مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا} (77)

قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا } .

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين ؟ فيه قولان : الأول : أن الآية نزلت في المؤمنين ، قال الكلبي : نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص ، كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى المدينة ، ويلقون من المشركين أذى شديدا فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفوا أيديكم فإني لم أومر بقتالهم ، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم ، فأنزل الله هذه الآية . واحتج الذاهبون إلى هذا القول بان الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم : كفوا عن القتال هم الراغبون في القتال ، والراغبون في القتال هم المؤمنون ، فدل هذا على أن الآية نازلة في حق المؤمنين . ويمكن الجواب عنه بأن المنافقين كانوا يظهرون من أنفسهم أنا مؤمنون وأنا نريد قتال الكفار ومحاربتهم ، فلما أمر الله بقتالهم الكفار أحجم المنافقون عنه وظهر منهم خلاف ما كانوا يقولونه .

القول الثاني : أن الآية نازلة في حق المنافقين ، واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين . فالأول : أنه تعالى قال في وصفهم : { يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية } ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق ، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى . والثاني : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : ربنا لم كتبت علينا القتال ، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين . الثالث : أنه تعالى قال للرسول : { قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى } وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة ، وذلك من صفات المنافقين .

وأجاب القائلون بالقول الأول عن هذه الوجوه بحرف واحد ، وهو أن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع ، فالخشية المذكورة في هذه الآية محمولة على هذا المعنى ، وقولهم : { لم كتبت علينا القتال } محمول على التمني لتخفيف التكليف لا على وجه الإنكار لا يجاب الله تعالى ، وقوله تعالى : { قل متاع الدنيا قليل } مذكور لا لأن القوم كانوا منكرين لذلك ، بل لأجل إسماع الله لهم هذا الكلام مما يهون على القلب أمر هذه الحياة ، فحينئذ يزول من قلبهم نفرة القتال وحب الحياة ويقدمون على الجهاد بقلب قوي ، فهذا ما في تقرير هذين القوين والله أعلم ، والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله :

{ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } ولا شك أن هذا من كلام المنافقين ، فإذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التي نحن في تفسيرها ثم المعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا .

المسألة الثانية : دلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على إيجاب الجهاد ، وهذا هو الترتيب المطابق لما في العقول ، لأن الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله ، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله ، ولا شك أنهما مقدمان على الجهاد .

المسألة الثالثة : قوله : { كخشية الله } مصدر مضاف إلى المفعول .

المسألة الرابعة : ظاهر قوله : { أو أشد خشية } يوهم الشك ، وذلك على علام الغيوب محال . وفيه وجوه من التأويل : الأول : المراد منه الإبهام على المخاطب ، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة ، وذلك لأن كل خوفين فأحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد فبين تعالى بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص من خوفهم من الله ، بل بقي إما أن يكون مساويا أو أزيد ، فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه ، بل يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على المخاطب . الثاني : أن يكون «أو » بمعنى الواو ، والتقدير : يخشونهم كخشية الله وأشد خشية ، وليس بين هذين القسمين منافاة ، لأن من هو أشد خشية فمعه من الخشية مثل خشيته من الله وزيادة . الثالث : أن هذا نظير قوله : { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } يعني أن من يبصرهم يقول هذا الكلام ، فكذا ههنا والله أعلم .

ثم قال تعالى : { وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال } .

واعلم أن هؤلاء القائلين إن كانوا مؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا على الله ، لكن جزعا من الموت وحبا للحياة ، وإن كانوا منافقين فمعلوم أنهم كانوا منكرين لكون الرب تعالى كاتبا للقتال عليهم ، فقالوا ذلك على معنى أنه تعالى كتب القتال عليهم في زعم الرسول عليه الصلاة والسلام وفي دعواه ، ثم قالوا : { لولا أخرتنا إلى أجل قريب } وهذا كالعلة لكراهتهم لإيجاب القتال عليهم ، أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا ، ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم فقال : { قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى } وإنما قلنا : إن الآخرة خير لوجود : الأول : ان نعم الدنيا قليلة ، ونعم الآخرة كثيرة . والثاني : ان نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة . والثالث : أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره ، ونعم الآخرة صافية عن الكدورات . والرابع : أن نعم الدنيا مشكوكة فإن أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني ، ونعم الآخرة يقينية ، وكل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا ، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين ، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله : { لمن اتقى } وهذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام : «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » .

ثم قال تعالى : { ولا تظلمون فتيلا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : ( يظلمون ) بالياء على أنه راجع إلى المذكورين في قوله : { ألم ترى إلى الذين قيل } والباقون بالتاء على سبيل الخطاب ، ويؤيد التاء قوله : { قل متاع الدنيا قليل } فإن قوله : { قل } يفيد الخطاب .

المسألة الثانية : قالت المعتزلة : الآية تدل على أنهم يستحقون على طاعتهم الثواب ، وإلا لما تحقق نفي الظلم ، وتدل على أنه تعالى يصح منه الظلم وإن كنا نقطع بأنه لا يفعل ، وإلا لما صح التمدح به .

