مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ} (26)

قوله تعالى : { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا للذين كفروا من النار أن نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ، كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكروا أولوا الألباب }

اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في شرح القصة أردفها ببيان أنه تعالى فوض إلى داود خلافة الأرض ، وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في تلك القصة ، لأن من البعيد جدا أن يوصف الرجل بكونه ساعيا في سفك دماء المسلمين ، راغبا في انتزاع أزواجهم منهم ثم يذكر عقيبه أن الله تعالى فوض خلافة الأرض إليه ، ثم نقول في تفسير كونه خليفة وجهان الأول : جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى ، وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفه ، وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة ، وذلك على الله محال الثاني : إنا جعلناك مالكا للناس ونافذ الحكم فيهم فبهذا التأويل يسمى خليفة ، ومنه يقال خلفاء الله في أرضه ، وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق الله ، فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة مفيدة اللزوم في تلك الحقيقة وهو نفاذ الحكم .

ثم قال تعالى : { فاحكم بين الناس بالحق } واعلم أن الإنسان خلق مدنيا بالطبع ، لأن الإنسان الواحد لا ينتظم مصالحه إلا عند وجود مدينة تامة حتى أن هذا يحرث ، وذلك يطحن ، وذلك يخبز ، وذلك ينسج ، وهذا يخيط ، وبالجملة فيكون كل واحد منهم مشغولا بمهم ، وينتظم من أعمال الجميع مصالح الجميع . فثبت أن الإنسان مدني بالطبع وعند اجتماعهم في الموضع الواحد يحصل بينهم منازعات ومخاصمات ولا بد من إنسان قادر قاهر يقطع تلك الخصومات وذلك هو السلطان الذي ينفذ حكمه على الكل فثبت أنه لا ينتظم مصالح الخلق إلا بسلطان قاهر سائس ، ثم إن ذلك السلطان القاهر السائس إن كان حكمه على وفق هواه ولطلب مصالح دنياه عظم ضرره على الخلق فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه ويتوسل بهم إلى تحصيل مقاصد نفسه ، وذلك يفضي إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج في الخلق ، وذلك يفضي بالآخرة إلى هلاك ذلك الملك ، أما إذا كانت أحكام ذلك الملك مطابقة للشريعة الحق الإلهية انتظمت مصالح العالم ، واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه . فهذا هو المراد من قولهم : { فاحكم بين الناس بالحق } يعني لا بد من حاكم بين الناس بالحق فكن أنت ذلك الحاكم ثم قال : { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } الآية ، وتفسيره أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله ، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب ، فينتج أن متابعة الهوى توجب سوء العذاب .

أما المقام الأول : وهو أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله فتقريره أن الهوى يدعو إلى الاستغراق في اللذات الجسمانية ، والاستغراق فيها يمنع من الاشتغال بطلب السعادات الروحانية التي هي الباقيات الصالحات ، لأنهما حالتان متضادتان فبقدر ما يزداد أحدهما ينقص الآخر .

أما المقام الثاني : وهو أن الضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب ، فالأمر فيه ظاهر لأن الإنسان إذا عظم ألفه بهذه الجسمانيات ونسي بالكلية أحواله الروحانيات ، فإذا مات فقد فارق المحبوب والمعشوق ، ودخل ديارا ليس له بأهل تلك الديار إلف وليس لعيته قوة مطالعة أنوار تلك الديار ، فكأنه فارق المحبوب ووصل إلى المكروه ، فكان لا محالة في أعظم العناء والبلاء ، فثبت أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله . وثبت أن الضلال عن سبيل الله يوجب العذاب ، وهذا بيان في غاية الكمال .

ثم قال تعالى : { بما نسوا يوم الحساب } يعني أن السبب الأول لحصول ذلك الضلال هو نسيان يوم الحساب ، لأنه لو كان متذكرا ليوم الحساب لما أعرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد ، ولما صار مستغرقا في هذه اللذات الفاسدة .

