قوله تعالى : { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور } .
القراءة قرأ الحسن { من البعث } بالتحريك ونظيره الحلب والطرد في الحلب وفي الطرد و{ مخلقة وغير مخلقة } بجر التاء والراء ، وقرأ ابن أبي عبلة بنصبهما القراءة المعروفة بالنون في قوله : { لنبين } وفي قوله : { ونقر } وفي قوله : { ثم نخرجكم طفلا } ابن أبي عبلة بالياء في هذه الثلاثة ، أما القراءة بالنون ففيها وجوه : أحدها : القراءة المشهورة وثانيها : روى السيرافي عن داود عن يعقوب ونقر بفتح النون وضم القاف والراء وهو من قر الماء إذا صبه ، وفي رواية أخرى عنه كذلك إلا أنه بنصب الراء وثالثها : ونقر ونخرجكم بنصب الراء والجيم أما القراءة بالياء ففيها وجوه : أحدها : يقر ويخرجكم بفتح القاف والراء والجيم وثانيها : يقر ويخرجكم بضم القاف والراء والجيم وثالثها : بفتح الياء وكسر القاف وضم الراء أبو حاتم { ومنكم من يتوفي } بفتح الياء أي يتوفاه الله تعالى ابن عمرة والأعمش { العمر } بإسكان الميم القراءة المعروفة { ومنكم من يتوفي ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } وفي حرف عبد الله ومنكم من يتوفي ومنكم من يكون شيوخا بغير القراءة المعروفة وربت أبو جعفر وربأت أي ارتفعت ، وروى العمري عنه بتليين الهمزة وقرئ وأنه باعث .
المعاني : اعلم أنه سبحانه لما حكى عنهم الجدال بغير العلم في إثبات الحشر والنشر وذمهم عليه فهو سبحانه أورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين : أحدهما : الاستدلال بخلقة الحيوان أولا وهو موافق لما أجمله في قوله : { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } وقوله : { فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة } فكأنه سبحانه وتعالى قال : إن كنتم في ريب مما وعدناكم من البعث ، فتذكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم أولا قادر على خلقكم ثانيا ، ثم إنه سبحانه ذكر من مراتب الخلقة الأولى أمورا سبعة : المرتبة الأولى : قوله : { فإنا خلقناكم من تراب } وفيه وجهان : أحدهما : إنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه السلام من تراب ، لقوله : { كمثل آدم خلقه من تراب } وقوله : { منها خلقناكم } ، والثاني : أن خلقة الإنسان من المني ودم الطمث وهما إنما يتولدان من الأغذية ، والأغذية إما حيوان أو نبات وغذاء الحيوان ينتهي قطعا للتسلسل إلى النبات ، والنبات إنما يتولد من الأرض والماء ، فصح قوله : { إنا خلقناكم من تراب } المرتبة الثانية : قوله : { ثم من نطفة } والنطفة اسم للماء القليل أي ماء كان ، وهو ههنا ماء الفحل فكأنه سبحانه يقول : أنا الذي قلبت ذلك التراب اليابس ماء لطيفا ، مع أنه لا مناسبة بينهما البتة . المرتبة الثالثة : قوله : { ثم من علقة } العلقة قطعة الدم الجامدة ، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة . المرتبة الرابعة : قوله : { ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء } فالمضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ ، والمخلقة المسواة الملساء السالمة من النقصان والعيب ، يقال خلق السواك والعود إذا سواه وملسه ، من قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء . ثم للمفسرين فيه أقوال : أحدها : أن يكون المراد من تمت فيه أحوال الخلق ومن لم تتم ، كأنه سبحانه قسم المضغة إلى قسمين : أحدهما : تامة الصور والحواس والتخاطيط . وثانيهما : الناقصة في هذه الأمور فبين أن بعد أن صيره مضغة منها ما خلقه إنسانا تاما بلا نقص ومنها ما ليس كذلك وهذا قول قتادة والضحاك ، فكأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فتبع ذلك التفاوت ، تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم . وثانيها : المخلقة الولد الذي يخرج حيا وغير المخلقة السقط وهو قول مجاهد . وثالثها : المخلقة المصورة وغير المخلقة أي غير المصورة وهو الذي يبقى لحما من غير تخطيط وتشكيل واحتجوا بما روى علقمة عن عبد الله قال : «إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكا وقال يا رب مخلقة أو غير مخلقة ، فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دما ، وإن قال مخلقة ، قال يا رب فما صفتها ، أذكر أم أنثى ، ما رزقها ، ما أجلها ، أشقى ، أم سعيد ؟ فيقول الله سبحانه انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة ، فينطلق الملك فينسخها ، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها » ورابعها : قال القفال : التخليق مأخوذ من الخلق فما تتابع عليه الأطوار وتوارد عليه الخلق بعد الخلق فذاك هو المخلق لتتابع الخلق عليه ، قالوا فما تم فهو المخلق وما لم يتم فهو غير المخلق ، لأنه لم يتوارد عليه التخليقات . والقول الأول أقرب لأنه تعالى قال في أول الآية : { فإنا خلقناكم } وأشار إلى الناس فيجب أن تحمل مخلقة وغير مخلقة على من سيصير إنسانا وذلك يبعد في السقط لأنه قد يكون سقطا ولم يتكامل فيه الخلقة فإن قيل هلا حملتم ذلك على السقط لأجل قوله : { ونقر في الأرحام ما نشاء } وذلك كالدلالة على أن فيه مالا يقره في الرحم وهو السقط ، قلنا إن ذلك لا يمنع من صحة ما ذكرنا في كون المضغة مخلقة وغير مخلقة ، لأنه بعد أن تمم خلقة البعض ونقص خلقة البعض لا يجب أن يتكامل ذلك بل فيه ما يقره الله في الرحم وفيه مالا يقره وإن كان قد أظهر فيه خلقة الإنسان فيكون من هذا الوجه قد دخل فيه السقط .
أما قوله تعالى : { لنبين لكم } ففيه وجهان : أحدهما : لنبين لكم أن تغيير المضغة إلى المخلقة هو باختيار الفاعل المختار ، ولولاه لما صار بعضه مخلقا وبعضه غير مخلق . وثانيهما : التقدير إن كنتم في ريب من البعث فإنا أخبرناكم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبين لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب في أمر بعثكم ، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزا عن الإعادة .
أما قوله تعالى : { ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى } فالمراد منه من يبلغه الله تعالى حد الولادة ، والأجل المسمى هو الوقت المضروب للولادة وهو آخر ستة أشهر ، أو تسعة ، أو أربع سنين أو كما شاء وقدر الله تعالى فإن كتب ذلك صار أجلا مسمى . المرتبة الخامسة : قوله : { ثم نخرجكم طفلا } وإنما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة على الجنس ويحتمل أن يخرج كل واحد منكم طفلا كقوله : { والملائكة بعد ذلك ظهير } . المرتبة السادسة : قوله : { ثم لتبلغوا أشدكم } والأشد كمال القوة والعقل والتمييز وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد وكأنها شدة في غير شيء واحد فبنيت لذلك على لفظ الجمع ، والمراد والله أعلم ثم سهل في تربيتكم وأغذيتكم أمورا لتبلغوا أشدكم فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد ويكون بين الحالتين وسائط ، وذكر بعضهم أنه ليس بين حال الطفولية وبين ابتداء حال بلوغ الأشد واسطة حتى جوز أن يبلغ في السن ويكون طفلا كما يكون غلاما ثم يدخل في الأشد . المرتبة السابعة : قوله : { ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } والمعنى أن منكم من يتوف على قوته وكماله ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو الهرم والخرف ، فيصير كما كان في أول طفوليته ضعيف البنية ، سخيف العقل ، قليل الفهم . فإن قيل كيف قال : { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } مع أنه يعلم بعض الأشياء كالطفل ؟ قلنا المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئا لأن مثل ذلك قد يذكر في النفي لأجل المبالغة ، ومن الناس من قال هذه الحالة لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى : { ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } وهو ضعيف . لأن معنى قوله : { ثم رددناه أسفل سافلين } هو دلالة على الذم فالمراد به ما يجري مجرى العقوبة ولذلك قال : { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون } فهذا تمام الاستدلال بحال خلقة الحيوان على صحة البعث . الوجه الثاني : الاستدلال بحال خلقة النبات على ذلك وهو قوله سبحانه وتعالى : { وترى الأرض هامدة } وهمودها يبسها وخلوها عن النبات والخضرة { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } والاهتزاز الحركة على سرور فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع فقوله : { اهتزت وربت } أي تحركت بالنبات وانتفخت .
