قوله تعالى : { وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون }
اعلم أن هذا النوع الخامس من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته ووجوه إحسانه إلى خلقه .
واعلم أن هذه الدلائل كما أنها دلائل فهي أيضا نعم بالغة ، وإحسانات كاملة ، والكلام إذا كان دليلا من بعض الوجوه ، وكان إنعاما وأحسانا من سائر الوجوه . كان تأثيره في القلب عظيما ، وعند هذا يظهر أن المشتغل بدعوة الخلق إلى طريق الحق لا ينبغي أن يعدل عن هذه الطريقة . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر قوله تعالى : { وهو الذي أنزل من السماء ماء } يقتضي نزول المطر من السماء ، وعند هذا اختلف الناس ، فقال أبو علي الجبائي في «تفسيره » : إنه تعالى ينزل الماء من السماء إلى السحاب ، ومن السحاب إلى الأرض . قال لأن ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء ، والعدول عن الظاهر إلى التأويل ، إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ على ظاهره غير ممكن ، وفي هذا الموضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من السماء ، فوجب إجراء اللفظ على ظاهره .
وأما قول من يقول : إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض . ثم تصعد وترتفع إلى الهواء ، فينعقد الغيم منها ويتقاطر ، وذلك هو المطر ، فقد احتج الجبائي على فساده من وجوه : الأول : أن البرد قد يوجد في وقت الحر ، بل في صميم الصيف ، ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد ، وذلك يبطل قولهم .
ولقائل أن يقول : إن القوم يجيبون عنه فيقولون : لا شك أن البخار أجزاء مائية وطبيعتها البرد ، ففي وقت الصيف يستولي الحر على ظاهر السحاب ، فيهرب البرد إلى باطنه ، فيقوى البرد هناك بسبب الاجتماع ، فيحدث البرد ، وأما في وقت برد الهواء يستولي البرد على ظاهر السحاب ، فلا يقوى البرد في باطنه ، فلا جرم لا ينعقد جمدا بل ينزل ماء ، هذا ما قالوه . ويمكن أن يجاب عنه بأن الطبقة العالية من الهواء باردة جدا عندكم ، فإذا كان اليوم يوما باردا شديد البرد في صميم الشتاء ، فتلك الطبقة باردة جدا ، والهواء المحيط بالأرض أيضا بارد جدا ، فوجب أن يشتد البرد ، وأن لا يحدث المطر في الشتاء البتة ، وحيث شاهدنا أنه قد يحدث فسد قولكم ، والله أعلم .
الحجة الثانية : مما ذكره الجبائي أنه قال : إن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت تفرقت وإذا تفرقت لم يتولد منها قطرات الماء ، بل البخار إنما يجتمع إذا اتصل بسقف متصل أملس كسقوف الحمامات المزججة . أما إذا لم يكن كذلك لم يسل منه ماء كثير ، فإذا تصاعدت البخارات في الهواء ، وليس فوقها سطح أملس متصل به تلك البخارات ، وجب أن لا يحصل منها شيء من الماء . ولقائل أن يقول : القوم يجيبون عنه : بأن هذه البخارات إذا تصاعدت وتفرقت ، فإذا وصلت عند صعودها وتفرقها إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت ، والبرد يوجب الثقل والنزول ، فبسبب قوة ذلك البرد عادت من الصعود إلى النزول ، والعالم كروي الشكل ، فلما رجعت من الصعود إلى النزول ، فقد رجعت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز ، فتلك الذرات بهذا السبب تلاصقت وتواصلت ، فحصل من اتصال بعض تلك الذرات بعض قطرات الأمطار .