روي عن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز هل سمعت ما بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا يكتب عليه معصية ؟ فقال : يا أمير المؤمنين الخلفاء أفضل أم الأنبياء ؟ ثم تلا هذه الآية : { إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب }

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ} (26)

{ يا داوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً في الارض } إما حكاية لما خوطب به عليه السلام مبنية لزلفاه عنده عز وجل وإما مقول لقول مقدر معطوف على { غفرنا } [ ص : 25 ] أو حال من فاعله أي وقلنا له أو قائلين له يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض أي استخلفناك على الملك فيها والحكم فيما بين أهلها أو جعلناك خليفة ممن قبلك من الأنبياء القائمين بالحق ، وهو على الأول : مثل فلان خليفة السلطان إذا كان منصوباً من قبله لتنفيذ ما يريده ، وعلى الثاني : من قبيل هذا الولد خليفة عن أبيه أي ساد مسده قائم بما كان يقوم به من غير اعتبار لحياة وموت وغيرهما ، والأول أظهر والمنة به أعظم فهو عليه السلام خليفة الله تعالى بالمعنى الذي سمعت ، قال ابن عطية : ولا يقال خليفة الله تعالى إلا لرسوله وأما الخلفاء فكل واحد منهم خليفة من قبله ، وما يجيء في الشعر من تسمية أحدهم خليفة الله فذلك تجوز كما قال قيس الرقيات

: خليفة الله في بريته *** جفت بذاك الأفلام والكتب

وقالت الصحابة لأبي بكر : خليفة رسول الله وبذلك كان يدعي إلى أن توفي فلما ولي عمر قالوا خليفة خليفة رسول الله فعدل عنه اختصاراً إلى أمير المؤمنين . وذهب الشيخ الأكبر محيي الدين قدس سره إلى أن الخليفة من الرسل من فوض إليه التشريع ولعله من جملة اصطلاحاته ولا مشاحة في الاصطلاح ، واستدل بعضهم بالآية على احتياج الأرض إلى خليفة من الله عز وجل وهو قول من أوجب على الله تعالى نصب الإمام لأنه من اللطف الواجب عليه سبحانه ، والجماعة لا يقولون بذلك والإمامة عندهم من الفروع وإن ذكروها في كتب العقائد ، وليس في الآية ما يلزم منه ذلك كما لا يخفى وتحقيق المطلب في محله { الارض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق } الذي شرعه الله تعالى لك فالحق خلاف الباطل وأل فيه للعهد ، وجوز أن يراد به ما هو من أسمائه تعالى أي بحكم الحق أي الله عز وجل للعلم بأن الذوات لا يكون محكوماً بها . وتعقب بأن مقابلته بالهوى تأبى ذلك ، ولعل من يقول به يجعل المقابل المضاف المحذوف والمقابلة باعتبار أن حكم الله تعالى لا يكون إلا بالحق ، وفرع الأمر بالحكم بالحق على ما تقدم لأن الاستخلاف بكلا المعنيين مقتض للحكم العدل لاسيما على المعنى الأول لظهور اقتضاء كونه عليه السلام خليفة له تعالى أن لا يخالف حكمه حكم من استخلفه بل يكون على وفق إرادته ورضاه .

وقيل المترتب مطلق الحكم لظهور ترتبه على كونه خليفة . وذكر الحق لأن به سداده ، وقيل ترتب ذلك لأن الخلافة نعمة عظيمة شكرها العدل .

وفي «البحر » أن هذا أمر بالديمومة وتنبيه لغيره ممن ولي أمور الناس أن يحكم بينهم بالحق وإلا فهو من حيث أنه معصوم لا يحكم إلا بالحق ، وعلى نحو هذا يخرج النهي عندي في قوله سبحانه وتعالى : { وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى } فإن اتباع الهوى مما لا يكاد يقع من المعصوم . وظاهر السياق أن المراد ولا تتبع هوى النفس في الحكومات ، وعمم بعضهم فقال : أي في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا .

وأيد بهذا النهي ما قيل إن ذنبه عليه السلام المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخر قبل مساءلته لا الميل إلى امرأة أوريا فكأنه قيل ولا تتبع الهوى في الحكم كما اتبعته أولاً ، وفيه أن اتباع الهوى وحكمه بغير ما شرع الله تعالى له غير مناسب لمقامه لاسيما وقد أخبر الله تعالى قبل الإخبار بمسألة المتحاكمين أنه أتاه الحكم وفصل الخطاب فليس هذا إلا إرشاداً لما يقتضيه منصب الخلافة وتنبيهاً لمن هو دونه عليه السلام ، وأصل الهوى ميل النفس إلى الشهوة ، ويقال للنفس المائلة إليها ويكون بمعنى المهوى كما في قوله :

