الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ} (5)

ثمّ ألزم الحجّة منكري البعث فقال عزَّ من قائل { يأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ } يعني أباكم آدم الذي هو أصل النسل ووالد البشر { مِّن تُرَابٍ } ثم ذرّيته { مِن نُّطْفَةٍ } وهو المنيّ وأصلها الماء القليل وجمعها نطاف { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } وهي الدم العبيط الجامد وجمعها علق { ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } وهي لحمة قليلة قدر ما تمضغ { مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } .

قال ابن عباس وقتادة : تامّة الخلق وغير تامة .

وقال مجاهد : مصوّرة وغير مصوّرة يعني السقط .

قال عبد الله بن مسعود : إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله عزّ وجلّ مَلَكاً فقال : يا رب مخلّقة أو غير مخلقة ؟ فإن قال : غير مخلّقة مجّتها الأرحام دماً وإن قال : مخلّقة قال : يا ربّ فما صفة هذه النطفة ؟ أذكر أم أُنثى ؟ ما رزقها ؟ ما أجلها ؟ أشقي أم سعيد ؟ فيقال له : انطلق إلى أُمّ الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة ، فينطلق الملك فينسخها فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها .

{ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ } كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريفنا أطوار خلقكم .

{ وَنُقِرُّ } روي عن عاصم بفتح الراء على النسق ، غيره : بالرفع على معنى ونحن نقرُ ( في الأرحام ) { مَا نَشَآءُ } فلا تمجّه ولا تسقطه { إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى } وقت خروجها من الرحم تامّ الخلق والمدّة { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ } من بطون أُمهاتكم { طِفْلاً } صغاراً ولم يقل أطفالاً لأنّ العرب تسمّي الجمع باسم الواحد .

قال الشاعر :

إنّ العواذل ليس لي بأمير

ولم يقل أُمَراء .

وقال ابن جريج : تشبيهاً باسم المصدر مثل : عدل وزور ، وقيل : تشبيهاً بالخصم والضيف .

{ ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } كمال عقولكم ونهاية قواكم .

{ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّى } قبل بلوغ الأشدّ { وَمِنكُمْ مَّن } يعمّر حتى { يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ } وهو الهرم والخرف { لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } .

ثمَّ بيَّن دلالة أُخرى للبعث فقال تعالى { وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً } يابسة دارسة الأثر من الزرع والنبات كهمود النار .

{ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ } المطر { اهْتَزَّتْ } تحرّكت بالنبات { وَرَبَتْ } أي زادت وأضعفت النبات بمجيء الغيث ، وقرأ أبو جعفر : ربأت بالهمز ، ومثله في حم السجدة أي ارتفعت وعلت وانتفخت ، من قول العرب : ربا الرجل إذا صعد مكاناً مشرفاً ، ومنه قيل للطليعة رئبة .

{ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } صنف حسن