ثم قال تعالى : { فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون }
وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما بين أن العبادة لا ينبغي أن تكون مقصورة على حالة الشدة بقوله : { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم } ولا أن تكون مقصورة على حالة أخذ شيء من الدنيا كما هو عادة المدوكر المتسلس{[18]} يعبد الله إذا كان في الخوانق والرباطات للرغيف والزبدية وإذا خلا بنفسه لا يذكر الله ، بقوله : { وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها } وبين أنه ينبغي أن يكون ، في حالة بسط الرزق وقدره عليه ، نظره على الله الخالق الرازق ليحصل الإرشاد إلى تعظيم الله والإيمان قسمان تعظيم لأمر الله وشفقة على خلق الله فقال بعد ذلك فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ، وفيه وجه آخر هو أن الله تعالى لما بين أن الله يبسط الرزق ويقدر ، فلا ينبغي أن يتوقف الإنسان في الإحسان فإن الله إذا بسط الرزق لا ينقص بالإنفاق ، وإذا قدر لا يزداد بالإمساك ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في تخصيص الأقسام الثلاثة بالذكر دون غيرهم مع أن الله ذكر الأصناف الثمانية في الصدقات فنقول أراد ههنا بيان من يجب الإحسان إليه على كل من له مال سواء كان زكويا أو لم يكن ، وسواء كان بعد الحول أو قبله لأن المقصود ههنا الشفقة العامة ، وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم وإن لم يكن للمحسن مال زائد ، أما القريب فتجب نفقته وإن كان لم تجب عليه زكاة كعقار أو مال لم يحل عليه الحول والمسكين كذلك فإن من لا شيء له إذا بقي في ورطة الحاجة حتى بلغ الشدة يجب على من له مقدرة دفع حاجته ، وإن لم يكن عليه زكاة ، وكذلك من انقطع في مفازة ومع آخر دابة يمكنه بها إيصاله إلى مأمن يلزمه ذلك ، وإن لم تكن عليه زكاة والفقير داخل في المسكين لأن من أوصى للمساكين شيئا يصرف إلى الفقراء أيضا ، وإذا نظرت إلى الباقين من الأصناف رأيتهم لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وجبت الزكاة عليهم واعتبر ذلك في العامل والمكاتب والمؤلفة والمديون ، ثم اعلم أن على مذهب أبي حنيفة رحمه الله حيث قال : المسكين من له شيء ما فنقول ، وإن كان الأمر كذلك لكن لا نزاع في أن إطلاق المسكين على من لا شيء له جائز فيكون الإطلاق هنا بذلك الوجه ، والفقير يدخل في ذلك بالطريق الأولى .
المسألة الثانية : في تقدم البعض على البعض فنقول لما كان دفع حاجة القريب واجبا سواء كان في شدة ومخمصة ، أو لم يكن كان مقدما على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في شدة ، ولما كان المسكين حاجته ليست مختصة بموضع كان مقدما على من حاجته مختصة بموضع دون موضع .
المسألة الثالثة : ذكر الأقارب في جميع المواضع كذا اللفظ وهو ذو القربى ، ولم يذكر المسكين بلفظ ذي المسكنة ، وذلك لأن القرابة لا تتجدد فهي شيء ثابت ، وذو كذا لا يقال إلا في الثابت ، فإن من صدر منه رأي صائب مرة أو حصل له جاه يوما واحدا أو وجد منه فضل في وقت يقال ذو رأي وذو جاه وذو فضل ، وإذا دام ذلك له أو وجد منه ذلك كثيرا يقال له ذو الرأي وذو الفضل ، فقال { ذا القربى } إشارة إلى أن هذا حق متأكد ثابت ، وأما المسكنة فتطرأ وتزول ولهذا المعنى قال : { مسكينا ذا متربة } فإن المسكين يدوم له كونه ذا متربة ما دامت مسكنته أو يكون كذلك في أكثر الأمر .
المسألة الرابعة : قال : { فآت ذا القربى حقه } ثم عطف المسكين وابن السبيل ولم يقل فآت ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقهم ، لأن العبارة الثانية لكون صدور الكلام أولا للتشريك والأولى لكون التشريك واردا على الكلام ، كأنه يقول أعط ذا القربى حقه ثم يذكر المسكين وابن السبيل بالتبعية ولهذا المعنى إذا قال الملك خل فلان يدخل ، وفلانا أيضا يكون في التعظيم فوق ما إذا قال خل فلانا وفلانا يدخلان ، وإلى هذا أشار النبي عليه الصلاة والسلام بقوله : « بئس خطيب القوم أنت » حيث قال الرجل من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ، ومن عصاهما فقد غوى ولم يقل ومن عصى الله ورسوله .
المسألة الخامسة : قوله : { ذلك خير } يمكن أن يكون معناه ذلك خير من غيره ويمكن أن يقال ذلك خير في نفسه ، وإن لم يقس إلى غيره لقوله تعالى : { وافعلوا الخير } { فاستبقوا الخيرات } والثاني أولى لعدم احتياجه إلى إضمار ولكونه أكثر فائدة لأن الخير من الغير قد يكون نازل الدرجة ، عند نزول درجة ما يقاس إليه ، كما يقال السكوت خير من الكذب ، وما هو خير في نفسه فهو حسن ينفع وفعل صالح يرفع .
