مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ} (19)

قوله تعالى : { واقصد في مشيك واغمض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير }

لما قال : { ولا تمش في الأرض مرحا } وعدم ذلك قد يكون بضده وهو الذي يخالف غاية الاختلاف ، وهو مشي المتماوت الذي يرى من نفسه الضعف تزهدا فقال : { واقصد في مشيك } أي كن وسطا بين الطرفين المذمومين ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : هل للأمر بالغض من الصوت مناسبة مع الأمر بالقصد في المشي ؟ فنقول : نعم سواء علمناها نحن أو لم نعلمها وفي كلام الله من الفوائد ما لا يحصره حد ولا يصيبه عد ، ولا يعلمه أحد والذي يظهر وجوه الأول : هو أن الإنسان لما كان شريفا تكون مطالبه شريفة فيكون فواتها خطرا فأقدر الله الإنسان على تحصيلها بالمشي ، فإن عجز عن إدراك مقصوده ينادي مطلوبه فيقف له أو يأتيه مشيا إليه فإن عجز عن إبلاغ كلامه إليه ، وبعض الحيوانات يشارك الإنسان في تحصيل المطلوب بالصوت كما أن الغنم تطلب السخلة والبقرة العجل والناقة الفصيل بالثغاء والخوار والرغاء ولكن لا تتعدى إلى غيرها ، والإنسان يميز البعض عن البعض فإذا كان المشي والصوت مفضيين إلى مقصود واحد لما أرشده إلى أحدهما أرشده إلى الآخر الثاني : هو أن الإنسان له ثلاثة أشياء عمل بالجوارح يشاركه فيه الحيوانات فإنه حركة وسكون ، وقول باللسان ولا يشاركه فيه غيره وعزم بالقلب وهو لا إطلاع عليه إلا لله ، وقد أشار إليه بقوله : { إنها إن تك مثقال حبة من خردل } أي أصلح ضميرك فإن الله خبير ، بقي الأمران فقال : { واقصد في مشيك واغضض من صوتك } إشارة إلى التوسط في الأفعال والأقوال الثالث : هو أن لقمان أراد إرشاد ابنه إلى السداد في الأوصاف الإنسانية والأوصاف التي هي للملك الذي هو أعلى مرتبة منه ، والأوصاف التي للحيوان الذي هو أدنى مرتبة منه . فقوله : { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } إشارة إلى المكارم المختصة بالإنسان فإن الملك لا يأمر ملكا آخر بشيء ولا ينهاه عن شيء . وقوله : { ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا } الذي هو إشارة إلى عدم التكبر والتبختر إشارة إلى المكارم التي هي صفة الملائكة فإن عدم التكبر والتبختر صفتهم . وقوله : { واقصد في مشيك واغضض من صوتك } إشارة إلى المكارم التي هي صفة الحيوان ثم قال تعالى : { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المشي ، نقول أما على قولنا إن المشي والصوت كلاهما موصلان إلى شخص مطلوب إن أدركه بالمشي إليه فذاك ، وإلا فيوقفه بالنداء ، فنقول رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة ، وربما يخرق الغشاء الذي داخل الأذن . وأما السرعة في المشي فلا تؤذي أو إن كانت تؤذي فلا تؤذي غير من في طريقه والصوت يبلغ من على اليمين واليسار ، ولأن المشي يؤذي آلة المشي والصوت يؤذي آلة السمع وآلة السمع على باب القلب ، فإن الكلام ينتقل من السمع إلى القلب ولا كذلك المشي ، وأما على قولنا الإشارة بالشيء والصوت إلى الأفعال والأقوال فلأن القول قبيحه أقبح من قبيح الفعل وحسنه أحسن لأن اللسان ترجمان القلب والاعتبار يصحح الدعوى .

المسألة الثانية : كيف يفهم كونه أنكر مع أن مس المنشار بالمبرد وحت النحاس بالحديد أشد تنفيرا ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المراد أن أنكر أصوات الحيوانات صوت الحمير فلا يرد ما ذكرتم وما ذكرتم في أكثر الأمر لمصلحة وعمارة فلا ينكر ، بخلاف صوت الحمير وهذا وهو الجواب الثاني .