الحجة الثالثة : ما ذكره الجبائي قال : لو كان تولد المطر من صعود البخارات ، فالبخارات دائمة الارتفاع من البحار ، فوجب أن يدوم هناك نزول المطر ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا فساد قولهم . قال : فثبت بهذه الوجوه ، أنه ليس تولد المطر من بخار الأرض ، ثم قال : والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول ، لأنهم اعتقدوا أن الأجسام قديمة ، وإذا كانت قديمة امتنع دخول الزيادة والنقصان فيها ، وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك الذرات بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى ، فلهذا السبب احتالوا في تكوين كل شيء عن مادة معينة ، وأما المسلمون . فلما اعتقدوا أن الأجسام محدثة ، وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد ، فعند هذا لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات ، فثبت أن ظاهر القرآن يدل في هذه الآية على أن الماء إنما ينزل من السماء ، ولا دليل على امتناع هذا الظاهر ، فوجب القول بحمله على ظاهره ، ومما يؤكد ما قلناه : أن جميع الآيات ناطقة بنزول المطر من السماء . قال تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } وقال : { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } وقال : { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } فثبت أن الحق ، أنه تعالى ينزل المطر من السماء بمعنى أنه يخلق هذه الأجسام في السماء . ثم ينزلها إلى السحاب . ثم من السحاب إلى الأرض .
والقول الثاني : المراد إنزال المطر من جانب السماء ماء .
والقول الثالث : أنزل من السحاب ماء وسمى الله تعالى السحاب سماء ، لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت ، فهذا ما قيل في هذا الباب .
المسألة الثانية : نقل الواحدي في «البسيط » عن ابن عباس : يريد بالماء ههنا المطر ولا ينزل نقطة من المطر إلا ومعها ملك ، والفلاسفة يحملون ذلك الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول ، فأما أن يكون معه ملك من ملائكة السماوات ، فالقول به مشكل والله أعلم .
المسألة الثالثة : قوله : { فأخرجنا به نبات كل شيء } فيه أبحاث :
البحث الأول : ظاهر قوله : { فأخرجنا به نبات كل شيء } يدل على أنه تعالى إنما أخرج النبات بواسطة الماء ، وذلك يوجب القول بالطبع والمتكلمون ينكرونه ، وقد بالغنا في تحقيق هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى :
{ وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } فلا فائدة في الإعادة .
البحث الثاني : قال الفراء : قوله : { فأخرجنا به نبات كل شيء } ظاهره يقتضي أن يكون لكل شيء نبات . وليس الأمر كذلك ، فكان المراد فأخرجنا به نبات كل شيء له نبات ، فإذا كان كذلك ، فالذي لا نبات له لا يكون داخلا فيه .
البحث الثالث : قوله : { فأخرجنا به } بعد قوله : { أنزل } يسمى التفاتا . ويعد ذلك من الفصاحة .
واعلم أن أصحاب العربية ادعوا أن ذلك يعد من الفصاحة . وما بينوا أنه من أي الوجوه يعد من هذا الباب ؟ وأما نحن فقد أطنبنا فيه في تفسير قوله تعالى : { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة } فلا فائدة في الإعادة .
والبحث الرابع : قوله : { فأخرجنا } صيغة الجمع . والله واحد فرد لا شريك له ، إلا أن الملك العظيم إذا كنى عن نفسه ، فإنما يكنى بصيغة الجمع ، فكذلك ههنا . ونظيره قوله : { إنا أنزلناه } . { إنا أرسلنا نوحا } . { إنا نحن نزلنا الذكر } .
أما قوله : { فأخرجنا منه خضرا } فقال الزجاج : معنى خضر ، كمعنى أخضر ، يقال أخضر فهو أخضر وخضر ، مثل أعور فهو أعور وعور . وقال الليث : الخضر في كتاب الله هو الزرع وفي الكلام كل نبات من الخضر ، وأقول إنه تعالى حصر النبت في الآية المتقدمة في قسمين : حيث قال : { إن الله فالق الحب والنوى } فالذي ينبت من الحب هو الزرع ، والذي ينبت من النوى هو الشجر فاعتبر هذه القسمة أيضا في هذه الآية فابتدأ بذكر الزرع ، وهو المراد بقوله : { فأخرجنا منه خضرا } وهو الزرع ، كما رويناه عن الليث . وقال ابن عباس : يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز ، والمراد من هذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أولا ويكون السنبل في أعلاه وقوله : { نخرج منه حبا متراكبا } يعني يخرج من ذلك الخضر حبا متراكبا بعضه على بعض في سنبلة واحدة ، وذلك لأن الأصل هو ذلك العود الأخضر وتكون السنبلة مركبة عليه من فوقه وتكون الحبات متراكبة بعضها فوق بعض ، ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الأبر ، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة .
