قوله تعالى : { فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم }
اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته ، فالنوع المتقدم كان مأخوذا من دلالة أحوال النبات والحيوان ، والنوع المذكور في هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية ، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر ، ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعا من الأحوال الأرضية ، وتقرير الحجة من وجوه : الأول : أن نقول : الصبح صبحان .
فالصبح الأول : هو الصبح المستطيل كذنب السرحان ، ثم تعقبه ظلمة خالصة ، ثم يطلع بعده الصبح المستطير في جميع الأفق فنقول : أما الصبح الأول : وهو المستطيل الذي يحصل عقيبه ظلمة خالصة فهو من أقوى الدلائل على قدرة الله وحكمته ، وذلك لأنا نقول : إن ذلك النور إما أن يقال : إنه حصل من تأثير قرص الشمس أو ليس الأمر كذلك ، والأول باطل ، وذلك لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فأهل الموضع الذي تكون تلك الدائرة أفقا لهم قد طلعت الشمس من مشرقهم ، وفي ذلك الموضع أيضا نصف كرة الأرض ، وذلك يقتضي أنه حصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتنا ، وذلك الضوء يكون منتشرا مستطيرا في جميع أجزاء الجو ، ويجب أن يكون ذلك الضوء في كل ساعة إلى القوة والزيادة والكمال ، والصبح الأول لو كان أثر قرص الشمس لامتنع كونه خطا مستطيلا ، بل يجب أن يكون مستطيرا في جميع الأفق منتشرا فيه بالكلية ، وأن يكون متزايدا متكاملا بحسب كل حين ولحظة ، ولما لم يكن الأمر كذلك بل علمنا أن الصبح الأول يبدو كالخيط الأبيض الصاعد حتى تشبهه العرب بذنب السرحان ، ثم إنه يحصل عقيبه ظلمة خالصة ، ثم يحصل الصبح المستطير بعد ذلك علمنا أن ذلك الصبح المستطيل ليس من تأثير قرص الشمس ، ولا من جنس نوره ، فوجب أن يكون ذلك حاصلا بتخليق الله تعالى ابتداء تنبيها على أن الأنوار ليس لها وجود إلا بتخليقه ، وإن الظلمات لا ثبات لها إلا بتقديره كما قال في أول هذه السورة { وجعل الظلمات والنور } .
والوجه الثاني : في تقرير هذا الدليل أنا لما بحثنا وتأملنا علمنا أن الشمس والقمر وسائر الكواكب لا تقع أضواؤها إلى على الجرم المقابل لها . فأما الذي لا يكون مقابلا لها فيمتنع وقوع أضوائها عليه ، وهذه مقدمة متفق عليها بين الفلاسفة وبين الرياضيين الباحثين عن أحوال الضوء المضيء ، ولهم في تقريرها وجوه نفيسة .
إذا عرفت هذا نقول : الشمس عند طلوع الصبح غير مرتفعة من الأفق فلا يكون جرم الشمس مقابلا لجزء من أجزاء وجه الأرض ، فيمتنع وقوع ضوء الشمس على وجه الأرض ، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ضوء الصبح من تأثير قرص الشمس ، فوجب أن يكون ذلك بتخليق الفاعل المختار .
فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : الشمس حين كونها تحت الأرض توجب إضاءة ذلك الهواء المقابل له ، ثم ذلك الهواء مقابل للهواء الواقف فوق الأرض ، فيصيره ضوء الهواء الواقف تحت الأرض سببا لضوء الهواء الواقف فوق الأرض ، ثم لا يزال يسري ذلك الضوء من هواء إلى هواء آخر ملاصق له حتى يصل إلى الهواء المحيط بنا هذا هو الوجه الذي عول عليه أبو علي بن الهيثم في تقرير هذا المعنى في كتابه الذي سماه «بالمناظر الكثة » .
والجواب : أن هذا العذر باطل من وجهين : الأول : أن الهواء جرم شفاف عديم اللون ، وما كان كذلك فإنه لا يقبل النور ، واللون في ذاته وجوهره ، وهذا متفق عليه بين الفلاسفة . واحتجوا عليه بأنه لو استقر النور على سطحه لوقف البصر على سطحه . ولو كان كذلك لما نفذ البصر فيما وراءه ، ولصار إبصاره مانعا عن إبصار ما وراءه ، فحيث لم يكن كذلك علمنا أنه لم يقبل اللون والنور في ذاته وجوهره ، وما كان كذلك امتنع أن ينعكس النور منه إلى غيره ، فامتنع أن يصير ضوءه سببا لضوء هواء آخر مقابل له .
فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : إنه حصل في الأفق أجزاء كثيفة من الأبخرة والأدخنة ؟ وهي لكثافتها تقبل النور عن قرص الشمس . ثم إن بحصول الضوء فيها يصير سببا لحصول الضوء في الهواء المقابل لها ، فنقول : لو كان السبب ما ذكرتم لكان كلما كانت الأبخرة والأدخنة في الأفق أكثر ، وجب أن يكون ضوء الصباح أقوى لكنه ليس الأمر كذلك ، بل على العكس منه فبطل هذا العذر .
الوجه الثاني : في إبطال هذا الكلام الذي ذكره ابن الهيثم أن الدائرة التي هي دائرة الأفق لنا ، فهي بعينها دائرة نصف النهار لقوم آخرين ، فإذا كان كذلك ، فالدائرة التي هي نصف النهار في بلدنا ، وجب كونها دائرة الأفق لأولئك الأقوام .
