البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (49)

تقدم في غير آية كون الإنسان إذا مسه الضر التجأ إلى الله ، مع اعتقادهم الأوثان وعبادتها .

فإذا أصابتهم شدة ، نبذوها ودعوا رب السموات والأرض ، وهذا يدل على تناقض آرائهم وشدة اضطرابها .

والإنسان جنس وضر مطلق ، والنعمة عامة في جميع ما يسر ، ومن ذلك إزالة الضر .

وقيل : الإنسان معين ، وهو حذيفة بن المغيرة .

والظاهر أن ما في إنما كافة مهيئة لدخول إن على الجملة الفعلية ، وذكر الضمير في { أوتيته } ، وإن كان عائداً على النعمة ، لأن معناها مذكر ، وهو الأنعام أو المال ، على قول من شرح النعمة بالمال ، أو المعنى : شيئاً من النعمة ، أو لأنها تشتمل على مذكر ومؤنث ، فغلب المذكر .

وقيل : ما موصولة ، والضمير عائد على ما ، أي قال : إن الذي أوتيته على علم مني ، أي بوجه المكاسب والمتاجر ، قاله قتادة ، وفيه إعجاب بالنفس وتعاظم مفرط .

أو على علم من الله فيّ واستحقاق جزائه عند الله ، وفي هذا احتراز الله وعجز ومنّ على الله .

أو على علم مني بأني سأعطاه لما فيّ من فضل واستحقاق ، بل هي فتنة إضراب عن دعواه أنه إنما أوتي على علم ، بل تلك النعمة فتنة وابتلاء .

ذكر أولاً في { أوتيته } على المعنى ، إذ كانت ما مهيئة ، ثم عاد إلى اللفظ فأنث في قوله { بل هي } ، أو تكون هي عادت على الإتيان ، أي بل إتيانه النعمة فتنة .

وكان العطف هنا بالفاء في فإذا ، بالواو في أول السورة لأنها وقعت مسببة عن قوله : { وإذا ذكر الله } ، أي يشمئزون عند ذكر الله ، ويستبشرون بذكر آلهتهم .

فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره دون من استبشر بذكره .

ومناسبة السببية أنك تقول : زيد مؤمن ، فإذا مسه الضر التجأ إلى الله .

فالسبب هنا ظاهر ، وزيد كافر ، فإذا مسه الضر التجأ إليه ، يقيم كفره مقام الإيمان في جعله سبباً للالتجاء ، يحكي عكس ما فيه الكافر .

يقصد بذلك الإنكار والتعجب من فعله المتناقض ، حيث كفر بالله ثم التجأ إليه في الشدائد .

وأما الآية الأولى فلم تقع مسببة ، بل ناسبت ما قبلها ، فعطفت عليه بالواو ، وإذا كانت فإذا متصلة بقوله : { وإذا ذكر الله وحده } ، كما قلنا ، فما بينهما من الآي اعتراض يؤكد به ما بين المتصلين .

فدعاء الرسول ربه بأمر منه وقوله : { أنت تحكم } ، وتعقيبه الوعيد ، تأكيد لاشمئزازهم واستبشارهم ورجوعهم إلى الله في الشدائد دون آلهتهم .

وقوله : { ولو أن للذين ظلموا } يتناول لهم ، أو لكل ظالم ، إن جعل مطلقاً أو إياهم خاصة إن عنوا به .

انتهى ، وهو ملتقط أكثره من كلام الزمخشري ، وهو متكلف في ربط هذه الآية بقوله : { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت } مع بعد ما بينهما من الفواصل .

وإذا كان أبو علي الفارسي لا يجيز الاعتراض بجملتين ، فكيف يجيزه بهذه الجمل الكثيرة ؟ والذي يظهر في الربط أنه لما قال : { ولو أن للذين ظلموا } الآية ، كان ذلك إشعاراً بما ينال الظالمين من شدة العذاب ، وأنه يظهر لهم يوم القيامة من العذاب ما لم يكن في حسابهم ، أتبع ذلك بما يدل على ظلمه وبغيه ، إذ كان إذا مسه دعا ربه ، فإذا أحسن إليه ، لم ينسب ذلك إليه .

ثم إنه بعد وصف تلك النعمة أنها ابتلاء وفتنة ، كما بدا له في الآخرة من عمله الذي كان يظنه صالحاً ما لم يكن في حسابه من سوء العذاب المترتب على ذلك العمل ، ترتب الفتنة على تلك النعمة .

{ ولكن أكثرهم لا يعلمون } : أي إن ذلك استدراج وامتحان