ولما ذكر ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى ، وهو القسم الثاني فقال : { ومن النخل من طلعها قنوان دانية } وههنا مباحث :
البحث الأول : أنه تعالى قدم ذكر الزرع على ذكر النخل ، وهذا يدل على أن الزرع أفضل من النخل . وهذا البحث قد أفرد الجاحظ فيه تصنيفا مطولا .
البحث الثاني : روى الواحدي عن أبي عبيدة أنه قال : أطلعت النخل إذا أخرجت طلعها وطلعها كيزانها قبل أن ينشق عن الأغريض ، والأغريض يسمى طلعا أيضا . قال والطلع أول ما يرى من عذق النخلة ، الواحدة طلعة . وأما { قنوان } فقال الزجاج : القنوان جمع قنو . مثل صنوان وصنو . وإذا ثنيت القنو قلت قنوان بكسر النون ، فجاء هذا الجمع على لفظ الاثنين والإعراب في النون للجمع .
إذا عرفت تفسير اللفظ فنقول : قوله : { قنوان دانية } قال ابن عباس : يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية ممن يجتنيها . وروي عنه أيضا أنه قال : قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض قال الزجاج : ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن ذكر أحد القسمين يدل على الثاني كما قال : { سرابيل تقيكم الحر } ولم يقل سرابيل تقيكم البرد ، لأن ذكر أحد الضدين يدل على الثاني ، فكذا ههنا وقيل أيضا : ذكر الدانية في القريبة ، وترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأكثر .
والبحث الثالث : قال صاحب «الكشاف » { قنوان } رفع بالابتداء { ومن النخل } خبره { ومن طلعها } بدل منه كأنه قيل : وحاصلة من طلع النخل قنوان ، ويجوز أن يكون الخبر محذوفا لدلالة أخرجنا عليه تقديره ، ومخرجه من طلع النخل قنوان . ومن قرأ يخرج منه { حب متراكب } كان { قنوان } عنده معطوفا على قوله : { حب } وقرئ { قنوان } بضم القاف وبفتحها على أنه اسم جمع كركب لأن فعلان ليس من باب التكسير .
ثم قال تعالى : { وجنات من أعناب والزيتون والرمان } وفيه أبحاث :
البحث الأول : قرأ عاصم : { جنات } بضم التاء ، وهي قراءة علي رضي الله عنه : والباقون { جنات } بكسر التاء . أما القراءة الأولى فلها وجهان : الأول : أن يراد ، وثم جنات من أعناب أي مع النخل والثاني : أن يعطف على { قنوان } على معنى وحاصلة أو ومخرجة من النخل قنوان وجنات من أعناب وأما القراءة بالنصب فوجهها العطف على قوله : { نبات كل شيء } والتقدير : وأخرجنا به جنات من أعناب ، وكذلك قوله : { والزيتون والرمان } قال صاحب «الكشاف » : والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص كقوله تعالى : { والمقيمين الصلاة } لفضل هذين الصنفين .
والبحث الثاني : قال الفراء : قوله : { والزيتون والرمان } يريد شجر الزيتون ، وشجر الرمان كما قال : { واسأل القرية } يريد أهلها .