أما قوله : { وأنبتت من كل زوج بهيج } فهو مجاز لأن الأرض ينبت منها والله تعالى هو المنبت لذلك ، لكنه يضاف إليها توسعا ، ومعنى { من كل زوج بهيج } من كل نوع من أنواع النبات من زرع وغرس ، والبهجة حسن الشيء ونضارته ، والبهيج بمعنى المبهج قال المبرد وهو الشيء المشرق الجميل .
{ يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ البعث } الخ إقامة للحجة التي تلقم المجادلين في البعث حجراً إثر الإشارة إلى ما يؤل إليه أمرهم ، واستظهر أن المراد بالناس هنا الكفرة المجادلون المنكرون للبعث ، والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب أي الشك مع أنهم جازمون بعدم إمكانه إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم وإن كانوا في غاية ما يكون من المكابرة والعناد هو الارتياب في شأنه ، وأما الجزم بعدم الإمكان فخارج من دائرة الاحتمال كما أن تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن حقه أن يكون ضعيفاً مشكوك الوقوع ، وإما للتنبيه على أن جرمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح دلائل الإمكان ونهاية قوتها . وإنما لم يقل وإن ارتبتم في البعث للمبالغة في تنزيه أمره عن شائبة وقوع الريب والإشعار بأن ذلك إن وقع فمن جهتهم لا من جهته ، واعتبار استقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته ، ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة للريب ، واستظهر أن المراد في ريب من إمكان البعث لأنه الذي يقتضيه ما بعد ، وجوز أن يكون المراد من وقوع البعث ، واعترض بأن الدليل المشار إليه فيما بعد إنما يدل على الإمكان مع ما يلزم من التكرار مع قوله تعالى الآتي : { إِنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِي القبور } [ الحج : 7 ] وفيه تأمل فتأمل ، وقرأ الحسن { مّنَ البعث } بفتح العين وهي لغة فيه كالجلب والطرد في الجلب والطرد عند البصريين ، وعند الكوفيين إسكان العين تخفيف وهو قياسي في كل ما وسطه حرف حلق كالنهر والنهر والشعر والشعر .
وقوله تعالى : { فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ } دليل جواب الشرط أو هو الجواب بتأويل أي وإن كنتم في ريب من البعث فانظروا إلى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم فإنا خلقناكم الخ ، وقيل : التقدير فأخبركم وأعلمكم أنا خلقناكم الخ وليس بذاك ، وخلقهم من تراب في ضمن خلق آدم عليه السلام منه أو بخلق الأغذية التي يتكون منها المني منه وهي وإن تكونت من سائر العناصر معه إلا أنه أعظم الأجزاء على ما قيل فلذلك خصه بالذكر من بينها ، واختير الأول وجعل المعنى خلقناكم خلقاً إجمالياً من تراب { ثُمَّ } خلقناكم خلقاً تفصيلياً { مِن نُّطْفَةٍ } أي منى من النطف بمعنى التقاطر ، وقال الراغب : النطفة الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل ، قيل والتخصيص على هذا مع أن الخلق من ماءين لأن معظم أجزاء الإنسان مخلوق من ماء الرجل ، والحق أن النطفة كما يعبر بها عن منى الرجل يعبر بها عن المنى مطلقاً وكلام الراغب ليس نصاً في نفي ذلك ، والظاهر أن المراد النطفة التي يخلق منها كل واحد بلا واسطة ، وقيل : المراد نطفة آدم عليه السلام وحكى ذلك عن النقاش وهو من البعد في غايته .
{ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } أي قطعة من الدم جامدة متكونة من المنى { ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } أي قطعة من اللحم متكونة من العلقة وأصلها قطعة لحم بقدر ما يمضغ { مُّخَلَّقَةٍ } بالجر صفة { مُضْغَةً } وكذا قوله تعالى : { وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } .
وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما على الحال من النكرة المتقدمة وهو قليل وقاسه سيبويه ، والمشهور المتبادر أن المخلقة المستبينة الخلق أي مضغة مستبينة الخلق مصورة ومضغة لم يستبن خلقها وصورتها بعد ، والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولاً قطعة لم يظهر فيها شيء من الأعضاء ثم ظهرت بعد ذلك شيئاً فشيئاً وكان مقتضى الترتيب المبني على التدرج من المبادىء البعيدة إلى القريبة أن يقدم غير المخلقة وإنما أخرت لكونها عدم ملكة ، وصيغة التفعيل لكثرة الأعضاء المختص كل منها بخلق وصورة ، وقيل : المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب يقال خلق السواك والعود سواه وملسه وصخرة خلقاء أي ملساء وجبل أخلق أي أملس ؛ فالمعنى من نطفة مسواة لا نقص فيها ولا عيب في ابتداء خلقها ونطفة غير مسواة فيها عيب فالنطف التي يخلق منها الإنسان متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم ، وعن مجاهد . وقتادة . والشعبي . وأبي العالية . وعكرمة أن المخلقة التي تم لها مدة الحمل وتوارد عليها خلق بعد خلق وغير المخلقة التي لم يتم لها ذلك وسقطت ، واستدل له بما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول » . وابن جرير . وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك الأرحام بكفه فقال : يا رب مخلقة أم غير مخلقة ؟ فإن قيل : غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفها الرحم دماً وإن قيل : مخلقة قال : يا رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد ما الأجل وما الأثر وما الرزق وبأي أرض تموت ؟ الخبر وهو في حكم المرفوع ، والمراد أنهم خلقوا من جنس هذه النطفة الموصوفة بالتامة والساقطة لا أنهم خلقوا من نطفة تامة ومن نطفة ساقطة إذ لا يتصور الخلق من النطفة الساقطة وهو ظاهر ، وكان التعرض على هذا لوصفها بما ذكر لتعظيم شأن القدرة وفي جعل كل واحدة من هذه المراتب مبدأ لخلقهم لا لخلق ما بعدها من المراتب كما في قوله تعالى { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة } [ المؤمنون : 14 ] الآية مزيد دلالة على عظم قدرته تعالى : { لّنُبَيّنَ لَكُمْ } متعلق بخلقنا ، وترك المفعول لتفخيمه كماً وكيفاً أي خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم ما لا يحصره العبارة من الحقائق والدقائق التي من جملتها أمر البعث فإن من تأمل فيما ذكر من الخلق التدريجي جزم بأن من قدر على خلق البشر أولاً من تراب لم يذق ماء الحياة قط وإنشائه على وجه مصحح لتوليد مثله مرة بعد أخرى بتصريفه في أطوار الخلقة وتحويله من حال إلى حال مع ما بين تلك الأطوار والأحوال من المخالفة والتباين فهو قادر على إعادته بل هي أهون في القياس ، وقدر بعضهم المفعول خاصاً أي لنبين لكم أمر البعث وليس بذاك .
