر من حق الأب ، والأخبار المطابقة لهذا المعنى كثيرة مشهورة ، ثم قال تعالى : { لا تكلف نفس إلا وسعها } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : التكليف : الإلزام ، يقال : كلفه الأمر فتكلف وكلف ، وقيل : إن أصله من الكلف ، وهو الأثر على الوجه من السواد ، فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره ، والوسع ما يسع الإنسان فيطيقه أخذه ، من سعة الملك أي العرض ، ولو ضاق لعجز عنه ، والسعة بمنزلة القدرة ، فلهذا قيل : الوسع فوق الطاقة .

المسألة الثانية : المراد من الآية أن أب هذا الصبي لا يكلف الإنفاق عليه وعلى أمه ، إلا ما تتسع له قدرته ، لأن الوسع في اللغة ما تتسع له القدرة ، ولا يبلغ استغراقها ، وبين أنه لا يلزم الأب إلا ذلك ، وهو نظير قوله في سورة الطلاق : { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } ثم قال : { وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } ثم بين في النفقة أنها على قدر إمكان الرجل بقوله : { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } .

المسألة الثالثة : المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن الله تعالى لا يكلف العباد إلا ما يقدرون عليه ، لأنه أخبر أنه لا يكلف أحدا إلا ما تتسع له قدرته ، والوسع فوق الطاقة ، فإذا لم يكلفه الله تعالى ما لا تتسع له قدرته ، فبأن لا يكلفه ما لا قدرة له عليه أولى .

ثم قال : { لا تضار والدة بولدها } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة عن الكسائي { لا تضار } بالرفع والباقون بالفتح ، أما الرفع فقال الكسائي والفراء إنه نسق على قوله : { لا تكلف } قال علي بن عيسى : هذا غلط لأن النسق بلا إنما هو إخراج الثاني مما دخل فيه الأول نحو : ضربت زيدا لا عمرا فأما أن يقال : يقوم زيد لا يقعد عمرو ، فهو غير جائز على النسق ، بل الصواب أنه مرفوع على الاستئناف في النهي كما يقال : لا يضرب زيد لا تقتل عمرا وأما النصب فعلى النهي ، والأصل لا تضار فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين ، يقال : يضارر رجل زيدا ، وذلك لأن أصل الكلمة التضعيف ، فأدغمت إحدى الراءين في الأخرى ، فصار لا تضار ، كما تقول : لا تردد ثم تدغم فتقول : لا ترد بالفتح قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } وقرأ الحسن : { تضار } بالكسر وهو جائز في اللغة ، وقرأ أبان عن عاصم { لا تضارر } مطهرة الراء مكسورة على أن الفعل لها .

المسألة الثانية : قوله : { لا تضار } يحتمل وجهين كلاهما جائز في اللغة ، وإنما احتمل الوجهين نظرا لحال الإدغام الواقع في تضار أحدهما : أن يكون أصله لا تضار بكسر الراء الأولى ، وعلى هذا الوجه تكون المرأة هي الفاعلة للضرار والثاني : أن يكون أصله لا تضارر بفتح الراء الأولى فتكون المرأة هي المفعولة بها الضرار ، وعلى الوجه الأول يكون المعنى : لا تفعل الأم الضرار بالأب بسبب إيصال الضرار إلى الولد ، وذلك بأن تمتنع المرأة من إرضاعه مع أن الأب ما امتنع عليها في النفقة من الرزق والكسوة ، فتلقى الولد عليه ، وعلى الوجه الثاني معناه : لا تضارر ، أي لا يفعل الأب الضرار بالأم فينزع الولد منها مع رغبتها في إمساكها وشدة محبتها له ، وقوله : { ولا مولود له بولده } أي : ولا تفعل الأم الضرار بالأب بأن تلقي الولد عليه ، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد ، وهو أن يغيظ أحدهما صاحبه بسبب الولد .

فإن قيل : لم قال { تضار } والفعل لواحد ؟ .