المسألة الثالثة : قوله : { ولا تظلمون فتيلا } أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة وهو ما تفتله بيدك ثم تلقيه احتقارا . وقد مضى الكلام فيه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا} (77)

/ { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } نزلت كما قال الكلبي في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون الجمحي وسعد بن أبي وقاص كان يلقون من المشركين أذى شديداً وهم بمكة قبل الهجرة فيشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : ائذن لنا يا رسول الله في قتال هؤلاء فإنهم قد آذونا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : كفوا أيديكم وامسكوا عن القتال فإني لم أومر بذلك ، وفي رواية : إني أمرت بالعفو . { وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءاتُواْ الزكواة } واشتغلوا بما أمرتم به ، ولعل أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تنبيهاً على أن الجهاد مع النفس مقدم وما لم يتمكن المسلم في الانقياد لأمر الله تعالى بالجود بالمال لا يكاد يتأتى منه الجود بالنفس ، والجود بالنفس أقصى غاية الجود ، وبناء القول للمفعول مع أن القائل هو النبي صلى الله عليه وسلم لأن المقصود والمعتبر في التعجيب المشار إليه في صدر الكلام إنما هو كمال رغبتهم في القتال وكونهم بحيث احتاجوا إلى النهي عنه ، وإنما ذكر في حيز الصلة الأمر بكف الأيدي لتحقيقه وتصويره بطريق الكناية فلا يتعلق ببيان خصوصية الآمر غرض ، وقيل : للإيذان بكون ذلك بأمر الله تعالى :

{ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال } وأمروا به بعد أن هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة { إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس } أي الكفار أن يقتلوهم ، وذلك لما ركز في طباع البشر من خوف الهلاك { كَخَشْيَةِ الله } أي كما يخشون الله تعالى أن ينزل عليهم بأسه ، والفاء عاطفة وما بعدها عطف على { قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } باعتبار معناه الكنائي إذ حينئذ يتحقق التباين بين مدلولي المعطوفين ، وعليه يدور أمر التعجيب كأنه قيل : ألم تر إلى الذين كانوا حراصاً على القتال فلما كتب عليهم كرهه بمقتضى البشرية جماعة منهم ، وتوجيه التعجيب إلى الكل مع أن تلك الكراهة إنما كانت من البعض للإيذان بأنه ما كان ينبغي أن يصدر من أحدهم ما ينافي حالته الأولى ، و { إِذَا } للمفاجأة وهي ظرف مكان ، وقيل : زمان وليس بشيء ، وفيها تأكيد لأمر التعجيب ، و { فَرِيقٌ } مبتدأ ، و { مِنْهُمْ } صفته ، و { يَخْشَوْنَ } خبره ، وجوز أن يكون صفة أيضاً أو حالاً ، والخبر { إِذَا } و { كَخَشْيَةِ الله } في موضع المصدر أي خشية كخشية الله ، وجوز أن يكون حالاً من فاعل { يَخْشَوْنَ } ويقدر مضاف أي حال كونهم مثل أهل خشية الله تعالى أي مشبهين بأهل خشيته سبحانه ، وقيل وفيه بعد إنه حال من ضمير مصدر محذوف أي يخشونها الناس كخشية الله { أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } عطف عليه إن جعلته حالاً أي أنهم : أشد خشية من أهل خشية الله ، بمعنى أن خشيتهم أشد من خشيتهم ، ولا يعطف عليه على تقدير المصدرية على ما قيل بناءاً على أن { خَشْيَةَ } منصوب على التمييز وعلى أن التمييز متعلق الفاعلية ، وأن المجرور بمن التفضيلية يكون مقابلاً للموصوف بأفعل التفضيل فيصير المعنى إن خشيتهم أشدّ من خشية غيرهم ، ويؤل إلى أن خشية خشيتهم أشدّ ، وهو غير مستقيم اللهم إلا على طريقة جدّ جده على ما ذهب إليه أبو علي وابن جني ويكون كقولك : زيد جدّ جدّاً بنصب جدّاً على التمييز لكنه بعيد ، بل يعطف على الاسم الجليل فهو مجرور بالفتحة لمنع صرفه ، والمعنى يخشون الناس خشية كخشية الله ، أو خشية كخشية أشدّ خشية منه تعالى ولكن على سبيل الفرض إذ لا أشدّ خشية عند المؤمنين من الله تعالى ، ويؤل هذا إلى تفضيل خشيتهم على سائر الخشيات إذا فصلت واحدة ، وذكر ابن الحاجب أنه يجوز أن يكون هذا العطف من عطف الجمل أي يخشون الناس كخشية الناس ، أو يخشون أشدّ خشية على أن الأول : مصدر والثاني : حال ، وقيل عليه : إن حذف المضاف أهون من حذف الجملة وأوفى بمقتضى المقابلة وحسن المطابقة ؛ وجوز أن يكون { خَشْيَةَ } منصوباً على المصدرية و { أَشَدَّ } صفة له قدمت عليه ، فانتصب على الحالية ، وذكر بعضهم أن التمييز بعد اسم التفضيل قد يكون نفس ما انتصب عنه نحو :