وأبعد جداً من زعم أن المعنى لنبين لكم أن التخليق اختيار من الفاعل المختار ولولا ذلك ما صار بعض أفراد المضغة غير مخلق ، وقرأ ابن أبي عبلة { لِيُبَيّنَ } بالياء على طريق الالتفات وكذا قرأ قوله تعالى :
{ وَنُقِرُّ في الأرحام مَا نَشَاء } وقرأ الجمهور بالنون ، والجملة استئناف مسوق لبيان حالهم بعد تمام خلقهم وتوارد الأطوار عليهم أي ونقر في الأرحام بعد ذلك ما نشاء أن نقره فيها { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو وقت الوضع وأدناه ستة أشهر وأقصاه عندنا سنتان وعند الشافعي عليه الرحمة أربع سنين ، وعن يعقوب أنه قرأ { وَنُقِرُّ } بفتح النون وضم القاف من قررت الماء إذا صببته ، وقرأ يحيى بن وثاب ما نشاء بكسر النون .
{ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ } أي من الأرحام بعد إقراركم فيها عند تمام الأجل المسمى { طِفْلاً } حال من ضمير المخاطبين ، والإفراد إما باعتبار كل واحد منهم أو بإرادة الجنس الصادق على الكثير أو لأنه مصدر فيستوي فيه الواحد وغيره كما قال المبرد أو لأن المراد طفلاً طفلاً فاختصر كما نقله الجلال السيوطي في الأشباه النحوية .
وقرأ عمر بن { شبة } يخرجكم بالياء { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } أي كمالكم في القوة والعقل والتمييز ، وفي «القاموس » حتى يبلغ أشده ويضم أوله أي قوته وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين واحد جاء على بناء الجمع كأنك ولا نظير لهما أو جمع لا واحد له من لفظه أو واحده شدة بالكسر مع أن فعلة لا تجمع على أفعل أي قياساً فلا يرد نعمة وأنعم أو شد ككلب وأكلب أو شد كذئب وأذؤب وما هما بمسموعين بل قياس و { لِتَبْلُغُواْ } ، قال العلامة : أبو السعود : علة لنخرجكم معطوف على علة أخرى مناسبة لها كأنه قيل ثم نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ثم لتبلغوا الخ ، وقيل علة لمحذوف والتقدير ثم نمهلكم لتبلغوا الخ .
وجوز العلامة الطيبي أن يكون التقدير { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } كان ذلك الإقرار والإخراج ؛ وقيل إنه عطف على نبين ، وتعقبه العلامة بأنه مخل بجزالة النظم الكريم وجعله كغيره عطفاً عليه على قراءة { نُقِرَ } .
ونخرج بالنصب وهي قراءة المفضل . وأبي حاتم إلا أن الأول قرأ بالنون والثاني قرأ بالياء ، وكذا جعل الفعلين عطفاً عليه وقال : المعنى خلقناكم على التدريج المذكور لأمرين ، أحدهما : أن نبين شؤوننا ، والثاني : أن نقركم في الأرحام ثم نخرجكم صغاراً ثم لتبلغوا أشدكم ، وتقديم التبيين على ما بعده مع أن حصوله بالفعل بعد الكل للإيذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات ، وإعادة اللام في { لِتَبْلُغُواْ } مع تجريد نقر { وَنُخْرِجُ } عنها للإشعار بأصالة البلوغ بالنسبة إلى الإقرار والإخراج إذ عليه يدور التكليف المؤدي إلى السعادة والشقاوة ، وإيثار البلوغ مسنداً إلى المخاطبين على التبليغ مسنداً إليه تعالى كالأفعال السابقة لأنه المناسب لبيان حال اتصافهم بالكمال واستقلالهم بمبدئية الآثار والأفعال اه .