قلنا لوجوه أحدها : أن معناه المبالغة ، فإن إيذاء من يؤذيك أقوى من إيذاء من لا يؤذيك والثاني : لا يضار الأم والأب بأن لا ترضع الأم أو يمنعها الأب وينزعه منها والثالث : أن المقصود لكل واحد منهما بإضرار الولد إضرار الآخر ، فكان ذلك في الحقيقة مضارة .

المسألة الثالثة : قوله : { لا تضار والدة بولدها } وإن كان خبرا في الظاهر ، لكن المراد منه النهي ، وهو يتناول إساءتها إلى الولد بترك الرضاع ، وترك التعهد والحفظ .

وقوله : { ولا مولود له بولده } يتناول كل المضار ، وذلك بأن يمنع الوالدة أن ترضعه وهي به أرأف وقد يكون بأن يضيق عليها النفقة والكسوة أو بأن يسيء العشرة فيحملها ذلك على إضرارها بالولد ، فكل ذلك داخل في هذا النهي والله أعلم .

أما قوله تعالى : { وعلى الوارث مثل ذلك } فاعلم أنه لما تقدم ذكر الولد وذكر الوالد وذكر الوالدات احتمل في الوارث أن يكون مضافا إلى واحد من هؤلاء ، والعلماء لم يدعوا وجها يمكن القول به إلا وقال به بعضهم .

فالقول الأول : وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن المراد وارث الأب ، وذلك لأن قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } معطوف على قوله : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } وما بينهما اعتراض لبيان المعروف ، والمعنى أن المولود له إن مات فعلى وارثه مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة ، يعني إن مات المولود له لزم وارثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور ، وهو رعاية المعروف وتجنب الضرار ، قال أبو مسلم الأصفهاني هذا القول ضعيف ، لأنا إذا حملنا اللفظ على وارث الولد والولد أيضا وارثه ، أدى إلى وجوب نفقته على غيره ، حال ماله مال ينفق منه وإن هذا غير جائز ، ويمكن أن يجاب عنه بأن الصبي إذا ورث من أبيه مالا فإنه يحتاج إلى من يقوم بتعهده وينفق ذلك المال عليه بالمعروف ، ويدفع الضرار عنه ، وهذه الأشياء يمكن إيجابها على وارث الأب .

القول الثاني : أن المراد وارث الأب يجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجبا على الأب وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه أي وارث هو ؟ فقيل : هو العصبات دون الأم ، والأخوة من الأم ، وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم وقيل : هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث ، وهو قول قتادة وابن أبي ليلى ، قالوا : النفقة على قدر الميراث ، وقيل : الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، واعلم أن ظاهر الكلام يقتضي أن لا فضل بين وارث ووارث ، لأنه تعالى أطلق اللفظ فغير ذي الرحم بمنزلة ذي الرحم ، كما أن البعيد كالقريب ، والنساء كالرجال ، ولولا أن الأم خرجت من ذلك من حيث مر ذكرها بإيجاب الحق لها ، لصح أيضا دخولها تحت الكلام ، لأنها قد تكون وارث كغيرها .

القول الثالث : المراد من الوارث الباقي من الأبوين ، وجاء في الدعاء المشهور : واجعله الوارث منا ، أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة .

القول الرابع : أراد بالوارث الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفي فإنه إن كان له مال وجب أجر الرضاعة في ماله ، وإن لم يكن له مال أجبرت أمه على إرضاعه ، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان ، وهو قول مالك والشافعي .

أما قوله تعالى : { مثل ذلك } فقيل من النفقة والكسوة عن إبراهيم ، وقيل : من ترك الإضرار عن الشعبي والزهري والضحاك ، وقيل : منهما عن أكثر أهل العلم .

أما قوله تعالى : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما } فاعلم أن في الآية مسائل :

المسألة الأولى : في الفصال قولان الأول : أنه الفطام لقوله تعالى : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } وإنما سمي الفطام بالفصال لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات قال المبرد : يقال فصل الولد عن الأم فصلا وفصالا ، وقرىء بهما في قوله : { وحمله وفصاله } والفصال أحسن ، لأنه إذا انفصل من أمه فقد انفصلت منه ، فبينهما فصال نحو القتال والضراب ، وسمي الفصيل فصيلا لأنه مفصول عن أمه ، ويقال : فصل من البلد إذا خرج عنه وفارقه قال تعالى : { فلما فصل طالوت بالجنود } واعلم أن حمل الفصال ههنا على الفطام هو قول أكثر المفسرين .