إذا ثبت هذا فنقول : إذا وصل مركز الشمس إلى دائرة نصف الليل وتجاوز عنها ، فالشمس قد طلعت على أولئك الأقوام ، واستنار نصف العام هناك ، والربع من الفلك الذي هو ربع شرقي لأهل بلدنا فهو بعينه ربع غربي بالنسبة إلى تلك البلدة وإذا كان كذلك فالشمس إذا تجاوز مركزها عن دائرة نصف الليل قد صار جرمها محاذيا لهواء الربع الشرقي لأهل بلدنا . فلو كان الهواء يقبل كيفية النور من الشمس لوجب أن يحصل الضوء والنور في هواء الربع الشرقي من بلدنا بعد نصف الليل . وأن يصير هواء الربع الشرقي في غاية الإضاءة والإنارة بعد نصف الليل ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الهواء لا يقبل كيفية النور في ذاته . وإذا بطل هذا بطل العذر الذي ذكره ابن الهيثم فقد ذكرنا برهانين دقيقين عقليين محضين على أن خالق الضوء والظلمة هو الله تعالى لا قرص الشمس ، والله أعلم .
والوجه الثالث : هب أن النور الحاصل في العالم إنما كان بتأثير الشمس . إلا أنا نقول : الأجسام متماثلة في تمام الماهية ومتى كان الأمر كذلك كان حصول هذه الخاصية لقرص الشمس يجب أن يكون بتخليق الفاعل المختار . أما بيان المقام الأول : فهو أن الأجسام متماثلة في كونها أجساما ومتحيزة . فلو حصل الاختلاف بينها لكان ذلك الاختلاف واقعا في مفهوم مغاير لمفهوم الجسمية ضرورة أن ما به المشاركة مغاير لما به المخالفة فنقول : ذلك الأمر إما أن يكون محلا للجسمية أو حالا فيها أو لا محلا لها ولا حالا فيها . والأول : باطل لأنه يقتضي كون الجسم صفة قائمة بذات أخرى وذلك محال لأن ذلك المحل إن كان متحيزا ومختصا بحيز كان محل الجسم غير الجسم وهو محال ، وإن لم يكن كذلك كان الحاصل في الحيز حالا في محل لا تعلق له بشيء من الأحياز والجهات ، وذلك مدفوع في بديهة العقل . والثاني : أيضا باطل لأن على هذا التقدير : الذوات هي الأجسام وما به قد حصلت المخالفة هو الصفات وكل ما يصح على الشيء صح على مثله فلما كانت الذوات متماثلة في تمام الماهية وجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر وهو المطلوب . والثالث : وهو القول بأن ما به حصلت المخالفة ليس محلا للجسم ولا حالا فيه ، وفساد هذا القسم ظاهر . فثبت بهذا البرهان أن الأجسام متماثلة .
وإذا ثبت هذا فنقول : كل ما يصح على أحد المثلين فإنه يصح أيضا على المثل الثاني . وإذا استوت الأجسام بأسرها في قبول جميع الصفات على البدل كان اختصاص جسم الشمس لهذه الإضاءة وهذه الإنارة لا بد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار . وإذا ثبت هذا كان فالق الإصباح في الحقيقة هو الله تعالى ، وذلك هو المطلوب ، والله أعلم .
الوجه الرابع : في تقرير هذا المطلوب أن الظلمة شبيهة بالعدم . بل البرهان القاطع قد دل على أنه مفهوم عدمي والنور محض الوجود . فإذا أظلم الليل حصل الخوف والفزع في قلب الكل فاستولى النوم عليهم وصاروا كالأموات وسكنت المتحركات وتعطلت التأثيرات ورفعت التفعيلات فإذا وصل نور الصباح إلى هذا العالم فكأنه نفخ في الصور مادة الحياة وقوة الإدراك فضعف النوم وابتدأت اليقظة بالظهور . وكلما كان نور الصباح أقوى وأكمل كان ظهور قوة الحس والحركة في الحيوانات أكمل . ومعلوم أن أعظم نعم الله على الخلق هو قوة الحياة والحس والحركة ولما كان النور هو السبب الأصلي لحصول هذه الأحوال كان تأثير قدرة الله تعالى في تخليق النور من أعظم أقسام النعم وأجل أنواع الفضل والكرم .
إذا عرفت هذا فكونه سبحانه فالقا للإصباح في كونه دليلا على كمال قدرة الله تعالى أجل أقسام الدلائل ، وفي كونه فضلا ورحمة وإحسانا من الله تعالى على الخلق أجل الأقسام وأشرف الأنواع فهذا ما حضرنا في تقرير دلالة قوله تعالى : { فالق الإصباح } على وجود الصانع القادر المختار الحكم . والله أعلم .
ولنختم هذه الدلائل بخاتمة شريفة فنقول : إنه تعالى فالق العدم بصباح التكوين والإيجاد وفالق ظلمة الجمادية بصباح الحياة والعقل والرشاد ، وفالق ظلمة الجهالة بصباح العقل والإدراك ، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صبحة عالم الأفلاك ، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات .
المسألة الثالثة : في تفسير { الإصباح } وجوه : الأول : قال الليث : الصبح والصباح هما أول النهار وهو الإصباح أيضا . قال تعالى : { فالق الإصباح } يعني الصبح . قال الشاعر :
أفنى رياحا وبني رياح *** تناسخ الإمساء والإصباح
والقول الثاني : أن { الإصباح } مصدر سمي به الصبح .