وما ذكره من عطف { نُقِرَ } ونخرج . بالنصب على { نُبَيّنُ } لم يرتضه الشيخ ابن الحاجب ، قال في «شرح المفصل » : أنه مما يتعذر فيه النصب إذ لو نصب عطفاً على { نُبَيّنُ } ضعف المعنى إذ اللام في لنبين للتعليل لما تقدم والمقدم سبب للتبيين فلو عطف { وَنُقِرُّ } عليه لكان داخلاً في مسببية { إِنَّا خلقناكم } الخ وخلقهم من تراب ثم ما تلاه لا يصلح سبباً للإقرار في الأرحام ، وقال الزجاج : لا يجوز في { وَنُقِرُّ } إلا الرفع ولا يجوز أن يكون معناه فعلنا ذلك لنقر في الأرحام لأن الله تعالى لم يخلق الأنام ليقرهم في الأرحام وإنما خلقهم ليدلهم على رشدهم ولأصحهم وهو قول بعدم جواز عطفه على نبين .
وأجيب بأن الغرض في الحقيقة هو بلوغ الأشد والصلوح للتكليف لكن لما كان الإقرار وما تلاه من مقدماته صح إدخاله في التعليل ، وما ذكره من أن العطف على نبين على قراءة الرفع مخل بجزالة النظم الكريم فالظاهر أنه تعريض بالزمخشري حيث جعل العطف على ذلك ، وقال فإن قلت : كيف يصح عطف { لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } على { لّنُبَيّنَ } ولا طباق قلت : الطباق حاصل لأن قوله تعالى : { وَنُقِرُّ } قرين للتعليل ومقارنته له والتباسه به ينزلانه منزلة نفسه فهو راجع من هذه الجهة إلى متانة القراءة بالنصب اه . وفيه ما يومئ إلى أن قراءة النصب أوضح كما أنها أمتن ، ولم يرتض ذلك المحققون ففي «الكشف » أن القراءة بالرفع هي المشهورة الثابتة في السبع وهي الأولى وقد أصيب بتركيبها هكذا شاكلة الرمي حتى لم يجعل الإقرار في الأرحام علة بل جعل الغرض منه بلوغ الأشد وهو حال الاستكمال علماً وعملاً وحيث لم يعطف على { لّنُبَيّنَ } إلا بعد أن قدم عليه { وَنُقِرُّ } ثم نخرج مجعولاً { نُقِرَ } عطفاً على { إِنَّا خلقناكم } والعدول إلى المضارع لتصوير الحال والدلالة على زيادة الاختصاص فالطباق حاصل لفظاً ومعنى مع أن في الفصل بين العلتين من النكتة ما لا يخفى على ذي لب حسن موقعها بعد التأمل ، وكذلك في الإتيان بثم في قوله سبحانه : { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ } دلالة على أنه الغرض الأصيل الذي خلق الإنسان له { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ولما كانت الأوائل في الدلالة على البعث أظهر قدم قوله تعالى : { لّنُبَيّنَ } على الإقرار والإخراج اه .