المسألة الثالثة : أنكر هو أفعل التفضيل فمن أي باب هو ؟ نقول يحتمل أن يكون من باب أطوع له من بنانه ، بمعنى أشدها طاعة فإن أفعل لا يجئ في مفعل ولا في مفعول ولا في باب العيوب إلا ما شذ ، كقولهم أطوع من كذا للتفضيل على المطيع ، وأشغل من ذات النحيين للتفضيل على المشغول ، وأحمق من فلان من باب العيوب ، وعلى هذا فهو في باب أفعل كأشغل في باب مفعول فيكون للتفضيل على المنكر ، أو نقول هو من باب أشغل مأخوذا من نكر الشيء فهو منكر ، وهذا أنكر منه ، وعلى هذا فله معنى لطيف ، وهو أن كل حيوان قد يفهم من صوته بأنه يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو غير ذلك ، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح ، وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق فصوته منكور ، ويمكن أن يقال هو من نكير كأجدر من جدير .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ} (19)

{ واقصد فِى مَشْيِكَ } بعد الاجتناب عن المرح فيه أي توسط فيه بين الدبيب والإسراع من القصد وهو الاعتدال ، وجاء في عدة روايات إلا أن في أكثرها مقالاً يخرجها عن صلاحية الاحتجاج بها كما لا يخفى على من راجع شرح الجامع الصغير للمناوي عن النبي صلى الله عليه وسلم " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " أي هيبته وجماله أي تورثه حقارة في أعين الناس ، وكأن ذلك لأنها تدل على الخفة وهذا أقرب من قول المناوي لأنها تتعب فتغير البدن والهيئة .

وقال ابن مسعود : كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى ولكن مشياً بين ذلك ، وما في النهاية من أن عائشة نظرت إلى رجل كاد يموت تخافتاً فقالت : ما لهذا ؟ فقيل : إنه من القراء فقالت : كان عمر رضي الله تعالى عنه سيد القراء وكان إذا مشى أسرع وإذا قال أسمع وإذا ضرب أوجع ، فالمراد بالإسراع فيه ما فوق دبيب المتماوت{[606]} وهو الذي يخفي صوته ويقل حركاته مما يتزيا بزي العباد كأنه يتكلف في اتصافه بما يقربه من صفات الأموات ليوهم أنه ضعف من كثرة العبادة فلا ينافي الآية ، وكذا ما ورد في صفته صلى الله عليه وسلم إذ يمشي كأنما ينحط من صبب وكذا لا ينافيها قوله تعالى : { وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً } [ الفرقان : 63 ] إذ ليس الهون فيه المشي كدبيب النمل ، وذكر بعض الأفاضل أن المذموم اعتياد الإسراع بالإفراط فيه ، وقال السخاوي : محل ذم الإسراع ما لم يخش من بطء السير تفويت أمر ديني ، لكن أنت تعلم أن الإسراع المذهب للخشوع لإدراك الركعة مع الإمام مثلاً مما قالوا إنه مما لا ينبغي فلا تغفل ، وعن مجاهد أن القصد في المشي التواضع فيه ، وقيل : جعل البصر موضع القدم ، والمعول عليه ما تقدم . وقرئ { واقصد } بقطع الهمزة ونسبها ابن خالويه للحجازي من أقصد الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية ووجهه إليها ليصيبها أي سدد في مشيك والمراد أمش مشياً حسناً ، وكأنه أريد التوسط به بين المشيين السريع والبطيء فتتوافق القراءتان { واغضض مِن صَوْتِكَ } أي انقص منه واقصر من قولك فلان يغض من فلان إذا قصر به ووضع منه وحط من درجته . وفي «البحر » الغضرد طموح الشيء كالصوت والنظر ويستعمل متعدياً بنفسه كما في قوله :

فغض الطرف إنك من نمير *** ومتعدياً بمن كما هو ظاهر قول الجوهري غض من صوته . والظاهر إن ما في الآية من الثاني ، وتكلف بعضهم جعل من فيها للتبعيض ، وادعى آخر كونها زائدة في الإثبات ، وكانت العرب تفتخر بجهارة الصوت وتمدح به في الجاهلية ومنه ، قول الشاعر :