فإن قيل : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح وليس الأمر كذلك فإن الحق أنه تعالى فلق الظلمة بالصبح فكيف الوجه فيه ؟ فنقول فيه وجوه : الأول : أن يكون المراد فالق ظلمة الإصباح ، وذلك لأن الأفق من الجانب الشمالي والغربي والجنوبي مملوء من الظلمة والنور . وإنما ظهر في الجانب الشرقي فكأن الأفق كان بحرا مملوءا من الظلمة . ثم إنه تعالى شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولا من النور فيه ، والحاصل أن المراد فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح ولما كان المراد معلوما حسن الحذف . والثاني : أنه تعالى كما يشق بحر الظلمة عن نور الصبح فكذلك يشق نور الصبح عن بياض النهار فقوله : { فالق الإصباح } أي فالق الإصباح ببياض النهار . والثالث : أن ظهور النور في الصباح أنما كان لأجل أن الله تعالى فلق تلك الظلمة فقوله : { فالق الإصباح } أي مظهر الإصباح إلا أنه لما كان المقتضى لذلك الإظهار هو ذلك الفلق لا جرم ذكر اسم السبب والمراد منه المسبب . الرابع : قال بعضهم : الفالق هو الخالق فكان المعنى خالق الإصباح وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم .
أما قوله تعالى : { وجعل الليل سكنا } فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أنواع من الدلائل الفلكية على التوحيد . فأولها : ظهور الصباح وقد فسرناه بمقدار الفهم . وثانيها : قوله { وجعل الليل سكنا } وفيه مباحث :
المبحث الأول : قال صاحب «الكشاف » : السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه استئناسا به واسترواحا إليه من زوج أو حبيب ، ومنه قيل : للنار سكن لأنه يستأنس بها ألا تراهم سموها المؤنسة . ثم إن الليل يطمئن إليه الإنسان لأنه أتعب نفسه بالنهار واحتاج إلى زمان يستريح فيه وذلك هو الليل .
فإن قيل : أليس أن الخلق يبقون في الجنة في أهنأ عيش ، وألذ زمان مع أنه ليس هناك ليل ؟ فعلمنا أن وجود الليل والنهار ليس من ضروريات اللذة والخير في الحياة قلنا : كلامنا في أن الليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم ، أما في الدار الآخرة فهذه العادات غير باقية فيه فظهر الفرق .
المبحث الثاني : قرأ عاصم والكسائي { وجعل الليل } على صيغة الفعل ، والباقون جاعل على صيغة اسم الفاعل حجة من قرأ باسم الفاعل أن المذكور قبله اسم الفاعل ، وهو قوله : { فالق الحب * فالق الإصباح } وجاعل أيضا اسم الفاعل . ويجب كون المعطوف مشاركا للمعطوف عليه ، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله : { والشمس والقمر } منصوبان ولا بد لهذا النصب من عامل ، وما ذاك إلا أن يقدر قوله : { وجعل } بمعنى وجاعل الشمس والقمر حسبانا وذلك يفيد المطلوب .
وأما قوله تعالى : { والشمس والقمر حسبانا } ففيه مباحث :
المبحث الأول : معناه أنه قدر حركة الشمس والقمر بحساب معين كما ذكره في سورة يونس في قوله : { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب } وقال في سورة الرحمن : { الشمس والقمر بحسبان } وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى قدر حركة الشمس مخصوصة بمقدار من السرعة والبطء بحيث تتم الدورة في سنة ، وقدر حركة القمر بحيث يتم الدورة في شهر ، وبهذه المقادير تنتظم مصالح العالم في الفصول الأربعة ، وبسببها يحصل ما يحتاج إليه من نضج الثمار ، وحصول الغلات ، ولو قدرنا كونها أسرع أو أبطأ مما وقع ، لاختلت هذه المصالح فهذا هو المراد من قوله : { والشمس والقمر حسبانا } .
المبحث الثاني : في الحسبان قولان : الأول : وهو قول أبي الهيثم أنه جمع حساب مثل ركاب وركبان وشهاب وشهبان . والثاني : أن الحسبان مصدر كالرجحان والنقصان . وقال صاحب «الكشاف » : الحسبان بالضم مصدر حسب ، كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب ، ونظيره الكفران والغفران والشكران .
إذا عرفت هذا فنقول : معنى جعل الشمس والقمر حسبانا جعلهما على حساب . لأن حساب الأوقات لا يعلم إلا بدورهما وسيرهما .
المبحث الثالث : قال صاحب «الكشاف » : { والشمس والقمر } قرئا بالحركات الثلاث ، فالنصب على إضمار فعل دل عليه قوله : { جاعل الليل } أي وجعل الشمس والقمر حسبانا ، والجر عطف على لفظ الليل ، والرفع على الابتداء ، والخبر محذوف تقديره ، والشمس والقمر مجعولان حسبانا : أي محسوبان .
ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : { ذلك تقدير العزيز العليم } والعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه ، ومعناه أن تقدير إجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيئاتها المحدودة ، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في البطء والسرعة لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات ، وذلك تصريح بأن حصول هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة ، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار . والله أعلم .