البحث الثالث : اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أربعة أنواع من الأشجار . النخل والعنب والزيتون والرمان ، وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء ، وثمار الأشجار فواكه ، والغذاء مقدم على الفاكهة ، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب ولأن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوان مشابهة في خواص كثيرة بحيث لا توجد تلك المشابهة في سائر أنواع النبات ، ولهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام : ( أكرموا عمتكم النخلة ، فإنها خلقت من بقية طينة آدم ) وإنما ذكر العنب عقيب النخل لأن العنب أشرف أنواع الفواكه ، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعا به إلى آخر الحال فأول ما يظهر على الشجر يظهر خيوط خضر دقيقة حامضة الطعم لذيذة المطعم ، وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه ، ثم بعده يظهر الحصرم ، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى ، وقد يتخذ الحصرم أشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء ، وقد يتخذ الطبيخ منه ، فكأنه ألذ الطبائخ الحامضة . ثم إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه وأشهاها ، ويمكن ادخار العنب المعلق سنة أو أقل أو أكثر ، وهو في الحقيقة ألذ الفواكه المدخرة ثم يبقى منه أربعة أنواع من المتناولات ، وهي الزبيب والدبس والخمر والخل ، ومنافع هذه الأربعة لا يمكن ذكرها إلى في المجلدات ، والخمر ، وإن كان الشرع قد حرمها ، ولكنه تعالى قال في صفتها : { ومنافع للناس } ثم قال : { وإثمهما أكبر من نفعهما } فأحسن ما في العنب عجمه . والأطباء يتخذون منه جوار شنات عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة ، فثبت أن العنب كأنه سلطان الفواكه ، وأما الزيتون فهو أيضا كثير النفع لأنه يمكن تناوله كما هو ، وينفصل أيضا عنه دهن كثير عظيم النفع في الأكل وفي سائر وجوه الاستعمال . وأما الرمان فحاله عجيب جدا ، وذلك لأنه جسم مركب من أربعة أقسام : قشره وشحمه وعجمه وماؤه .
أما الأقسام الثلاثة الأول وهي : القشر والشحم والعجم ، فكلها باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة قوية في هذه الصفات ، وأما ماء الرمان ، فبالضد من هذه الصفات . فإنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة ، وفيه تقوية للمزاج الضعيف ، وهو غذاء من وجه ودواء من وجه ، فإذا تأملت في الرمان وجدت الأقسام الثلاثة موصوفة بالكثافة التامة الأرضية ، ووجدت القسم الرابع وهو ماء الرمان موصوفا باللطافة والاعتدال فكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين المتغايرين ، فكانت دلالة القدرة والرحمة فيه أكمل وأتم .
واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها مجلدات ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الأقسام الأربعة التي هي أشرف أنواع النبات ، واكتفى بذكرها تنبيها على البواقي ، ولما ذكرها قال تعالى : { مشتبها وغير متشابه } وفيه مباحث : الأول : في تفسير { مشتبها } وجوه : الأول : أن هذه الفواكه قد تكون متشابهة في اللون والشكل ، مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذة ، وقد تكون مختلفة في اللون والشكل ، مع أنها تكون متشابهة في الطعم واللذة ، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل . ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس . الثاني : أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابها في الطعم والخاصية . وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنه يكون مختلفا في الطعم ، والثالث : قال قتادة : أوراق الأشجار تكون قريبة من التشابه . أما ثمارها فتكون مختلفة ، ومنهم من يقول : الأشجار متشابهة والثمار مختلفة ، والرابع : أقول إنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة منها بقيت على أول حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة . وعلى هذا التقدير : فبعض حبات ذلك العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه .
والبحث الثاني : يقال : اشتبه الشيآن وتشابها كقولك استويا وتساويا ، والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرا ، وقرئ { متشابها وغير متشابه } .
والبحث الثالث : إنما قال مشتبها ولم يقل مشتبهين إما اكتفاء بوصف أحدهما ، أو على تقدير : والزيتون مشتبها وغير متشابه والرمان كذلك كقوله :
رماني بأمر كنت منه ووالدي *** بريا ومن أجل الطوى رماني
ثم قال تعالى : { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } وفيه مباحث :
البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي { ثمره } بضم الثاء والميم ، وقرأ أبو عمرو { ثمره } بضم الثاء وسكون الميم والباقون بفتح الثاء والميم . أما قراءة حمزة والكسائي : فلها وجهان :
الوجه الأول : وهو الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثمر كما قالوا : خشبة وخشب . قال تعالى : { كأنهم خشب مسندة } وكذلك أكمة وأكم . ثم يخففون فيقولون أكم . قال الشاعر :
ترى الأكم فيها سجدا للحوافر *** . . .
والوجه الثاني : أن يكون جمع ثمرة على ثمار . ثم جمع ثمارا على ثمر فيكون ثمر جمع الجمع ، وأما قراءة أبي عمرو فوجهها أن تخفيف ثمر ثمر كقولهم : رسل ورسل . وأما قراءة الباقين فوجهها : أن الثمر جمع ثمرة ، مثل بقرة وبقر ، وشجرة وشجر ، وخرزة وخرز .