واعلم أنه تعالى لما بين أن الحولين الكاملين هو تمام مدة الرضاع وجب حمل هذه الآية على غير ذلك حتى لا يلزم التكرار ، ثم اختلفوا فمنهم من قال : المراد من هذه الآية أن الفطام قبل الحولين جائز ومنهم من قال : إنها تدل على أن الفطام قبل الحولين جائز ، وبعده أيضا جائز وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما .

حجة القول الأول أن ما قبل الآية لما دل على جواز الفطام عند تمام الحولين كان أيضا دليلا على جواز الزيادة على الحولين وإذا كان كذلك بقيت هذه الآية دالة على جواز الفطام قبل تمام الحولين فقط .

وحجة القول الثاني أن الولد قد يكون ضعيفا فيحتاج إلى الرضاع ويضر به فطمه كما يضر ذلك قبل الحولين ، وأجاب الأولون أن حصول المضرة في الفطام بعد الحولين نادر وحمل الكلام على المعهود واجب ، والله أعلم .

القول الثاني : في تفسير الفصال ، وهو أن أبا مسلم لما ذكر القول الأول قال : ويحتمل معنى آخر ، وهو أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الأم والولد إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك ولم يرجع بسبب ذلك ضرر إلى الولد .

المسألة الثانية : التشاور في اللغة : استجماع الرأي ، وكذلك المشورة والمشورة مفعلة منه كالمعونة ، وشرت العسل استخرجته ، وقال أبو زيد : شرت الدابة وأشرتها أي أجريتها لاستخراج جريها ، والشوار متاع البيت ، لأنه يظهر للناظر ، وقالوا : شورته فتشور ، أي خجلته ، والشارة هيئة الرجل ، لأنه ما يظهر من زيه ويبدو من زينته ، والإشارة إخراج ما في نفسك ، وإظهاره للمخاطب بالنطق وبغيره .

المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الفطام في أقل من حولين لا يجوز إلا عند رضا الوالدين وعند المشاورة مع أرباب التجارب وذلك لأن الأم قد تمل من الرضاع فتحاول الفطام والأب أيضا قد يمل من إعطاء الأجرة على الإرضاع ، فقد يحاول الفطام دفعا لذلك ، لكنهما قلما يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس ، ثم بتقدير توافقهما اعتبر المشاورة مع غيرهما ، وعند ذلك يبعد أن تحصل موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد ، فعند اتفاق الكل يدل على أن الفطام قبل الحولين لا يضره البتة فانظر إلى إحسان الله تعالى بهذا الطفل الصغير كم شرط في جواز إفطامه من الشرائط دفعا للمضار عنه ، ثم عند اجتماع كل هذه الشرائط لم يصرح بالإذن بل قال : { لا جناح عليكم } وهذا يدل على أن الإنسان كلما كان أكثر ضعفا كانت رحمة الله معه أكثر وعنايته به أشد .

قوله تعالى : { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعلمون بصير } .

اعلم أنه تعالى لما بين حكم الأم وأنها أحق بالرضاع ، بين أنه يجوز العدول في هذا الباب عن الأم إلى غيرها ثم في الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » : استرضع منقول من أرضع ، يقال : أرضعت المرأة الصبي واسترضعها الصبي ، فتعديه إلى مفعولين ، كما تقول : أنجح الحاجة واستنجحته الحاجة والمعنى : أن تسترضعوا المراضع أولادكم ، فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه ، كما تقول : استنجحت الحاجة ولا تذكر من استنجحته ، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن آخرهما عبارة عن الأول ، وقال الواحدي : { أن تسترضعوا أولادكم } أي لأولادكم وحذف اللام اجتزاء بدلالة الاسترضاع ، لأنه لا يكون إلا للأولاد ، ولا يجوز دعوت زيدا وأنت تريد لزيد ، لأنه تلبيس ههنا بخلاف ما قلنا في الاسترضاع ، ونظير حذف اللام قوله تعالى : { وإذا كالوهم أو وزنوهم } أي كالوا لهم أو وزنوا لهم .