{ فَالِقُ الإصباح } خبر لمبتدأ محذوف أي هو فالق أو خبر آخر لإن . والإصباح بكسر الهمزة مصدر سمي به الصبح ؛ قال امرؤ القيس
: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي *** بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وقرأ الحسن بالفتح على أنه جمع صبح كقفل وأقفال . وأنشد قوله
: أفنى رياحاً وبنى رياح *** تناسخ الإمساء والإصباح
بالكسر والفتح مصدرين وجمعي مسي وصبح . والفالق الخالق على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة والضحاك وقال غير واحد : الشاق . واستشكل بأن الظاهر أن الظلمة هي التي تفلق عن الصبح . وأجيب بأن الصبح صبحان ، صادق وهو المنتشر ضوؤه معترضاً بالأفق ، وكاذب وهو ما يبدو مستطيلاً وأعلاه أضوأ من باقيه وتعقبه ظلمة . وعلى الأول : يراد فلقه عن بياض النهار أو يقال : في الكلام مضاف مقدر أي فالق ظلمة الإصباح بالأصباح وذلك لأن الأفق من الجانب الغربي والجنوبي مملوء من الظلمة والنور إنما ظهر في الجانب الشرقي فكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة فشق سبحانه ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولاً من النور فيه . وعلى الثاني : فإيراد أنه سبحانه فالقه عن ظلمة آخر الليل وشاقه منه . وما ذكر من تقسيم الصبح إلى صادق وكاذب مما يشهد له العيان ولا يمتري فيه إثنان إلا أن في سبب ذلك كلاماً لأهل الهيئة حاصله أن الصبح وكذا الشفق استنارة في كرة البخار لتقارب الشمس من أفق المشرق وتباعدها عن أفق المغرب .
وقد تحقق أن كرة البخار عبارة عن هواء متكاثف بما فيه من الأجزاء الأرضية والمائية المتصاعدة من كرتيهما بتسخين الشمس وغيرها إياها وأن شكل ذلك الهواء شكل كرة محيطة بالأرض على مركزها وسطح مواز لسطحها المتساوي غاية ارتفاعها عن مركز الأرض في جميع النواحي المستلزم لكرويتها وأنها مختلفة القوام لأن ما كان منها أقرب إلى الأرض فهو أكثف مما بعد لأن الألطف يتصاعد ويتباعد أكثر من الأكثف ولكن لا يبلغ في التكاثف إلى حيث يحجب ما وراءه . وأن هذه الكرة تنتهي إلى حد لا تتجاوزه وهو من سطح الأرض أحد وخمسون ميلاً تقريباً وأن للأرض ظلاً على هيئة مخروط قاعدته دائرة عليها تكاد تكون عظيمة وهي مواجهة للشمس ورأسه في مقابلها . وتنقسم الأرض بهذه القاعدة إلى قسمين : أحدهما أكبر مستضيء مواجه للشمس والآخر مظلم مقابل لها ، ويتحرك الضياء والظلمة على سطح الأرض في يوم بليلته دورة واحدة كعلمين متقابلين أحدهما أبيض والآخر أسود . وأن شعاع الشمس محيط بمخروط الظل من جميع جوانبه ومنبث في جميع الأفلاك سوى مقدار يسير من فلك القمر وفلك عطارد وقع في مخروط ظل الأرض لكن الأفلاك لكونها مشعة في الغاية ينفذ فيها الشعاع ولاينعكس عنها فلذلك لا نراها مضيئة .
وكذا الهواء الصافي المحيط بكرة البخار لا يقبل ضوءاً .
وأما كرة البخار فهي مختلفة القوام لأن ما قرب منها إلى الأرض أكثف مما بعد والأكثف أقبل للاستضاءة فالكثيف الخشن باختلاط الهيئات الكثيرة من سطح مخروط الظل قابل للضوء وأن النهار مدة كون ذلك المخروط تحت الأفق والليل مدة كونه فوقه . وحيث تحقق كل ذلك يقال : إذا ازداد قرب الشمس من شرقي الأفق ازداد ميل المخروط إلى غربيه ولا يزال كذلك حتى يرى الشعاع المحيط به وأول ما يرى هو الأقرب إلى موضع الناظر وهو خط يخرج من بصره في سطح دائرة سمتية تمر بمركز الشمس عموداً على الخط المماس للشمس والأرض وهو الذي في سطح الفصل المشترك بين الشعاع والظل فيرى الضوء أولاً مرتفعاً عن الأفق عند موقع العمود مستطيلاً كخط مستقيم وما بينه وبين الأفق يرى مظلماً لبعده وإن كان مستنيراً في الواقع ولكثافة الهواء عند الأفق مدخل في ذلك أيضاً وهو الصبح الكاذب ، ثم إذا قربت من الأفق الشرقي رؤى الضوء معترضاً منبسطاً يزداد لحظة فلحظة وينمحي الأول بهذا الضياء القوى كما ينمحي ضياء المشاعل والكواكب في ضوء الشمس فيخيل أن الأول قد عدم وهو الصبح الصادق .
وتوضيح ما ذكر على ما في «التذكرة » و «شرح سيد المحققين » أنه يتوهم لبيان ذلك سطح يمر بمركز الشمس والأرض وبسهم المخروط ومركز قاعدته فيحدث مثلث حاد الزوايا قاعدته على الأفق وضلعاه على سطح المخروط . أما حدوث المثلث فلما تقرر أنه إذا مر سطح مستو بسهم المخروط ومركز قاعدته أحدث فيه مثلثاً . وأما حدة الزوايا فلأن رأس المخروط في نصف الليل يكون على دائرة نصف النهار فوق الأرض . وحينئذ إما أن يكون المخروط قائماً على سطح الأفق . وذلك إذا كانت الشمس على سمت القدم أو مائلاً إلى الشمال أو الجنوب مع تساوي بعده عن جهة المشرق والمغرب . وذلك إذا لم تكن الشمس على سمت القدم .
