قوله تعالى : { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون * قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل * ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير } .
اعلم أنه تعالى لما عاد إلى شرح أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله وهم الذين ذكرهم الله في قوله { ما يجادل في ءايات الله إلا الذين كفروا } بين أنهم في القيامة يتعرفون بذنوبهم واستحقاقهم العذاب الذي ينزل بهم ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط منهم فقال : { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في الآية حذف وفيها أيضا تقديم وتأخير ، أما الحذف فتقديره لمقت الله إياكم ، وأما التقديم والتأخير فهو أن التقدير أن يقال لمقت الله لكم حال ما تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم وفي تفسير مقتهم أنفسهم وجوه : ( الأول ) أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا ( الثاني ) أن الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين دعوهم إلى الكفر في الدنيا ، والرؤساء أيضا يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضا بأنهم مقتوا أنفسهم ، كما أنه تعالى قال : { فاقتلوا أنفسكم } والمراد قتل بعضهم بعضا ، ( الثالث ) قال محمد بن كعب إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله { وما كان لي عليكم من سلطان } - إلى قوله - { ولوموا أنفسكم } ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم ، واعلم أنه لا نزاع أن مقتهم أنفسهم إنما يحصل في يوم القيامة ، أما مقت الله لهم ففيه وجهان : ( الأول ) أنه حاصل في الآخرة ، والمعنى لمقت الله لكم في هذا الوقت أشد من مقتكم أنفسكم في هذا الوقت ( والثاني ) وعليه الأكثرون أن التقدير لمقت الله لكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ، أكبر من مقتكم أنفسكم الآن ففي تفسير الألفاظ المذكورة في الآية أوجه ( الأول ) أن الذين ينادونهم ويذكرون لهم هذا الكلام هم خزنة جهنم ( الثاني ) المقت أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال ، فالمراد منه أبلغ الإنكار والزجر ( الثالث ) قال الفراء { ينادون لمقت الله } معناه إنهم ينادون إن مقت الله أكبر يقال ناديت إن زيدا قائم وإن زيدا لقائم ( الرابع ) قوله { إذ تدعون إلى الإيمان } فيه حذف والتقدير لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتأتون بالكفر أكبر من مقتكم الآن أنفسكم .
وقوله تعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } شروع في بيان أحوال الكفال بعد دخول النار .
{ يُنَادَوْنَ } وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم الأمارة بالسوء التي وقعوا فيما وقعوا باتباع هواها حتى أكلوا أناملهم من المقت كما أخرج ذلك عبد بن حميد عن الحسن .
وفي بعض الآثار أنهم يمقتون أنفسهم حين يقول لهم الشيطان : { فلا َتلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } [ إبراهيم : 22 ] وقيل : يمقتونها حين يعلمون أنهم من أصحاب النار ، والمنادي الخزنة أو المؤمنون يقولون لهم إعظاماً لحسرتهم : { لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } وهذا معمول للنداء لتضمنه معنى القول كأنه قيل ينادون مقولاً لهم لمقت الخ أو معمول لقول مقدر بفاء التفسير أي ينادون فيقال لهم : لمقت الخ ، وجعله معمولاً للنداء على حذف الجار وإيصال الفعل بالجملة ليس بشيء ، و { مقت } مصدر مضاف إلى الاسم الجليل إضافة المصدر لفاعله ، وكذا إضافة المقت الثاني إلى ضمير الخطاب .
وفي الكلام تنازع أو حذف معمول الأول من غير تنازل أي لمقت الله إياكم أو أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم ، واللام للابتداء أو للقسم ، والمقت أشد البغض ؛ والخلف يؤولونه مسنداً إليه تعالى بأشد الإنكار .
{ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ } أي إذ يدعوكم الأنبياء ونوابهم { إِلَى الإيمان } فتأبون قبوله { فَتَكْفُرُونَ } وهذا تعليل للحكم أو للمحكوم به فإذ متعلقة بأكبر وكان التعبير بالمضارع للإشارة إلى الاستمرار التجددي كأنه قيل : لمقت الله تعالى أنفسكم أكبر من مقتكم إياها لأنكم دعيتم مرة بعد مرة إلى الإيمان فتكرر منكم الكفر ، وزمان المقتين واحد على ما هو المتبادر وهو زمان مقتهم أنفسهم الذي حكيناه آنفاً » .
ويجوز أن يكون تعليلاً لمقتهم أنفسهم وإذ متعلق بمقت الثاني فهم مقتوا أنفسهم لأنهم دعوا مراراً إلى الإيمان فكفروا ، والتعبير بالمضارع كما في الوجه السابق ، وزمان المقتين كذلك ، والعلة في الحقيقة إصرارهم على الكفر مع تكرر دعائهم إلى الإيمان ، وجوز أن يكون تعليلاً لمقت الله و { إِذْ } متعلقة به ، ويعلم مما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما عليه وما له ، وظاهر صنيع جماعة من الأجلة اختيار كون { إِذْ } ظرفية لا تعليلية فقيل : هي ظرف لمقت الأول ، والمعنى لمقت الله تعالى أنفسكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أشد من مقتكم إياها اليوم وأنتم في النار أو وأنتم متحققون إنكم من أصحابها فزمان المقتين مختلف ، وكون زمان الأول الدنيا وزمان الثاني الآخرة مروي عن الحسن ، وأخرجه عبد بن حميد . وابن المنذر عن مجاهد ، واعترض عليه غير واحد بلزوم الفصل بين المصدر وما في صلته بأجنبي هو الخبر ، وفي أمالي ابن الحاجب لا بأس بذلك لأن الظروف متسع فيها ، وقيل : هي لمصدر آخر يدل عليه الأول أو لفعل يدل عليه ذلك كما في البحر .
وفي «الكشف » فيه أن المقدر لا بد له من جزاآت أن استقل ويتسع الخرق وإن جعل بدلاً فحذفه وأعمال المصدر المحذوف لا يتقاعد عن الفصل بالخبر وليس أجنبياً من كل وجه ؛ وتقدير الفعل أي مقتكم الله إذ تدعون أبعد وأبعد ، وقيل : هي ظرف لمقت الثاني . واعترض بأنهم لم يمقتوا أنفسهم وقت الدعوة بل في القيامة .
وأجيب بأن الكلام على هذا الوجه من قبيل قول الأمير كرم الله تعالى وجهه : إنما أكلت يوم أكل الثور الأحمر وقو لعمرو بن عدس التميمي لمطلقته دختنوس بنت لقيط وقد سألته لبناً وكانت مقفرة من الزاد : الصيف ضيعت اللبن وذلك بأن يكون مجازاً بتنزيل وقوع السبب وهو كفرهم وقت الدعوة منزلة وقوع المسبب وهو مقتهم لأنفسهم حين معاينتهم ما حل بهم بسببه ، وقيل : إن المراد عليه إذ تبين أنكم دعيتم إلى الإيمان المنجي والحق الحقيق بالقبول فأبيتم أو أن المراد بأنفسهم جنسهم من المؤمنين فإنهم كانوا يمقتون المؤمنين في الدنيا إذ يدعون إلى الإيمان وهو أبعد التأويلات ؛ وقال لمكي : { إِذْ } معمولة لا ذكروا مضمراً والمراد التحير والتنديم واستحسنه بعضهم وأراه خلاف المتبادر . وادعى «صاحب الكشف » أن فيه تنافراً بيناً وعلله بما لم يظهر لي وجهه فتأمل .
وتفسير { مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } بمقت كل واحد نفسه هو الظاهر ، وجوز أن يراد به مقت بعضهم بعضاً فقيل : إن الاتباع يمقتون الرؤساء لما ورطوهم فيه من الكفر والرؤساء يمقتون الاتباع لما أنهم اتبعوهم فحملوا أوزاراً مثل أوزارهم فلا تغفل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.