مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (16)

واعلم أن أشرف الأحوال الظاهرة في روحانيات هذا العالم ظهور آثار الوحي ، والوحي إنما يتم بأركان أربعة : ( فأولها ) المرسل وهو الله سبحانه وتعالى ، فلهذا أضاف إلقاء الوحي إلى نفسه فقال : { يلقي الروح } ( والركن الثاني ) الإرسال والوحي وهو الذي سماه بالروح ( والركن الثالث ) أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا يمكن أن يكون إلا بواسطة الملائكة ، وهو المشار إليه في هذه الآية بقوله { من أمره } فالركن الروحاني يسمى أمرا ، قال تعالى : { وأوحى في كل سماء أمرها } وقال : { ألا له الخلق والأمر } ( والركن الرابع ) الأنبياء الذين يلقي الله الوحي إليهم وهو المشار إليه بقوله { على من يشاء من عباده } ( والركن الخامس ) تعيين الغرض والمقصود الأصلي من إلقاء هذا الوحي إليهم ، وذلك هو أن الأنبياء عليهم السلام يصرفون الخلق من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة ، ويحملونهم على الإعراض عن هذه الجسمانيات والإقبال على الروحانيات ، وإليه الإشارة بقوله { لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون } فهذا ترتيب عجيب يدل على هذه الإشارات العالية من علوم المكاشفات الإلهية .

وبقي هاهنا أن نبين أنه ما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق ؟ وكم الصفات التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ليوم التلاق ؟

أما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق ففيه وجوه :

( الأول ) أن الأرواح كانت متباينة عن الأجساد فإذا جاء يوم القيامة صارت الأرواح ملاقية للأجساد فكان ذلك اليوم يوم التلاق ( الثاني ) أن الخلائق يتلاقون فيه فيقف بعضهم على حال البعض ( الثالث ) أن أهل السماء ينزلون على أهل الأرض فيلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض قال تعالى : { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا } ( الرابع ) أن كل أحد يصل إلى جزاء عمله في ذلك اليوم فكان ذلك من باب التلاق وهو مأخوذ من قولهم فلان لقي عمله ( الخامس ) يمكن أن يكون ذلك مأخوذا من قوله { فمن كان يرجو لقاء ربه } ومن قوله { تحيتهم يوم يلقونه سلام } ( السادس ) يوم يلتقي فيه العابدون والمعبودون ( السابع ) يوم يلتقي فيه آدم عليه السلام وآخر ولده ( الثامن ) قال ميمون بن مهران يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم فربما ظلم الرجل رجلا وانفصل عنه ولو أراد أن يجده لم يقدر عليه ولم يعرفه ففي يوم القيامة يحضران ويلقى بعضهم بعضا ، قرأ ابن كثير عنه التلاقي والتنادي بإثبات الياء في الوصل والوقف ، وهادي وواقي بالياء في الوقف وبالتنوين في الوصل .

وأما بين أن الله تعالى كم عدد من الصفات ووصف بها يوم القيامة في هذه الآية ، فنقول :

الصفة الأولى : كونه يوم التلاق وقد ذكرنا تفسيره .

الصفة الثانية : قوله { يوم هم بارزون } وفي تفسير هذا البروز وجوه : ( الأول ) أنهم برزوا عن بواطن القبور ( الثاني ) بارزون أي ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء ، لأن الأرض بارزة قاع صفصف ، وليس عليهم أيضا ثياب إنما هم عراة مكشوفون كما جاء في الحديث : «يحشرون عراة حفاة غرلا » ( الثالث ) أن يجعل كونهم بارزين كناية عن ظهور أعمالهم وانكشاف أسرارهم كما قال تعالى : { يوم تبلى السرائر } ( الرابع ) أن هذه النفوس الناطقة البشرية كأنها في الدنيا انغمست في ظلمات أعمال الأبدان فإذا جاء يوم القيامة أعرضت عن الاشتغال بتدبير الجسمانيات وتوجهت بالكلية إلى عالم القيامة ومجمع الروحانيات ، فكأنها برزت بعد أن كانت كامنة في الجسمانيات مستترة بها .