وأياً ما كان فذلك السطح المفروض ممتد فيما بين الخافقين أما على التقدير الأول فظاهر . وأما على التقدير الثاني فلتساوي بعد رأس المخروط عن جانبي المشرق والمغرب فيكون زوايتا قاعدة المثلث حادتين لوجوب تساويهما وامتناع وقوع قائمتين أو منفرجتين في مثلث . وإذا مال رأس المخروط عن نصف النهار المغرب فوق الأرض بسبب انتقال الشمس عنه إلى جانب المشرق تحت الأرض تضايقت الزاوية الشرقية من ذلك المثلث فتصير أحد مما كانت واتسعت الزاوية الغربية حتى تصير منفرجة لكن المقصود لا يختلف . ولا شك أن الأقرب من الضلع الذي يلي الشمس إلى الناظر يكون موقع العمود الخارج من النظر الواقع على ذلك الضلع لا موضع اتصال الضلع بالأفق .
وذلك أنه إذا خرج من البصر إلى الضلع الشرقي عمود فلا يمكن أن يقع على موضع اتصال هذا الضلع بالأفق وإلا انطبقت القائمة على بعض الحادة ولا أن يقع تحت الأفق بأن يقطع العمود قاعدة المثلث ويصل إلى الضلع المذكور بعد إخراجه تحته وإلا لزم في المثلث الحادث تحت الأفق من القدر المخرج من بعض القاعدة وبعض العمود قائمة ومنفرجة ولا أن يقع في جهة رأس المثلث على موضع اتصال أحد ضلعيه بالآخر ولا خارجاً عنه في تلك الجهة لما ذكرنا بعينه فوجب أن يقع داخل المثلث فيما بين طرفي الضلع الشرقي وقد تبين أن موضعه أقرب إلى الناظر من موضع اتصاله بالأفق . ولا شك في أن ما وقع من هذا الضلع فيما كثف من كرة البخار يكون مستنيراً بتمامه حال قرب الشمس من أفق المشرق إلا أن ما كان أقرب منه إلى الناظر يكون أصدق رؤية . وهو موقع العمود ومن هنا يتحقق الصادق والكاذب . انتهى كلامهم .
والإمام الرازي أنكر كون الصبح الكاذب من أثر قرص الشمس وإنما هو بتخليق الله تعالى ابتداء قال . لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فالموضع الذي يكون فلك الدائرة أفقاً لهم قد طلعت الشمس من مشرقهم . وفي ذلك الموضع أضاء نصف كرة الأرض . وذلك يقتضي أنه حصل الضوء في الربع الشرقي من بلدنا وذلك الضوء يكون منتشراً مستطيراً في جمع أجزاء الجو ويجب أن يزداد لحظة فلحظة . وحينئذ يمتنع أن يكون الصبح الأول خطاً مستطيلاً فحيث كان كذلك علم أنه ليس من تأثير قرص الشمس ولا من جنس نوره . ويفهم من كلامه أيضاً أن الصبح الثاني كالصبح الأول ليس إلا بتخليق الفاعل المختار ويمتنع أن يكون من تأثير قرص الشمس ، وبين ذلك بأن من المقدمات المتفق عليها أن المضيء ، شمساً كان أو غيره لا يقع ضوؤه إلا على الجرم المقابل له دون غير المقابل والشمس عند طلوع الصبح غير مرتفعة من الأفق فلا يكون جرم الشمس مقابلاً لجزء من أجزاء وجه الأرض فيمتنع وقوع ضوء الشمس على وجه الأرض وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكون ضوء الصبح من تأثير القرص ، ثم قال فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال الشمس حين كونها تحت الأرض توجب إضاءة ذلك الهواء المقابل لها وذلك الهواء مقابل للهواء الواقف فوق الأرض فيصير ضوء الهواء الواقف تحت الأرض سبباً لضوء الهواء الواقف فوق الأرض ثم لا يزال يسري ذلك الضوء من هواء آخر ملاصق له حتى يصل إلى الهواء المحيط بنا .
وعلى هذا عول أبو علي بن الهيثم في «المناظر » فالجواب : أن هذا باطل من وجهين ، الأول : أن الهواء شفاف عديم اللون فلا يقبل النور واللون في ذاته .
