مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (49)

قوله تعالى : { فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون ، قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ، فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين ، أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون }

اعلم أن هذا حكاية طريقة أخرى من طرائقهم الفاسدة ، وذلك لأنهم عند الوقوع في الضر الذي هو الفقر والمرض يفزعون إلى الله تعالى ، ويرون أن دفع ذلك لا يكون إلا منه ، ثم إنه تعالى إذا خولهم النعمة ، وهي إما السعة في المال أو العافية في النفس ، زعم أنه إنما حصل ذلك بكسبه وبسبب جهده وجده ، فإن كان مالا قال إنما حصل بكسبي ، وإن كان صحة قال إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني ، وهذا تناقض عظيم ، لأنه كان في حال العجز والحاجة أضاف الكل إلى الله وفي حال السلامة والصحة قطعه عن الله ، وأسنده إلى كسب نفسه ، وهذا تناقض قبيح ، فبين تعالى قبح طريقتهم فيما هم عليه عند الشدة والرخاء بلفظة وجيزة فصيحة ، فقال { بل هي فتنة } يعني النعمة التي خولها هذا الكافر فتنة ، لأن عند حصولها يجب الشكر ، وعند فواتها يجب الصبر ، ومن هذا حاله يوصف بأنه فتنة من حيث يختبر عنده حال من أوتي النعمة ، كما يقال فتنت الذهب بالنار ، إذا عرضته على النار لتعرف خلاصته .

ثم قال تعالى : { ولكن أكثرهم لا يعلمون } والمعنى ما قدمنا أن هذا التخويل إنما كان لأجل الاختبار . وبقي في الآية أبحاث نذكرها في معرض السؤال والجواب .

السؤال الأول : ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء ههنا ، وعطف مثلها في أول السورة بالواو ؟ والجواب : أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنهم يشمئزون من سماع التوحيد ويستبشرون بسماع ذكر الشركاء ، ثم ذكر بفاء التعقيب أنهم إذا وقعوا في الضر والبلاء والتجأوا إلى الله تعالى وحده ، كان الفعل الأول مناقضا للفعل الثاني ، فذكر فاء التعقيب ليدل على أنهم واقعون في المناقضة الصريحة في الحال ، وأنه ليس بين الأول والثاني فاصل مع أن كل واحد منهما مناقض للثاني ، فهذا هو الفائدة في ذكر فاء التعقيب ههنا . فأما الآية الأولى فليس المقصود منها بيان وقوعهم في التناقض في الحال ، فلا جرم ذكر الله بحرف الواو لا بحرف الفاء .

السؤال الثاني : ما معنى التخويل ؟ الجواب : التخويل هو التفضل ، يعني نحن نتفضل عليه وهو يظن أنه إنما وجده بالاستحقاق .

السؤال الثالث : ما المراد من قوله : { إنما أوتيته على علم } ؟ الجواب : يحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علم الله بكوني مستحقا لذلك ، ويحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علمي بكوني مستحقا له ، ويحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علم لأجل ذلك العلم قدرت على اكتسابه مثل أن يكون مريضا فيعالج نفسه ، فيقول إنما وجدت الصحة لعلمي بكيفية العلاج ، وإنما وجدت المال لعلمي بكيفية الكسب .

السؤال الرابع : النعمة مؤنثة ، والضمير في قوله : { أوتيته } عائد على النعمة ، فضمير التذكير كيف عاد إلى المؤنث ، بل قال بعده : { بل هي فتنة } فجعل الضمير مؤنثا فما السبب فيه ؟ والجواب : أن التقدير حتى إذا خولناه شيئا من النعمة ، فلفظ النعمة مؤنث ومعناه مذكر ، فلا جرم جاز الأمران .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (49)

{ فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا } إخبار عن الجنس بما يغلب فيه ، وقيل : المراد بالإنسان حذيفة بن المغيرة ، وقيل : الكفرة { ثُمَّ إِذَا خولناه نِعْمَةً مّنَّا } أي أعطيناه إياها تفضلاً فإن التخويل على ما قيل مختص به لا يطلق على ما أعطى جزاء { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ } أي على علم مني بوجوه كسبه أو بأني سأعطاه لمالي من الاستحقاق أو على علم من الله تعالى بي وباستيجابي ، وإنما للحصر أي ما أوتيته لشيء من الأشياء إلا لأجل علم ، والهاء للنعمة ، والتذكير لتأويلها بشيء من النعم ، والقرينة على ذلك التنكير ، وقيل : لأنها بمعنى الإنعام ، وقيل : لأن المراد بها المال ، وقيل : لأنها تشتمل على مذكر ومؤنث فغلب المذكر ، وجوز أن يكون لما في { إِنَّمَا } على أنها موصولة أي إن الذي أوتيته كائن على علم ويبعد موصوليتها كتابتها متصلة في المصاحف { بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ } رد لقوله ذلك ، والضمير للنعمة باعتبار لفظها كما أن الأول لها باعتبار معناها ، واعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى جائز وإن كان الأكثر العكس ، وجوز أن يكون التأنيث باعتبار الخبر ، وقيل : هو ضمير الإتيانة وقرئ بالتذكير فهو للنعمة أيضاً كالذي مر أو للإتيان أي ليس الأمر كما يقول بل ما أوتيه امتحان له أيشكر أم يكفر ، وأخبر عنه بالفتنة مع أنه آلة لها لقصد المبالغة ، ونحو هذا يقال على تقدير عود الضمير للإتيانة أو الإتيان { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } إن الأمر كذلك وهذا ظاهر في أن المراد بالإنسان الجنس إذ لو أريد العهد لقيل لكنه لا يعلم أو لكنهم لا يعلمون وإرادة العهد هناك وإرجاع الضمير للمطلق هنا على أنه استخدام نظير عندي درهم ونصفه تكلف .

والفاء للعطف وما بعدها عطف على قوله تعالى : { وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ } [ الزمر : 45 ] الخ وهي لترتيبه عليه والغرض منه التهكم والتحميق ، وفيه ذمهم بالمناقضة والتعكيس حيث أنهم يشمئزون عن ذكر الله تعالى وحده ويستبشرون بذكر الآلهة فإذا مسهم ضر دعوا من اشمأزوا من ذكره دون من استبشروا بذكره ، وهذا كما تقول : فلان يسىء إلى فلان فإذا احتاج سأله فأحسن إليه ، ففي الفاء استعارة تبعية تهكمية ، وقيل : يجوز أن تكون للسببية داخلة على السبب لأن ذكر المسبب يقتضي ذكر سببه لأن ظهور { ما لم يكونوا يحتسبون } [ الزمر : 47 ] الخ مسبب عما بعد الفاء إلا أنه يتكرر مع قوله تعالى الآتي : { والذين ظَلَمُواْ مِنْ هؤلاء } [ الزمر : 51 ] إلى آخره إن لم يتغايرا بكون أحدهما في الدنيا والآخر في الأخرى ، وإلى ما قدمنا ذهب الزمخشري ، والجمل الواقعة في البين عليه أعني قوله سبحانه : { قُلِ اللهم –إلى- يَسْتَهْزِئُونَ } [ الزمر : 46 ، 48 ] اعتراض مؤكد للإنكار عليهم ، وزعم أبو حيان أن في ذلك تكلفاً واعتراضاً بأكثر من جملتين وأبو علي الفارسي لا يجيز الاعتراض بجملتين فكيف يجيزه بالأكثر ، وأنا أقول : لا بأس بذلك لاسيما وقد تضمن معنى دقيقاً لطيفاً ، والفارسي محجوج بما ورد في كلام العرب من ذلك .