الصفة الثالثة : قوله { لا يخفى على الله منهم شيء } والمراد يوم لا يخفى على الله منهم شيء ، والمقصود منه الوعيد فإنه تعالى بين أنهم إذا برزوا من قبورهم واجتمعوا وتلاقوا فإن الله تعالى يعلم ما فعله كل واحد منهم فيجازي كلا بحسبه إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، فهم وإن لم يعلموا تفصيل ما فعلوه ، فالله تعالى عالم بذلك ونظيره قوله { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } وقال : { يوم تبلى السرائر } وقال : { إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور } وقال : { يومئذ تحدث أخبارها } فإن قيل الله تعالى لا يخفى عليه منهم شيء في جميع الأيام ، فما معنى تقييد هذا المعنى بذلك اليوم ؟ قلنا إنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم ، فهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمونه في الدنيا ، قال تعالى : { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } وقال : { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله } وهو معنى قوله : { وبرزوا لله الواحد القهار } .

الصفة الرابعة : قوله تعالى : { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } والتقدير يوم ينادي فيه لمن الملك اليوم ؟ وهذا النداء في أي الأوقات يحصل فيه قولان :

الأول : قال المفسرون إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض فيقول الرب تعالى : { لمن الملك اليوم } ؟ يعني يوم القيامة فلا يجيبه أحد فهو تعالى يجيب نفسه فيقول { لله الواحد القهار } قال أهل الأصول هذا القول ضعيف وبيانه من وجوه : ( الأول ) أنه تعالى بين أن هذا النداء إنما يحصل يوم التلاق ويوم البروز ويوم تجزى كل نفس بما كسبت ، والناس في ذلك الوقت أحياء ، فبطل قولهم إن الله تعالى إنما ينادي بهذا النداء حين هلك كل من في السموات والأرض ( والثاني ) أن الكلام لا بد فيه من فائدة لأن الكلام إما أن يذكر حال حضور الغير ، أو حال ما لا يحضر الغير ، والأول : باطل هاهنا لأن القوم قالوا إنه تعالى إنما يذكر هذا الكلام عند فناء الكل ، والثاني : أيضا باطل لأن الرجل إنما يحسن تكلمه حال كونه وحده إما لأنه يحفظ به شيئا كالذي يكرر على الدرس وذلك على الله محال ، أو لأجل أنه يحصل سرور بما يقوله وذلك أيضا على الله محال ، أو لأجل أن يعبد الله بذلك الذكر وذلك أيضا على الله محال ، فثبت أن قول من يقول إن الله تعالى يذكر هذا النداء حال هلاك جميع المخلوقات باطل لا أصل له .

والقول الثاني : أن في يوم التلاق إذا حضر الأولون والآخرون وبرزوا لله نادى مناد { لمن الملك اليوم } فيقول كل الحاضرين في محفل القيامة { لله الواحد القهار } فالمؤمنون يقولون تلذذا بهذا الكلام ، حيث نالوا بهذا الذكر المنزلة الرفيعة ، والكفار يقولونه على الصغار والذلة على وجه التحسر والندامة على أن فاتهم هذا الذكر في الدنيا ، وقال القائلون بهذا القول إن صح القول الأول عن ابن عباس وغيره لم يمتنع أن يكون المراد أن هذا النداء يذكر بعد فناء البشر إلا أنه حضر هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء ، وأقول أيضا على هذا القول لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى ، ولا يبعد أيضا أن يكون السائل جمعا من الملائكة والمجيب جمعا آخرين ، الكل ممكن وليس على التعيين دليل ، فإن قيل وما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذا النداء ؟

فنقول الناس كانوا مغرورين في الدنيا بالأسباب الظاهرة ، وكان الشيخ الإمام الوالد عمر رضي الله عنه يقول : لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب ، وفي يوم القيامة زالت الأسباب ، وانعزلت الأرباب ، ولم يبق البتة غير حكم مسبب الأسباب ، فلهذا اختص النداء بيوم القيامة ، واعلم أنه وإن كان ظاهر اللفظ يدل على اختصاص ذلك النداء بذلك اليوم إلا أن قوله { لله الواحد القهار } يفيد أن هذا النداء حاصل من جهة المعنى أبدا ، وذلك لأن قولنا : الله اسم لواجب الوجود لذاته ، وواجب الوجود لذاته واحد وكل ما سواه ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، ومعنى الإيجاد هو ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ، وذلك الترجيح هو قهر للجانب المرجوح فثبت أن الإله القهار واحد أبدا ، ونداء لمن الملك اليوم إنما ظهر من كونه واحدا قهارا ، فإذا كان كونه قهارا باقيا من الأزل إلى الأبد لا جرم كان نداء { لمن الملك اليوم } باقيا في جانب المعنى من الأزل إلى الأبد .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (16)