وما كان كذلك يمتنع أن ينعكس منه النور إلى غيره فيمتنع أن يصير ضوؤه سبباً لضوء هواء آخر مقابل له . فإن قالوا فلم لا يجوز أن يقال إنه حصل في الأفق أجزاء كثيفة من الأبخرة والأدخنة وهي لكثافتها تقبل النور عن قرص الشمس ثم يفيض على الهواء المقابل له ؟ فنقول : لو كان كذلك لكان كلما كانت الأبخرة والأدخنة في الأفق أكثر وجب أن يكون ضوء الصباح أقوى وليس الأمر كذلك بل بالعكس ، الثاني : أن الدائرة التي هي دائرة الأفق لنا بعينها دائرة نصف النهار لقوم آخرين . وإذا كان كذلك فالدائرة التي هي نصف النهار في بلدنا وجب كونها دائرة الأفق لأولئك الأقوام ، وإذا ثبت هذا فنقول . إذا وصل مركز الشمس إلى دئرة نصف الليل وتجاوز عنها فالشمس قد طلعت على أولئك الأقوام واستنار نصف العالم هناك . والربع من الفلك الذي هو ربع شرقي لأهل بلدنا فهو بعينه ربع غربي بالنسبة إلى تلك البلدة ، وإذا كان كذلك فالشمس إذا تجاوز مركزها عن دائرة نصف الليل قد صار جرمها محازياً لهواء الربع الذي هو الربع الشرقي لأهل بلدنا فلو كان الهواء يقبل كيفية النور من الشمس لوجب أن يحصل النور في هذا الربع الشرقي من بلدنا بعد نصف الليل وأن يصير هواء هذا الربع في غاية الإنارة حينئذ وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الهواء لا يقبل كيفية النور في ذاته وإذا بطل هذا بطل العذر الذي ذكره ابن الهيثم انتهى المراد منه . ولا أراه أتى بشيء يتبلج به صبح هذا المطلب كما لا يخفى على من أحاط خبراً بما قدمناه .
وذكر أفضل المتأخرين العلامة أحمد بن حجر الهيثمي أن لأهل الهيئة في تحقيق الصبح الكاذب كلاماً طويلاً مبنياً على الحدس المبني على قاعدة الحكماء الباطلة كمنع الخرق والالتئام على أنه لا يفي ببيان سبب كون أعلاه أضوأ مع أنه أبعد من أسفله عن مستمده وهو الشمس ولا ببيان سبب انعدامه بالكلية حتى تعقبه ظلمة كما صرح به الأئمة وقدروها بساعة . والظاهر أن مرادهم مطلق الزمن لأنها تطول تارة وتقصر أخرى وهذا شأن الساعات الزمانية المسماة بالمعوجة ويقابلونها بالساعات المستوية المقدر كل منها دائماً بخمس عشرة درجة ، وزعم بعض أهل الهيئة عدم انعدامه وإنما يتناقص حتى ينغمر في الصادق وقد تقدم لك ذلك فيما نقلناه لك عنهم ولعله بحسب التقدير لا الحس ، وفي خبر مسلم «لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير أي ينتشر ذلك العمود في نواحي الأفق » ويؤخذ من تسميته عارضاً للثاني شيئان ، أحدهما : أنه يعرض للشعاع الناشيء عنه الصبح ، الثاني : انحباس قرب ظهوره كما يشعر به التنفس في قوله سبحانه :
{ والصبح إِذَا تَنَفَّسَ } [ التكوير : 18 ] فعند ذلك الانحباس يتنفس منه شيء من شبه كوة ، والمشاهد في المنحبس إذا خرج بعضه دفعة أن يكون أوله أكثر من آخره ، وهذا لكون كلام الصادق قد يدل عليه ولانبائه عن سبب طوله وإضاءة أعلاه واختلاف زمنه وانعدامه بالكلية الموافق للحس أولى مما ذكره أهل الهيئة القاصر عن كل ذلك . ثانيهما : أنه صلى الله عليه وسلم أشار بالعارض إلى أن المقصود بالذات هو الصادق وأن الكاذب إنما قصد بطريق العرضية لينبه الناس به لقرب ذلك فينتبهوا ليدركوا فضيلة أول الوقت لاشتغالهم بالنوم الذي لولا هذه العلامة لمنعهم إدراك أول الوقت ، فالحاصل أنه نور يبرزه الله تعالى من ذلك الشعاع أو يخلقه حينئذ علامة على قرب الصبح ومخالفاً له في الشكل ليحصل التمييز وتتضح العلامة العارضة من المعلم عليه المقصود فتأمل ذلك فإنه غريب مهم .
وفي حديث عند أحمد «ليس الفجر الأبيض المستطيل في الأفق ولكن الفجر الأحمر المعترض » وفيه شاهد لما ذكر آخر . ومما يؤيد ما أشير إليه من الكوة ما أخرجه غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن للشمس ثلثمائة كوة تطلع كل يوم من كوة فلا بدع أنها عند قربها من تلك الكوة ينحبس شعاعها ثم يتنفس كما مر . وللقرافي المالكي . وغيره كالأصبحي من الشافعية فيه كلام يوضحه ويبين صحة ما ذكر من الكوات ويوافق الاستشكال لكونه يظهر ثم يغيب . وحاصله وإن كان فيه طول لمس الحاجة إليه أنه بياض يطلع قبل الفجر ثم يذهب عند أكثر الأبصار دون الراصد المجد القوي النظر .