ويعلم منه ما في قول العلامة : إن عطف { لِتَبْلُغُواْ } الخ على { لّنُبَيّنَ } مخل بجزالة النظم الكريم وأنه لا يتعين الاستئناف في { وَنُقِرُّ } وفيه أيضاً أن قوله تعالى : { وَمِنكُمْ مَّن يتوفى } الخ استئناف لبيان أقسام الإخراج من الرحم كما استوفى أقسام الأول وفيه تبيين تفصيل حال بلوغ الأشد وأنها الحقيق بأن تكون مقصودة من الإنشاء لكن منهم من لا يصل إليها فيحتضر ومنهم من يجاوزها فيحتقر أي منكم من يموت قبل بلوغ الأشد { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } أي أرداه وأدناه ، والمراد يرد إلى مثل زمن الطفولية { لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ } أي علم كثير { شَيْئاً } أي شيئاً من الأشياء أو شيئاً من العلم ، واللام متعلقة بيرد وهي لام العاقبة والمراد المبالغة في انتقاص علمه وانتكاس حاله وليس لزمان ذلك الرد حد محدود بل هو مختلف باختلاف الأمزجة على ما في «البحر » وإيراد الرد والتوفي على صيغة المبني للمفعول للجري على سنن الكبرياء لتعين الفاعل كما في إرشاد العقل السليم ، وفي «شرح الكشاف » للطيبي بعد تجويز أن يكون { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ } بتقدير { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ } كان ذلك الإقرار والإخراج أن فائدة ذلك الإيذان بأن بلوغ الأشد أفضل الأحوال والإخراج أبدعها والرد إلى أرذل العمر أسوؤها وتغيير العبارة لذلك ومن ثم نسب الإخراج إلى ذاته تعالى المقدسة وحذف المعلل في الثاني ولم ينسب الثالث إلى فاعله وسلب فيه ما أثبت للإنسان في تلك الحالة من اتصافه بالعلم والقدرة المومئ إليه بالأشد كأنه قيل ثم يخرجكم من تلك الأطوار الخسيسة طفلاً إنشاء غريباً كما قال سبحانه : { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] ثم لتبلغوا أشدكم دبر ذلك التدبير العجيب لأنه أوان رسوخ العلم والمعرفة والتمكن من العمل المقصودين من الإنشاء ثم يميتكم أو يردكم إلى أرذل العمر الذي يسلب فيه العلم والقدرة على العمل اه .
ويفهم منه جواز أن يكون المراد ومنكم من يتوفى بعد بلوغ الأشد ، ومن الناس من جوز أن يكون المراد ومنكم من يتوفى عند البلوغ ، وقيل : إن ذلك بجعل الجملة حالية ومن صيغة المضارع وهو كما ترى . وقرئ { يَتَوَفَّى } على صيغة المعلوم وفاعله ضمير الله تعالى أي من يتوفاه الله تعالى ، وجوز أن يكون ضمير من أي { مِنْ } يستوفي مدة عمره ، وروي عن أبي عمرو . ونافع تسكين ميم العمر .
هذا ثم لا يخفى ما في اختلاف أحوال الإنسان بعد الإخراج من الرحم من التنبيه على صحة البعث كما في اختلافها قبل فتأمل جميع ما ذكر ولله تعالى در التنزيل ما أكثر احتمالاته { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً } حجة أخرى على صحة البعث معطوفة على { إِنَّا خلقناكم } وهي حجة آفاقية وما تقدم حجة أنفسية والخطاب لكل أحد من تتأتى منه الرؤية ، وقيل : للمجادل ، وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار وهي بصرية لا علمية كما قيل ، و { هَامِدَةً } حال من { الارض } أي ميتة يابسة يقال همدت الأرض إذا يبست ودرست وهمد الثوب إذا بلى ؛ وقال الأعشى
: قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا *** وأرى ثيابك باليات همدا
وأصله من همدت النار إذا صارت رماداً { فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء } أي ماء المطر ، وقيل : ما يعمه وماء العيون والأنهار وظاهر الإنزال يقتضي الأول { اهتزت } تحرك نباتها فالإسناد مجازي أو تخلخلت وانفصل بعض أجزائها عن بعض لأجل خروج النبات وحمل الاهتزاز على الحركة في الكيف بعيد { وَرَبَتْ } ازدادت وانتفخت لما يتداخلها من الماء والنبات .
وقرأ أبو جعفر . وعبد الله بن جعفر . وخالد بن إلياس . وأبو عمرو في رواية { وربأت } بالهمز أي ارتفعت يقال فلأن يربأ بنفسه عن كذا أي يرتفع بها عنه ، وقال ابن عطية : هو من ربأت القوم إذا علوت شرفاً من الأرض طليعة عليهم فكأن الأرض بالماء تتطاول وتعلو { وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ } أي صنف { بَهِيجٍ } حسن سار للناظر .