{ فالله خَيْرٌ حافظاً } [ يوسف : 64 ] فإن الحافظ هو الله تعالى كما لو قلت : الله خير حافظ بالجر ، وحينئذ لا مانع من أن تكون الخشية نفس الموصوف ولا يلزم أن يكون للخشية خشية بمنزلة أن يقال : أشد خشية بالجر ، والقول بأن جواز هذا فيما إذا كان التمييز نفس الموصوف بحسب المفهوم واللفظ محل نظر محل نظر ، إذ اتحاد اللفظ مع حذف الأول ليس فيه كبير محذور . وهذا إيراد قوي على ما قيل ، وقد نقل ابن المنير عن «الكتاب » ما يعضده فتأمل ، و { لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ } قيل : للتنويع ، وقيل : للإبهام على السامع ، وقيل : للتخيير ، وقيل : بمعنى الواو ، وقيل : بمعنى بل

{ وَقَالُواْ } عطف على جواب لما أي : فلما كتب عليهم القتال فاجأ بعضهم بألسنتهم أو بقلوبهم ، وحكاه الله تعالى عنهم على سبيل تمني التخفيف لا الاعتراض على حكمه تعالى ، والإنكار لإيجابه ولذا لم يوبخوا عليه { رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال } في هذا الوقت . { لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } وهو الأجل المقدر ؛ ووصف بالقريب للاستعطاف أي أنه قليل لا يمنع من مثله ، والجملة كالبيان لما قبلها ولذا لم تعطف عليه ، وقيل : إنما لم تعطف عليه للإيذان بأنهما مقولان مستقلان لهم ، فتارة قالوا الجملة الأولى ، وتارة الجملة الثانية ، ولو عطفت لتبادر أنهم قالوا مجموع الكلامين بعطف الثانية على الأولى { قُلْ } أي تزهيداً لهم فيما يؤملونه بالقعود عن القتال والتأخير إلى الأجل المقدر من المتاع الفاني وترغيباً فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي { متاع الدنيا } أي جميع ما يستمتع به وينتفع في الدنيا { قَلِيلٌ } في نفسه سريع الزوال وهو أقل قليل بالنسبة إلى ما في الآخرة { والاخرة } أي ثوابها المنوط بالأعمال التي من جملتها القتال { خَيْرٌ } لكم من ذلك المتاع القليل لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات ، وفي اختلاف الأسلوب ما لا يخفى ، وإنما قال سبحانه : { لِمَنِ اتقى } حثاً لهم وترغيباً على الاتقاء والإخلال بموجب التكليف .

وقيل : المراد أن نفس الآخرة خير ولكن للمتقين ، لأن للكافر والعاصي هنالك نيراناً وأهوالاً ، ولذا قيل : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، ولا يخفى أن الأول أنسب بالسياق { وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } عطف على مقدر أي تجزون فيها ولا تبخسون هذا المقدار اليسير فضلاً عما زاد من ثواب أعمالكم فلا ترغبوا عن القتال الذي هو من غرورها ، وقرأ ابن كثير وكثير { وَلاَ يُظْلَمُونَ } بالياء إعادة للضمير إلى ظاهر من .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ } أي قال لهم المرصدون { كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } عن خاربة الأنفس الآن قبل أداء رسوم العبادات { وَإِذْ أَخَذْنَا } والمراد بها إتعاب البدن بأداء العبادة البدنية { وَإِذْ أَخَذْنَا } والمراد بها إتعاب القلب بأداء العبادة المالية فإذا تم لكم ذلك فتوجهوا إلى محاربة النفس فإن محاربتها قبل ذلك بغير سلاح ، فإن هذه العبادات الرسمية سلاح السالكين فلا يتم لأحد تهذيب الباطن قبل إصلاح الظاهر { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال } حين أداء ما أمروا بأدائه { إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ } لضعف استعدادهم { يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } فلا يستطيعون هجرهم ، ولا ارتكاب ما فيه ذل نفوسهم خشية اعتراضهم عليهم ، أو إعراضهم عنهم ، { وَقَالُواْ } بلسان الحال : { رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال } الآن { لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } وهو الموت الاضطراري ، فالمنية ولا الدنية ، وهذا حال كثير من الناسكين يرغبون عن السلوك وتحمل مشاقه مما فيه إذلال نفوسهم وامتهانها خوفاً من الملامة ، واعتراض الناس عليهم فيبقون في حجاب أعمالهم ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولبئس ما كانوا يصنعون { قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ } فلا ينبغي أن يلاحظوا الناس في تركه وعدم الالتفات إليه { والاخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى } فينبغي أن يتحملوا الملامة في تحصيلها { وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } [ النساء : 77 ] مما كتب لكم فينبغي عدم خشية سوى الله تعالى