وذكر ابن بشير المالكي أنه من نور الشمس إذا قربت من الأفق فإذا ظهرت أنست به الأبصار فيظهر له أنه غاب وليس كذلك . ونقل الأصبحي أن بعضهم ذكر أنه يذهب بعد طلوعه ويعود مكانه ليلاً وهو كثير من الشافعية ، وإن أبا جعفر البصري بعد أن عرفه بأنه عند بقاء نحو ساعتين يطلع مستطيلاً إلى نحو ربع السماء كأنه عمود وربما لم ير إذا كان الجو نقياً شتاء وأبين ما يكون إذا كان الجو كدراً صيفاً أعلاه دقيق وأسفله واسع ولا ينافي هذا ما تقدم من أن أعلاه أضوأ لأن ذلك عند أول الطلوع وهذا عند مزيد قربه من الصادق وتحته سواد ثم بياض ثم يظهر بياض يغشى ذلك كله ثم يعترض رده بأنه رصده نحو خمسين سنة فلم يره غاب وإنما ينحدر ليلتقي مع المعترض في السواد ويصيران فجراً واحداً . وزعم غيبته ثم عوده وهم أو رآه يختلف باختلاف الفصول فظنه يذهب ، وبعض المؤقتين يقول : هو المجرة إذا كان الفجر بالسعود ، ويلزمه أن لا يوجد إلا نحو شهرين في السنة قال القرافي : وقال آخرون هو شعاع يخرج من طباق بجبل قاف ثم أبطله بأن جبل قاف لا وجود له وبرهن عليه بما يرده ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من طرق خرجها الحفاظ وجماعة منهم ممن التزموا تخريج الصحيح ، وقول الصحابي ذلك ونحوه مما لا مجال للرأي فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، منها
" أن وراء أرضنا بحراً محيطاً ثم جبلاً يقال له قاف ثم أرضاً ثم بحراً ثم جبلاً " وهكذا حتى عد سبعاً من كل ، وأخرج بعض أولئك عن عبد الله بن بريدة أنه جبل من ذمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء ، وعن مجاهد مثله ، وكما اندفع بذلك قوله : لا وجود له اندفع قوله إثره : ولا يجوز اعتقاد ما لا دليل عليه لأنه إن أراد بالدليل مطلق الأمارة فهذا عليه أدلة أو الأمارة العقلية فهذا مما يكفي فيه الظن كما هو جلي ، ثم نقل عن القرافي عن أهل الهيئة أنه يظهر ثم يخفى دائماً ، ثم استشكله وأطال في جوابه بما لا يتضح إلا لمن أتقن علمي الهندسة والمناظر فأولى منه أن يختلف باختلاف النظر لاختلافه باختلاف الفصول والكيفيات العارضة لمحله فقد يدق في بعض ذلك حتى لا يرى أصلاً وحينئذ فهذا عذر من عبر بأنه يغيب ثم تعقبه ظلمة ، هذا ولا يخفى أن القول بحدوث ضوء الصبح بمجرد خلق الله تعالى لا عن سبب عادي كما يشير إليه كلام الإمام أهون من القول بأنه من شعاع يخرج من طباق جبل قاف . والقول بخروج الشعاع من هذا الطباق أهون من القول بخروج الشمس التي هي على ما بين في الأجرام مائة وستة وستون مثلاً للأرض مع كسر تقدم على ما هو المشهور أو ثلاثمائة وستة وعشرون مثلاً لها على ما قاله غياث الدين جمشيد الكاشي في رسالته سلم السماء أو ما يقرب من ذلك على ما في بعض الروايات من كوة من جبل محيط بالأرض .
والخبر في ذلك إن صح وقلنا : إن له حكم المرفوع مما ينبغي تأويله وباب التأويل أوسع من تلك الكوة فإن كثيراً من الناس قد قطعوا دائرة الأرض على مدار السرطان مراراً ولم يجدوا أثراً لهذا الجبل المحيط الشامخ . وإثبات سبعة جبال وسبعة أبحر على الوجه السابق مما لا يخفى ما فيه أيضاً . وكون الله تعالى لا يعجزه شيء مما لا يشك فيه إلا ملحد لكن الكلام في وقوع ما ذكر في الخارج . والذي تميل إليه قلوب كثير من الناس في أمر الصبح ما ذكره أهل الهيئة .
وقد بين أرسطرخس في الشكل الثاني من «كتابه في جرم النيرين » أن الكرة إذا اقتبست الضوء من كرة أعظم منها كان المضيء منها أعظم من نصفها .
وقد بين أيضاً في الشكل الأول من ذلك الكتاب أن كل كرتين مختلفتين أمكن أن يحيط بهما مخروط مستدير رأسه يلي أصغرهما ويكون المخروط مماساً لكل منهما على محيط دائرة ، ولا شك أنه محيط بالشمس والأرض مخروط مؤلف من خطوط شعاعية رأسه يلي الأرض فيكون هذا المخروط مماساً للأرض على دائرة فاصلة بين المضيء والمظلم منها وهي دائرة صغيرة لأن الجزء المضيء من الأرض أصغر .
وقد حققوا أن المستنير من الهواء كرة البخار سوى ما دخل في ظل مخروط الأرض وهي مستنيرة أبداً لكثافتها وإحاطة أشعة الشمس بها لكنها لا ترى في الليل لبعدها عن البصر وإن سهم المخروط أبداً في مقابلة جرم الشمس كما أشرنا إليه . ففي منتصف الليل يكون على دائرة نصف النهار وبعد ذلك يميل إلى جانب الغروب لحظة فلحظة إلى أن يرى البياض في جانب المشرق على ما تقدم تفصيله وعلى هذا لا يلزم في الصورة التي ذكرها الإمام من مجاوزة مركز الشمس دائرة نصف الليل وطلوعها على أولئك الأقوام . واستنارة نصف العالم عندهم استنارة الربع الشرقي عندنا لاختلاف الوضع كما لا يخفى على المتأمل ، والتزام القول بالكروية والمخروط ونحو ذلك مما ذكره أهل الهيئة لا بأس به ، نعم اعتقاد صحة ما يقولونه مما علم خلافه من الدين بالضرورة أو علم بدليل قطعي كفر أو ضلال فتدبر . وقرىء { فَالِقُ } بالنصب على المدح . وقرأ النخعي { فَالِقُ الإصباح } .