جهير الكلام جهير العطاس *** جهير الرواء جهير النعم

ويخطو على العم خطو الظليم *** ويعلو الرجال بخلق عمم

والحكمة في غض الصوت المأمور به أنه أوفر للمتكلم وأبسط لنفس السامع وفهمه { إِنَّ أَنكَرَ الاصوات } أي أقبحها يقال وجه منكر أي قبيح قال في «البحر » : وهو أفعل بني من فعل المفعول كقولهم : أشغل من ذات النحيين وبناؤه من ذلك شاذ ، وقال بعض : أي أصعبها على السمع وأوحشها من نكر بالضم نكارة ومنه { يَوْمَ يَدْعُو الداع إلى شيء نُّكُرٍ } [ القمر : 6 ] أي أمر صعب لا يعرف ، والمراد بالأصوات أصوات الحيوانات أي إن أنكر أصوات الحيوانات { لَصَوْتُ الحمير } جمع حمار كما صرح به أهل اللغة ولم يخالف فيه غير السهيلي قال : أنه فعيل اسم جمع كالعبيد وقد يطلق على اسم الجمع الجمع عند اللغويين ، والجملة تعليل للأمر بالغض على أبلغ وجه وآكده حيث شبه الرافعون أصواتهم بالحمير وهم مثل في الذم البليغ والشتيمة ومثلت أصواتهم بالنهاق الذي أوله زفير وآخره شهيق ثم أخلي الكلام من لفظ التشبيه وأخرج مخرج الاستعارة ، وفي ذلك من المبالغة في الذم والتهجين والإفراط في التثبيط عن رفع الصوت والترغيب عنه ما فيه ، وإفراد الصوت مع جمع ما أضيف هو إليه للإشارة إلى قوة تشابه أصوات الحمير حتى كأنها صوت واحد هو أنكر الأصوات ، وقال الزمخشري أن ذلك لما أن المراد ليس بيان حال صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع بل بيان صوت هذا الجنس من بين أصوات سائر الأجناس ، قيل : فعلى هذا كان المناسب لصوت الحمار بتوحيد المضاف إليه . وأجيب بأن المقصود من الجمع التتميم والمبالغة في التنفير فإن الصوت إذا توافقت عليه الحمير كان أنكر . وأورد عليه أنه يوهم أن الأنكرية في التوافق دون الانفراد وهو لا يناسب المقام ، وأجيب بأنه لا يلتفت إلى مثل هذا التوهم ، وقيل : لم يجمع الصوت المضاف لأنه مصدر وهو لا يثنى ولا يجمع ما لم تقصد الأنواع كما في { أَنكَرَ الاصوات } فتأمل ، والظاهر أن قوله تعالى : { إِنَّ أَنكَرَ الاصوات لَصَوْتُ الحمير } من كلام لقمان لابنه تنفيراً له عن رفع الصوت ، وقيل : هو من كلام الله تعالى وانتهت وصية لقمان بقوله : { واغضض مِن صَوْتِكَ } رد سبحانه به على المشركين الذين كانوا يتفاخرون بجهارة الصوت ورفعه مع أن ذلك يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة وربما يخرق الغشاء الذي هو داخل الأذن وبين عز وجل أن مثلهم في رفع أصواتهم مثل الحمير وأن مثل أصواتهم التي يرفعونها مثل نهاقها في الشدة مع القبح الموحش وهذا الذي يليق أن يجعل وجه شبه لا الخلو عن ذكر الله تعالى كما يتوهم بناءً على ما أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري قال : صياح كل شيء تسبيحه إلا لحمار لما أن وجه الشبه ينبغي أن يكون صفة ظاهرة وخلو صوت الحمار عن الذكر ليس كذلك ، على أنا لا نسلم صحة هذا الخبر فإن فيه ما فيه ، ومثله ما شاع بين الجهلة من أن نهيق الحمار لعن للشيعة الذين لا يزالون ينهقون بسب الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومثل هذا من الخرافات التي يمجها السمع ما عدا سمع طويل الأذنين ، والظاهر أن المراد بالغض من الصوت الغض منه عند التكلم والمحاورة ، وقيل : الغض من الصوت مطلقاً فيشمل الغض منه عند العطاس فلا ينبغي أن يرفع صوته عنده إن أمكنه عدم الرفع ، وروي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ما يقتضيه ثم أن الغض ممدوح أن لم يدع داع شرعي إلى خلافه ، وأردف الأمر بالقصد في المشي بالأمر بالغض من الصوت لما أنه كثيراً ما يتوصل إلى المطلوب بالصوت بعد العجز عن التوصل إليه بالمشي كذا قيل ، هذا وأبعد بعضهم في الكلام على هذين الأمرين فقال : إن الأول إشارة إلى التوسط في الأفعال والثاني إشارة إلى الاحتراز من فضول الكلام والتوسط في الأقوال ، وجعل قوله تعالى : { إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ } [ لقمان : 61 ] الخ إشارة إلى إصلاح الضمير وهو كما ترى .

وقرأ ابن أبي عبلة { لَصَوْتُ الحمير } بالجمع بغير لام التأكيد .

ومن باب الإشارة : وقيل : { الحمير } في قوله تعالى : { إِنَّ أَنكَرَ الاصوات لَصَوْتُ الحمير } [ لقمان : 19 ] هم الصوفية الذين يتكلمون بلسان المعرفة قبل أن يؤذن لهم وطبق بعضهم جميع ما في القصة على ما في الأنفس .


[606]:- ورأى عمر رضي الله تعالى عنه رجلا متماوتا فقال لا تمت علينا ديننا أماتك الله تعالى ورأى رجلا مطاطئا رأسه فقال ارفع رأسك فإن الإسلام ليس بمريض اه منه.