المسألة الثانية : اعلم أنا قد بينا أن الأم أحق بالإرضاع ، فأما إذا حصل مانع عن ذلك فقد يجوز العدول عنها إلى غيرها ، منها ما إذا تزوجت آخر ، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الرضاع ، ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الرضاع حتى يتزوج بها زوج آخر ، ومنها أن تأتي المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق وإيحاشا له ، ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها ، فعند أحد هذه الوجوه إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها ، فأما إذا لم نجد مرضعة أخرى ، أو وجدناها ولكن الطفل لا يقبل لبنها فههنا الإرضاع واجب على الأم .

أما قوله تعالى : { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحده { ما أتيتم } مقصورة الألف ، والباقون { ما آتيتم } ممدودة الألف ، أما المد فتقديره : ما آتيتموه المرأة أي أردتم إيتاءه وأما القصر بتقديره : ما آتيتم به ، فحذف المفعولان في الأول وحذف لفظة به في الثاني لحصول العلم بذلك ، وروى شيبان عن عاصم { ما أوتيتم } أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة ، ونظيره قوله تعالى : { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } .

المسألة الثانية : ليس التسليم شرطا للجواز والصحة ، وإنما هو ندب إلى الأولى والمقصود منه أن تسليم الأجرة إلى المرضعة يدا بيد حتى تكون طيبة النفس راضية فيصير ذلك سببا لصلاح حال الصبي ، والاحتياط في مصالحه ، ثم إنه تعالى ختم الآية بالتحذير ، فقال : { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (233)

{ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن } أمر أخرج مخرج الخبر مبالغة ومعناه الندب أو الوجوب إن خص بما إذا لم يرتضع الصبي إلا من أمه أو لم يوجد له ظئر أو عجز الوالد عن الاستئجار والتعبير عنهن بالعنوان المذكور لاستعطافهن نحو أولادهن والحكم عام للمطلقات وغيرهن كما يقتضيه الظاهر ، وخصه بعضهم بالوالدات المطلقات وهو المروي عن مجاهد وابن جبير وزيد بن أسلم ، واحتج عليه بأمرين : الأول : أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آيات الطلاق فكانت من تتمتها وإنما أتمها بذلك لأنه إذا حصلت الفرقة ربما يحصل التعادي والتباغض وهو يحمل المرأة غالباً على إيذاء الولد نكاية بالمطلق وإيذاءاً له وربما رغبت في التزوج بآخر وهو كثيراً ما يستدعي إهمال أمر الطفل وعدم مراعاته فلا جرم أمرهن على أبلغ وجه برعاية جانبه والاهتمام بشأنه ، والثاني : أن إيجاب/ الرزق والكسوة فيما بعد للمرضعات يقتضي التخصيص إذ لو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا الرضاع ، وقال الواحدي : الأولى أن يخص بالوالدات حال بقاء النكاح لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة ولا يخفى أن الحمل على العموم أولى ولا يفوت الغرض من التعقيب ؛ وإيجاب الرزق والكسوة للمرضعات لا يقتضي التخصيص لأنه باعتبار البعض على أنه على ما قيل : ليس في الآية ما يدل على أنه للرضاع ومن قال : إنه له جعل ذلك أجرة لهن إلا أنه لم يعبر بها وعبر بمصرفها الغالب حثاً على إعطائها نفسها لذلك أو إعطاء ما تصرف لأجله فتدبر .

{ حَوْلَيْنِ } أي عامين والتركيب يدور على الانقلاب وهو منصوب على الظرفية و{ كَامِلَيْنِ } صفته ، ووصف بذلك تأكيداً لبيان أن التقدير تحقيق لا تقريبي مبني على المسامحة المعتادة { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } بيان للمتوجه عليه الحكم ، والجار في مثله خبر لمحذوف أي ذلك لمن أراد إتمام الرضاعة وجوز أن يكون متعلقاً بيرضعن ، فإن الأب يجب عليه الإرضاع كالنفقة للأم والأم ترضع له وكون الرضاع واجباً على الأب لا ينافي أمرهن لأنه للندب أو لأنه يجب عليهن أيضاً في الصور السابقة .