المسألة السادسة : قوله تعالى : { للذين يريدون وجه الله } إشارة إلى أن الاعتبار بالقصد لا بنفس الفعل ، فإن من أنفق جميع أمواله رياء الناس لا ينال درجة من يتصدق برغيف لله ، وقوله : { وجه الله } أي يكون عطاؤه لله لا غير ، فمن أعطى للجنة لم يرد به وجه الله ، وإنما أراد مخلوق الله .
المسألة السابعة : كيف قال : { وأولئك هم المفلحون } مع أن للإفلاح شرائط أخر ، وهي المذكورة في قوله : { قد أفلح المؤمنون } فنقول كل وصف مذكور هناك يفيد الإفلاح ، فقوله { والذين هم للزكاة فاعلون } وقوله : { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } إلى غير ذلك عطف على المفلح أي هذا مفلح ، وذاك مفلح ، وذاك الآخر مفلح لا يقال لا يحصل الإفلاح لمن يتصدق ولا يصلي ، فنقول هذا كقول القائل العالم مكرم أي نظرا إلى علمه ثم إذا حد في الزنا على سبيل النكال وقطعت يده في السرقة لا يبطل ذلك القول حتى يقول القائل ، إنما كان ذلك لأنه أتى بالفسق ، فكذلك إيتاء المال لوجه الله يفيد الإفلاح ، اللهم إلا إذا وجد مانع من ارتكاب محظور أو ترك واجب .
المسألة الثامنة : لم لم يذكر غيره من الأفعال كالصلاة وغيرها ؟ فنقول الصلاة مذكورة من قبل لأن الخطاب ههنا بقوله : { فأت } مع النبي صلى الله عليه وسلم وغيره تبع ، وقد قال له من قبل { فأقم وجهك للدين حنيفا } وقال : { منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة } .
المسألة التاسعة : قوله تعالى : { وأولئك هم المفلحون } يفهم منه الحصر وقد قال في أول سورة البقرة : { وأولئك هم المفلحون } إشارة إلى من أقام الصلاة وآتى الزكاة ، وآمن بما أنزل على رسوله وبما أنزل من قبله وبالآخرة ، فلو كان المفلح منحصرا في أولئك المذكورين في سورة البقرة فهذا خارج عنهم فكيف يكون مفلحا ؟ فنقول هذا هو ذاك لأنا بينا أن قوله : { فأقم وجهك للدين } متصل بهذا الكلام فإذا أتى بالصلاة وآتى المال وأراد وجه الله ، فقد ثبت أنه مؤمن مقيم للصلاة مؤت للزكاة معترف بالآخرة فصار مثل المذكور في البقرة .
{ فَئَاتِ ذَا القربى حَقَّهُ } من الصلة والصدقة وسائر المبرات { والمساكين وابن السبيل } ما يستحقانه ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على أنه عليه الصلاة والسلام المقصود أصالة وغيره من المؤمنين تبعاً ، وقال الحسن هو خطاب لكل سامع ، وجوز غير واحد أن يكون لمن بسط له الرزق ، ووجه تعلق هذا الأمر بما قبله واقترانه بالفاء على ما ذكره الزمخشري أنه تعالى لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك ، وحاصله على ما في الكشف أن امتثال أوامره تعالى مجلبة رضاه والحياة الطيبة تتبعه كما أن عصيانه سبحانه مجلبة سخطه والجدب والضيقة من روادفه فإذا استبان ذلك فآت يا محمد ومن تبعه أو فآت يا من بسط له الرزق ذا القربى حقه الخ ، وذكر الإمام وجهاً آخر مبنياً على أن الأمر متفرع على حديث البسط والقدر وهو أنه تعالى لما بين أنه سبحانه يبسط ويقدر أمر جل وعلا بالاتفاق إيذاناً بأنه لا ينبغي أن يتوقف الإنسان في الإحسان فإن الله تعالى إذا بسط الرزق لا ينقص بالإنفاق وإذا قدر لا يزداد بالإمساك كما قيل :
إذ جادت الدنيا عليك فجد بها *** على الناس طرا إنها تتقلب
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت *** ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب
قال صاحب الكشف روح الله تعالى روحه : إن ما ذكره الزمخشري أوفق لتأليف النظم الجليل فإن قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق } [ الروم : 7 3 ] لتتميم الإنكار على فرح بالنعمة عن شكر المنعم ويئس عند زوالها عنه ، والظاهر على ما ذكره الإمام أن المراد بالحق الحق المالي وكذا المراد به في جانب المسكين وابن السبيل ، وحمل ذلك بعضهم على الزكاة المفروضة . وتعقب بأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة واستثناء هذه الآية ودعوى أنها مدنية يحتاج إلى نقل صحيح ، وسبق النزول على الحكم بعيد ولذا لم يذكر هنا بقية الأصناف ، وحكى أن أبا حنيفة استدل بالآية على وجوب النفقة لكل ذي رحم محرم ذكراً كان أو أنثى إذا كان فقيراً أو عاجزاً عن الكسب ، ووجه بأن { آت } أمر للوجوب ، والظاهر من الحق بقرينة ما قبله انه مالي ولو كان المراد الزكاة لم يقدم حق القربى إذ الظاهر من تقديمه المغايرة ، والشافعية أنكروا وجوب النفقة على من ذكر وقالوا : لا نفقة بالقرابة إلا على الولد والوالدين على ما بين في الفقه ، والمراد بالحق المصرح به في ذي القربي صلة الرحم بأنواعها وبالحق المعتبر في جانب المسكين وابن السبيل صدقة كانت مفروضة قبل فرض الزكاة أو الزكاة المفروضة والآية مدنية أو مكية والنزول سابق على الحكم .