هواي مع الركب اليمانين مصعد *** جنيب وجثماني بمكة موثق

وبه فسره هنا بعضهم فقال : أي لا تتبع ما تهوى الأنفس { فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله } بالنصب على أنه جواب النهي ، وقيل هو مجزوم بالعطف على النهي مفتوح لالتقاء الساكنين أي فيكون الهوى أو اتباعه سبباً لضلالك عن دلائله التي نصبها على الحق وهي أعم من الدلائل العقلية والنقلية ، وصد ذلك عن الدلائل إما لعدم فهمها أو العمل بموجبها ، وقوله تعالى : { إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ } تعليل لما قبله ببيان غائلته وإظهار سبيل الله في موضع الإضمار لزيادة التقرير والإيذان بكمال شناعة الضلال عنه ، وخبر إن إما جملة { لَهُمْ عَذَابَ } على أن { لَهُمْ } خبر مقدم وعذاب مبتدأ وأما الظرف وعذاب مرتفع على الفاعلية بما فيه من الاستقرار .

وقرأ ابن عباس . والحسن بخلاف عنهما . وأبو حيوة { يُضِلُّونَ } بضم الياء قال أبو حيان : وهذه القراءة أعم لأنه لا يضل إلا ضال في نفسه ، وقراءة الجمهور أوضح لأن المراد بالموصول من أضلهم اتباع الهوى وهم بعد أن أضلهم صاروا ضالين .

وقوله تعالى : { بِمَا نَسُواْ } متعلق بالاستقرار والباء سببية وما مصدرية ، وقوله سبحانه : { يَوْمِ الحساب } مفعول { نَسُواْ } على ما هو الظاهر أي ثابت لهم ذلك العذاب بسبب نسيانهم وعدم ذكرهم يوم الحساب ؛ وعليه يكون تعليلاً صريحاً لثبوت العذاب الشديد لهم بنسيان يوم الحساب بعد الإشعار بعلية ما يستتبعه ويستلزمه أعني الضلال عن سبيل الله تعالى فإنه مستلزم لنسيان يوم الحساب بالمرة بل هذا فرد من أفراده .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن الكلام من التقديم والتأخير أي لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا فيكون يوم الحساب ظرفاً لقوله تعالى : { لَهُمْ } وجعل النسيان عليه مجازاً عن ضلالهم عن سبيل الله بعلاقة السببية ومن ضرورته جعل مفعول النسيان سبيل الله تعالى ، وعليه يكون التعليل المصرح به عين التعليل المشعر به بالذات غيره بالعنوان فتدبر .

هذا ومما قاله بعض السادة الصوفية في بعض الآيات : { يا داوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِى الارض } [ ص : 26 ] نقل الشعراني أن خلافته عليه السلام وكذا خلافة آدم كانت في عالم الصور وعالم الأنفس المدبرة لها دون العالم النوراني فإن لكل شخص من أهله مقاماً معلوماً عينه له ربه سبحانه ، وللشيخ الأكبر قدس سره كلام طويل في الخلافة ، ويحكى عن بعض الزنادقة أن الخليفة لا يكتب عليه خطيئة ولا هو داخل في ربقة التكليف لأن مرتبته مرتبة مستخلفة وهو كفر صراح ، وفرق العلماء بين الخليفة والملك .

أخرج الثعلبي من طريق العوام بن حوشب قال : حدثني رجل من قومي شهد عمر رضي الله تعالى عنه أنه سأل طلحة . والزبير . وكعباً . وسلمان رضي الله تعالى عنهم ما الخليفة من الملك ؟ فقال طلحة . والزبير : ما ندري فقال سلمان : الخليفة الذي يعدل في الرعية ويقسم بينهم بالسوية ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله ويقضي بكتاب الله تعالى فقال كعب : ما كنت أحسب أحداً يعرف الخليفة من الملك غيري فقوله تعالى :

{ فاحكم بَيْنَ الناس بالحق وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى } [ ص : 26 ] كالتفسير لهذه الخلافة وفيه إشارة إلى ذم الهوى ، وفي بعض الآثار ما عبد إله في الأرض أبغض على الله تعالى من الهوى فهو أعظم الأصنام .