واستدل بالآية على أنّ أقصى مدة الإرضاع حولان ولا يعتد به بعدهما فلا يعطى حكمه وأنه يجوز أن ينقص عنهما ، وقرئ { أَن يُتِمُّ } بالرفع واختلف في توجيهه فقيل : حملت ( أن ) المصدرية على ما أختها في الإهمال كما حملت أختها عليها في الأعمال في قوله صلى الله عليه وسلم : «كما تكونوا يولى عليكم » على رأي ، وقيل : أن يتموا بضمير الجمع باعتبار معنى من وسقطت الواو في اللفظ لالتقاء الساكنين فتبعها الرسم .

{ وَعلَى المولود لَهُ } أي الوالد فإن الولد يولد له وينسب إليه ولم يعبر به مع أنه أخصر وأظهر للدلالة على علة الوجوب بما فيه من معنى الانتساب المشيرة إليه اللام وتسمى هذه الإشارة إدماجاً عند أهل البديع وإشارة النص عندنا ، وقيل : عبر بذلك لأن الوالد قد لا تلزمه النفقة ، وإنما تلزم المولود له كما إذا كانت تحته أمة فأتت بولد فإن نفقته على مالك الأم لأنه المولود له دون الوالد ، وفيه بعد ؛ لأن المولود له لا يتناول الوالد والسيد تناولاً واحداً وحكم العبيد دخيل في البين { رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } أي إيصال ذلك إليهن أي الوالدات أجرة لهن ، واستئجار الأم جائز عند الشافعي وعندنا لا يجوز ما دامت في النكاح أو العدة { بالمعروف } أي بلا إسراف ولا تقتير أو حسب ما يراه الحاكم ويفي به وسعه . { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } تعليل لإيجاب المؤن بالمعروف أو تفسير للمعروف ولهذا فصل وهو نص على أنه تعالى لا يكلف العبد بما لا يطيقه ولا ينفي الجواز والإمكان الذاتي فلا ينتهض حجة للمعتزلة ، ونصب { وُسْعَهَا } على أنه مفعول ثان لتكلف وقرئ و( لا تكلف ) بفتح التاء و( لا نكلف ) بالنون .

{ لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ بِوَلَدِهِ } تفصيل لما يفهم من سابقه وتقريب له إلى الفهم وهو الداعي للفصل ، والمضارة مفاعلة من الضرر ، والمفاعلة إما مقصودة والمفعول محذوف أي تضار والدة زوجها بسبب ولدها ، وهو أن تعنف به وتطلب ما ليس بعدل من الرزق والكسوة وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد وأن تقول بعد أن ألفها الصبي : اطلب له ظئراً مثلاً ، ولا يضار مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من رزقها وكسوتها ، أو يأخذ الصبي منها وهي تريد إرضاعه أو يكرهها على الإرضاع وإما غير مقصودة ، والمعنى/ لا يضر واحد منهما الآخر بسبب الولد ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ( لا تضار ) بالرفع فتكون الجملة بمنزلة بدل الاشتمال مما قبلها ، وقرأ الحسن ( تضار ) بالكسر وأصله تضار مكسور الراء مبنياً للفاعل وجوز فتحها مبنياً للمفعول ، ويبين ذلك أنه قرئ ( ولا تضارر ) ، ( ولا تضارر ) بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها ، وعلى تقدير البناء للمفعول يكون المراد النهي عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج وأن يلحق الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد ، والباء على كل تقدير سببية ولك أن تجعل فاعل بمعنى فعل والباء سيف خطيب ، ويكون المعنى : لا تضر والدة ولدها بأن تسيء غذاءه وتعهده وتفرط فيما ينبغي له وتدفعه إلى الأب بعدما ألفها ولا يضر الوالد ولده بأن ينزعه من يدها أو يقصر في حقها فتقصر هي في حقه ، وقرأ أبو جعفر ( لا تضار ) بالسكون مع التشديد على نية الوقف ، وعن الأعرج ( لا تضار ) بالسكون والتخفيف ، وهو من ضار يضير ونوى الوقف كما نواه الأول ، وإلا لكان القياس حذف الألف ، وعن كاتب عمر رضي الله تعالى عنه ( لا تضرر ) والتعبير بالولد في الموضعين ، وإضافته إليها تارة وإليه أخرى للاستعطاف ، والإشارة إلى ما هو كالعلة في النهي ولذا أقام المظهر مقام المضمر ، ومن غريب التفسير ما رواه الإمامية عن السيدين الصادق والباقر رضي الله تعالى عنهما أن المعنى لا تضار والدة بترك جماعها خوف الحمل لأجل ولدها الرضيع ولا يضار مولود له بمنعه عن الجماع كذلك لأجل ولده ، وحينئذٍ تتعين الباء للسببية ، ويجب أن يكون الفعلان مبنيين للمفعول ، ولا يظهر وجه لطيف للتعبير بالولد في الموضعين ، وتخرج الآية عما يقتضيه السياق ، وبعيد عن الباقر والصادق الإقدام على ما زعمه هذا الراوي الكاذب .

{ وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك } عطف على قوله تعالى : { وَعلَى المولود لَهُ } الخ وما بينهما تعليل أو تفسير معترض والمراد بالوارث وارث الولد فإنه يجب عليه مثل ما وجب على الأب من الرزق والكسوة بالمعروف إن لم يكن للولد مال ، وهو التفسير المأثور عن عمر وابن عباس وقتادة ومجاهد وعطاء وإبراهيم والشعبي وعبد الله بن عتبة وخلق كثير ، ويؤيده أن أل كالعوض عن المضاف إليه الضمير ورجوع الضمير لأقرب مذكور وهو الأكثر في الاستعمال ، وخص الإمام أبو حنيفة هذا الوارث بمن كان ذا رحم محرم من الصبي ، وبه قال حماد ، ويؤيده قراءة ابن مسعود ( وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك ) ، وقيل : عصباته ، وبه قال أبو زيد ، ويروى عن عمر رضي الله تعالى عنه ما يؤيده ، وقال الشافعي : المراد وارث الأب وهو الصبي أي مؤن الصبي من ماله إذا مات الأب ، واعترض أن هذا الحمل يأباه أنه لا يخص كون المؤنة في ماله إذا مات الأب بل إذا كان له مال لم يجب على الأب أجرة الإرضاع بل يجب عليه النفقة على الصبي وأجرة الإرضاع من مال الصبي بحكم الولاية وفيه نظر ، وقيل : المراد الباقي من الأبوين ، وقد جاء الوارث بمعنى الباقي كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني » قيل : وهذا يوافق مذهب الشافعي إذ لا نفقة عنده فيما عدا الولاد ، ولا يخفى ما في ذلك من البحث لأن من إن كانت للبيان لزم التكرار أو الركاكة أو ارتكاب خلاف الظاهر ، وإن كانت للابتداء كان المعنى الباقي غير الأبوين وهو يجوز أن يكون من العصبات أو ذوي الأرحام الذين ليست قرابتهم قرابة الولاد وكون ذلك موافقاً لمذهب الشافعي إنما يتأتى إذا تعين كون الباقي ذوي قرابة الولاد ، وليس في اللفظ ما يفيده كما لا يخفى .

