غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ} (5)

وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك ، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم ، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة ، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم ، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم ، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس . قال الجوهري : المخلقة التامة الخلق . وقال قتادة والضحاك : أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناسفي خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم . وقال مجاهد : المخلقة الولد يخرج حياً ، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل : المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل ، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال : إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال : يا رب مخلقة أو غير مخلقة ؟ فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً ، وإن قال مخلقة قال : يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد ؟ فيقول سبحانه : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها . وقوله { لنبين لكم } غاية لقوله { خلقناكم } أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا . وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف ، وقيل : أراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم ، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة ؟ ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام ، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية ، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً { ونقر في الأرحام ما نشاء } أن نقره من ذلك { إلى أجل مسمى } هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء { ثم نخرجكم } أي كل واحد منكم طفلاً ، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد ، { ثم } نربيكم شيئاً بعد شيء { لتبلغوا أشدكم } ومن قرأ { ونقر } بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين : إحداهما أن نبين قدرتنا ، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف . والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } وقد مر في " النحل " شبيهه فليرجع إليه .

ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال { وترى } أي تشاهد أيها المستحق للخطأ { الأرض } حال كونها { هامدة } ميتة يابسة لا نبات بها ، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك . همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت } تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط { وربت } انتفخت وزادت كما مر في قوله زبداً رابياً } [ الرعد : 17 ] وذلك في " الرعد " والمراد كمال تهيؤ الأرض لظهور النبات منها . ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم " ربأ القوم " إذا كان لهم طليعة فوق شرف . ثم أشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله { وأنبتت من كل زوج } أي بعضاً من كل صنف . { بهيج } والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد : هو الشيء المشرق الجميل . وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله .

/خ22