واعترض على هذا بأنه إذا فسر حق الآخرين بالزكاة وجب تفسير الأول بالنفقة الواجبة لئلا يكون لفظ الأمر للوجوب والندب ، ولذا استدل أبو حنيفة عليه الرحمة بالآية على ما تقدم ، وفيه بحث .
وقال بعض أجلة الشافعية راداً على الاستدلال : إنه كيف يتم مع احتمال أن يكون الأمر بإيتاء الصدقة أيضاً بدليل ما تلاه ، ثم إن { وَءاتِ ذَا القربى } مجمل عند المستدل ومن أين له أنه بين بذي الرحم المحرم ، وكذلك قوله تعالى : { حَقَّهُ } ثم قال : والحق أنه أمر بتوفير حقه من الصلة لا خصوص النفقة وصلة الرحمن من الواجبات المؤكدة انتهى ، والحق أحق بالاتباع ، ودليل الإمام عليه الرحمة ليس هذا وحده كما لا يخفى على علماء مذهبه .
وخص بعض الخطاب به صلى الله عليه وسلم وقال : المراد بذي القربى بنو هاشم وبنو المطلب أمر صلى الله عليه وسلم أن يؤتيهم حقهم من الغنيمة والفيء ، وفي مجمع البيان للطبرسي من الشيعة المعنى وآت يا محمد ذوي قرابتك حقوقهم التي جعلها الله تعالى لهم من الأخماس . وروي أبو سعيد الخدري . وغيره أنه لما نزلت هذه الآية أعطى عليه الصلاة والسلام فاطمة رضي الله تعالى عنها فدكا وسلمه إليها ، وهو المروى عن أبي جعفر . وأبي عبد الله انتهى ، وفيه أن هذا ينافي ما اشتهر عند الطائفتين من أنها رضي الله تعالى عنها ادعت فدكا بطريق الارث ، وزعم بعضهم أنها ادعت الهبة وأتت على ذلك بعلي والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم وبأم أيمن رضي الله تعالى عنها فلم يقبل منها لمكان الزوجية والبنوة وعدم كفاية المرأة الواحدة في الشهادة في هذا الباب فادعت الارث فكان ما كان وهذا البحث مذكور على أتم وجه في التحفة ان أردته فارجع إليه ، وخص بعضهم { ابن السبيل } بالضيف وحقه بالإحسان إليه إلى أن يرتحل والمشهور أنه المنقطع عن ماله وبين المعنيين عموم من وجه ، وقدم ذو القربى اعتناء بشأنه وهو السر في تقديم المفعول الثاني على العطف والعدول عن وآت ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقهم ، وعبر عن القريب بذي القربى في جميع المواضع ولم يعبر عن المسكين بذي المسكنة لأن القرابة ثابتة لا تتجدد وذو كذا لا يقال في الأغلب إلا في الثابت ألا ترى أنهم يقولون لمن تكرر منه الرأي الصائب فلان ذو رأي ويكاد لا تسمعهم يقولون لمن أصاب مرة في رأيه كذلك وكذا نظائر ذلك من قولهم : فلان ذو جاه . وفلان ذو إقدام ، والمسكنة لكونها مما تطرأ وتزول لم يقل في المسكين ذو مسكنة كذا قال الإمام : { ذلك } أي الإيتاء المفهوم من الأمر { خَيْرٌ } في نفسه أو خير من غيره { لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله } أي ذاته سبحانه أي يقصدونه عز وجل بمعروفهم خالصاً أو جهته تعالى أي يقصدون جهة التقرب إليه سبحانه لا جهة أخرى والمعنيان كما في الكشف متقاربان ولكن الطريقة مختلفة .
{ وَأُوْلئِكَ } المتصفون بالإيتاء { هُمُ المفلحون } حيث حصلوا بإنفاق ما يفنى النعيم المقيم ، والحصر إضافي على ما قيل : أي أولئك هم المفلحون لا الذين بخلوا بما لهم ولم ينفقوا منه شيئاً .
وقيل : هو حقيقي على أن المتصفين بالإيتاء المذكور هم الذين آمنوا وأقاموا الصلاة وأنابوا إليه تعالى واتقوه عز وجل فلا منافاة بين هذا الحصر والحصر المذكور في أول سورة البقرة فتأمل .