{ يَوْمَ هُم بارزون } بدل من { يَوْمَ التلاق } [ غافر : 15 ] و { هُمْ } مبتدأ و { بارزون } خبر والجملة في محل جر بإضافة { يَوْمٍ } إليها ، وقيل : وهذا تخريج على مذهب أبي الحسن من جواز إضافة الظرف المستقبل كاذا إلى الجملة الاسمية نحو اجيئك إذا زيد ذاهب ، وسيبويه لا يجوز ذلك ويوجب تقدير فعل بعد الظرف يكون الاسم مرتفعاً به ، وجوز أن يكون { يَوْمٍ } ظرفاً لقوله تعالى : { لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْء } والظاهر البدلية ، وهذه الجملة استئناف لبيان بروزهم وتقرير له وإزاحة لما كان يتوهمه بعض المتوهمين في الدنيا من الاستتار توهماً باطلاً ، وجوز أن تكون خبراً ثانياً لهم .

وقيل : هي حال من ضمير { بارزون } و { يَوْمَ التلاق } يوم القيامة سمي بذلك قال ابن عباس : لالتلقاء الخلائق فيه ، وقال مقاتل : للالتقاء الخالق والمخلوق فيه . وحكاه الطبرسي عن ابن عباس ، وقال السدي : لالتقاء أهل السماء وأهل الأرض ؛ وقال ميمون بن مهران : لالتقاء الظالم والمظلوم ، وحكى الثعلبي أن ذلك لالتقاء كل امرء وعمله ، واختار بعض الأجلة ما قال مقاتل وقال : هو أولى الوجوه لما فيه من حل المطلق على ما ورد في كثير من المواضع نحو { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء لَهُ } [ الكهف : 110 ] { إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } [ يونس : 7 ] { وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } [ الفرقان : 21 ] ) .

وقال «صاحب الكشف » : القول الأول وهو ما نقل عن ابن عباس أولا أشبه لجريان الكلام فيه على الحقيقة ونفي ما يتوهم من المساواة بين الخالق والمخلوق واستقلال كل من البدلين بفائدة التهويل لما في الأول من تصوير تلاقي الخلائق على اختلاف أنواعها ، وفي الثاني من البروز لمالك أمرها بروزاً لا يبقى لأحد فيه شبهة .

وأما نحو قوله تعالى : { لِقَاء رَبّهِ } فمسوق بمعنى آخر ، و { بارزون } من برز وأصله حصل في براز أي فضاء ، والمراد ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء لأن الأرض يومئذٍ قاع صفصف وليس عليهم ثياب إنما هم عراة مكشوفون كما جاء في «الصحيحين » عن ابن عباس " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلاً " وقيل : المراد خارجون من قبورهم أو ظاهرة أعمالهم وسرائرهم ، وقيل : ظاهرة نفوسهم لا تحجب بغواشي الأبدان مع تعلقها بها ، ولا يقبل هذا بدون ثبت من المعصوم ، والمراد بقوله تعالى : { مِنْهُمْ } على ما قيل : من أحوالهم وأعمالهم . وقيل : من أعيانهم ، واختير التعميم أي لا يخفى عليه عز شأنه شيء ما من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم الجلية والخفية السابقة واللاحقة .

وقرأ أبي { لِيُنذِرَ يَوْمَ } ببناء ينذر للفاعل ورفع يوم على الفاعلية مجازاً .

وقرأ اليماني فيما ذكر صاحب اللوامح { لّيُنذِرَ } مبنياً للمفعول { يَوْمٍ } بالرفع على النيابة عن الفاعل . وقرأ الحسن . واليماني فيما ذكر ابن خالويه { لّتُنذِرَ } بالتاء الفوقية فقيل : الفاعل فيه ضمير الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ضمير الروح لأنها تؤنث ؛ وقوله تعالى : { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } حكاية لما يسئل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به بتقدير قول معطوف على ما قبله من الجملة المنفية المستأنفة أو مستأنف يقع جواباً عن سؤال نشأ من حكاية بروزهم وظهور أحوالهم كأنه قيل : فما يكون حينئذٍ ؟ فقيل : يقال : { لّمَنِ الملك } الخ

ومن باب الإشارة : { لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْء لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] إذ ليس في الدار غيره ديار