{ فَإِنْ أَرَادَا } أي الوالدان { فِصَالاً } أي فطاماً للولد قبل الحولين وهو المروي عن مجاهد وقتادة وأهل البيت ، وقيل : قبلهما أو بعدهما وهو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعلى الأول : يكون هذا تفصيلاً لفائدة { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ } وبياناً لحكم إرادة عدم الإتمام ، والتنكير للإيذان بأنه فصال غير معتاد ، وعلى الثاني : توسعة في الزيادة والتقليل في مدة/ الرضاعة بعد التحديد والتنكير للتعميم ، ويجوز على القولين أن يكون للإشارة إلى عظمه نظراً للصبي لما فيه من مفارقة المألوف { عَن تَرَاضٍ } متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن وإن كان كوناً خاصاً أي : صادراًعن تراض وجوز أن يتعلق بأراد { مِنْهُمَا } أي الوالدين لا من أحدهما فقط لاحتمال إقدامه على ما يضر الولد بأن تمل الأم أو يبخل الأب { وَتَشَاوُرٍ } في شأن الولد وتفحص أحواله وهو مأخوذ من الشور وهو اجتناء العسل ، وكذا المشاورة والمشورة والمشورة والمراد من ذلك استخراج الرأي وتنكيره للتفخيم . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } في ذلك وإنما اعتبر رضا المرأة مع أن ولي الولد هو الأب وصلاحه منوط بنظره مراعاة لصلاح الطفل لأن الوالدة لكمال شفقتها على الصبي ربما ترى ما فيه المصلحة له .

{ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ } خطاب للآباء هزاً لهم للامتثال على تقدير عدم الاتفاق على عدم الفطام { أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم } بحذف المفعول الأول استغناءاً عنه أي تسترضعوا المراضع أولادكم من أرضعت المرأة طفلاً واسترضعتها إياه كقولك : أنجح الله تعالى حاجتي واستنجحتها إياه ، وقد صرح الإمام الكرماني بأن الاستفعال قد جاء لطلب المزيد كالاستنجاء لطلب الإنجاء والاستعتاب لطلب الإعتاب وصرح به غيره أيضاً ، فلا حاجة إلى القول بأنه من رضع بمعنى أرضع ولم يجعل من الأول أول الأمر لعدم وجوده في كلامهم فإنه بمعزل عن التحقيق ، وقيل : إن استرضع إنما يتعدى إلى الثاني بحرف الجر يقال : استرضعت المرأة للصبي والمراد : أن تسترضعوا المراضع لأولادكم فحذف الجار كما في قوله تعالى : { وَإِذَا كَالُوهُمْ } [ المطففين : 3 ] أي كالوا لهم { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أي في ذلك ، واستدل بالإطلاق على أن للزوج أن يسترضع للولد ويمنع الزوجة من الإرضاع وهو مذهب الشافعية ، وعندنا أن الأم أحق برضاع ولدها وأنه ليس للأب أن يسترضع غيرها إذا رضيت أن ترضعه لقوله تعالى : { والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن } وبه يخصص هذا الإطلاق وإلى ذلك يشير كلام ابن شهاب { إِذَا سَلَّمْتُم } إلى المراضع { مَّا ءاتَيْتُم } أي ضمنتم والتزمتم أو أردتم إتيانه لئلا يلزم تحصيل الحاصل ، وقرأ ابن كثير ( أتيتم ) من أتى إليه إحساناً إذا فعله ، وشيبان عن عاصم ( أوتيتم ) أي ما آتاكم الله تعالى وأقدركم عليه من الأجرة { بالمعروف } متعلق بسلمتم أي بالوجه المتعارف المستحسن شرعاً وجوز أن يتعلق بآتيتم وأن يكون حالاً من فاعله أو فاعل الفعل الذي قبله ، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله وليس التسليم شرطاً لرفع الإثم بل هو الأولى والأصلح للطفل ، فشبه ما هو من شرائط الأولية بما هو من شرائط الصحة للاعتناء به فاستعير له عبارته ، وقيل : لا حاجة إلى هذا لأن نفي الإثم بتسليم الأجرة مطلقاً غير مقيد بتقديمها عليه يعني لا جناح عليكم في الاسترضاع لو لم تأثموا بالتعدي في الأجرة وتظلموا الأجير ، وفيه تأمل لأن الإثم إذا لم يسلم بعد إنما هو بالتعدي ، والاسترضاع كان قبل خالياً عما يوجب الإثم { واتقوا الله } في شأن مراعاة الأحكام { واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا تخفى عليه أعمالكم فيجازيكم عليها ، وفي إظهار الاسم الجليل تربية للمهابة ، وفي الآية من التهديد ما لا يخفى .