{ وَجَعَلَ اليل سَكَناً } أي يسكن إليه من يتعب بالنهار ويستأنس به لاسترواحه فيه وكل ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناساً به واسترواحاً إليه من زوج أو حبيب يقال له : سكن ، ومنه قيل للنار : سكن لأنه يستأنس بها ولذا سموها مؤنسة . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن المعنى يسكن فيه كل طير ودابة وروي نحوه عن ابن عباس ومجاهد رضي الله تعالى عنهم ، فالمراد حينئذ جعل الليل مسكوناً فيه أخذا له من السكون أي الهدوء والاستقرار كما في قوله تعالى : { لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } [ يونس : 67 ] وقرأ سائر السبعة إلا الكوفيين { جَاعِلِ } بالرفع . وقرىء شاذاً بالنصب و { اليل } فيهما مجرور بالإضافة ، ونصب { سَكَناً } عند كثير بفعل دل عليه هذا الوصف لا به لأنه يشترط في عمل اسم الفاعل كونه بمعنى الحال أو الاستقبال وهو هنا بمعنى الماضي كما يشهد به قراءة { جَعَلَ } .
وجوز الكسائي وبعض الكوفيين عمله بمعنى الماضي مطلقاً حملاً له على الفعل الذي تضمن معناه . وبعضهم جوز عمله كذلك إذا دخلت عليه أل . وآخرون جوزوا عمله في الثاني إذا أضيف إلى الأول لشبهه بالمعرف باللام ، وعلى هذا والأول لا يحتاج إلى تقدير فعل بل يكون الناصب هو الوصف ، واختار بعضهم كونه الناصب أيضاً لكن باعتبار أن المراد به الجعل المستمر في الأزمنة المختلفة لا الزمان الماضي فقط ولا يجري على هذا مجرى الصفة المشبهة لأن ذلك كما قال بعض المحققين فيما قصد به الاستمرار مشروط باشتهار الوصف بذلك الاستعمال وشيوعه فيه ونصبه في قراءتنا على أنه مفعول ثان لجعل .
وجوز أن يكون { جَعَلَ } بمعنى أحدث المتعدي لواحد فيكون نصباً على الحال .
{ والشمس والقمر } معطوفان على { اليل } وعلى قراءة من جره يكون نصبهما بفعل المقدر الناصب لسكناً أو بآخر مثله ، وقيل : بالعطف على محل { اليل } المجرور فإن إضافة الوصف إليه غير حقيقية إذا لم ينظر فيه إلى المضي . وقرىء بالجر وهو ظاهر وبالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي مجعولان { حُسْبَاناً } أي على أدوار مختلفة يحسب فيها الأوقات التي نيط بها العبادات والمعاملات أو محسوبان حسباناً . والحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب وهذا هو الأصل المسموع في نحو ذلك وما سواه وارد على خلاف القياس كما قيل . وعن أبي الهيثم أن { حُسْبَاناً } جمع حساب مثل ركبان وركاب وشهبان وشهاب ؛ وفي إرادته هنا بعد .
{ ذلك } إشارة إلى جعلهما كذلك . وقال الطبرسي : «إلى ما تقدم من فلق الإصابح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً » ، والجمهور على الأول وهو الظاهر ، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو منزلة المشار إليه وبعد منزلته أي ذلك التسيير البديع الشأن { تَقْدِيرُ العزيز } أي الغالب القاهر الذي لا ( يستعصي عليه ) شيء من الأشياء التي من جملتها تسييرهما على الوجه المخصوص { العليم } المبالغ في العلم بجميع المعلومات التي من جملتها ما في ذلك التسيير من المصالح المعاشية والمعادية .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَالِقُ الاصباح } أي مظهر أنوار صفاته على صفحات آفاق مخلوقاته أو شاق ظلمة الإصباح بنور الإصباح وذلك لأن بحر العدم كان مملوءاً من الظلمة فشقه بأن أجرى فيه جدولاً من نوره حتى بلغ السيل الزبى وقال الإمام «فالق ظلمة العدم بصباح التكوين والإيجاد وفالق ظلمة الجمادية بصباح ( العقل و ) الحياة والعقل والرشاد وفالق ظلمة الجهالة بصباح الإدراك وفالق ظلمة العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صبحة عالم الأفلاك وفالق ظلمة الإشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات » ، وقال بعض العارفين المعنى فالق ظلمة صفات النفس عن القلب بإصباح نور شمس الروح وإشراقه عليها { وَجَعَلَ اليل } أي ليل الحيرة في الذات البحت { سَكَناً } تسكن إليه أرواح العاشقين كما قال قائلهم :
زدني بفرط الحب فيك تحيرا *** وارحم حشا بلظى هواك تسعرا
أو جاعل ظلمة النفس سكن القلب يسكن إليها أحياناً للارتفاق والاسترواح أو سكنا تسكن فيه القوى البدنية وتستقر عن الاضطراب كما قيل { والشمس } أي شمس تجلي الصفات { والقمر } أي قمر تجلي الأفعال { حُسْبَاناً } [ الأنعام : 96 ] أي علمي حساب الأحوال حيث يعتبر بهما أو شمس الروح وقمر القلب محسوبين في عداد الموجودات الباقية الشريفة معتداً بهما . أو علمي حساب الأوقات والأحوال