والبحث الثاني : قال الواحدي : الينع النضج . قال أبو عبيدة : يقال ينع يينع ، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل . وقال الليث : ينعت الثمرة بالكسر ، وأينعت فهي تينع وتونع إيناعا وينعا بفتح الياء ، وينعا بضم الياء ، والنعت يانع ومونع . قال صاحب «الكشاف » : وقرىء { وينعه } بضم الياء ، وقرأ ابن محيصن { ويانعه } .
والبحث الثالث : قوله : { متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر } أمر بالنظر في حال الثمر في أول حدوثها . وقوله : { وينعه } أمر بالنظر في حالها عند تمامها وكمالها ، وهذا هو موضع الاستدلال والحجة التي هي تمام المقصود من هذه الآية . ذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد في أول حدوثها على صفات مخصوصة ، وعند تمامها وكمالها لا تبقى على حالاتها الأولى ، بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة ، مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة ، وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة ، وربما كانت في أول الأمر باردة بحسب الطبيعة ، فتصير في آخر الأمر حارة بحسب الطبيعة ، فحصول هذه التبدلات والتغيرات لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك ، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسبابا لحدوث الحوادث المختلفة ، ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسنادها إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة . ولما نبه الله سبحانه على ما في هذا الوجه اللطيف من الدلالة قال : { إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } قال القاضي : المراد لمن يطلب الإيمان بالله تعالى ، لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن ، ويحتمل أن يكون وجه تخصيص المؤمنين بالذكر أنهم الذين انتفعوا به دون غيرهم كما تقدم تقريره في قوله { هدى للمتقين } .
ولقائل أن يقول : بل المراد منه أن دلالة هذا الدليل على إثبات الإله القادر المختار ظاهرة قوية جلية ، فكأن قائلا قال : لم وقع الاختلاف بين الخلق في هذه المسألة مع وجود مثل هذه الدلالة الجلية الظاهرة القوية ؟ فأجيب عنه بأن قوة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلا إذا قدر الله للعبد حصول الإيمان ، فكأنه قيل : هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله في حقه بالإيمان ، فأما من سبق قضاء الله له بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالة البتة أصلا ، فكان المقصود من هذا التخصيص التنبيه على ما ذكرناه . والله أعلم .
{ وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } تذكير لنعمة أخرى من نعمه سبحانه الجليلة المنبئة عن كمال قدرته عز وجل وسعة رحمته ، والمراد من الماء المطر ومن السماء السحاب أو الكلام على تقدير مضاف أي من جانب السماء . وقيل : الكلام على ظاهره والإنزال من السماء حقيقة إلى السحاب ومنه إلى الأرض واختاره الجبائي ، واحتج على فساد قول من يقول : إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض ثم تصعد وترتفع إلى الهواء وينعقد السحاب منها ويتقاطر ماء وذلك هو المطر المنزل بوجوه ، أحدها : أن البرد قد يوجد في وقت الحر بل في حميم الصيف ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد وذلك يبطل ما ذكر . ثانيها : أن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت تفرقت وإذا تفرقت لم يتولد منها قطرات الماء بل البخار إنما يجتمع إذا اتصل بسقف أملس كما في بعض الحمامات أما إذا لم يكن كذلك لم يسل منه ماء كثير فإذا تصاعدت البخارات في الهواء وليس فوقها سطح أملس تتصل به وجب أن لا يحصل منها شيء من الماء . ثالثها : أنه لو كان تولد المطر من صعود البخارات فهي دائمة الارتفاع من البحار فوجب أن يدوم هناك نزول المطر وحيث لم يكن كذلك علمنا فساد ذلك القول . ثم قال : والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول لأنهم اعتقدوا أن الأجسام قديمة فيمتنع دخول الزيادة والنقصان فيها وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك الذوات بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفة أخرى . ولهذا السبب احتاجوا في تكوين كل شيء عن مادة معينة . وأما المسلمون فلما اعتقدوا أن الأجسام محدثة وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد فعند هذا لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات وحيث دل ظاهر القرآن على أن الماء إنما ينزل من السماء ولا دليل على امتناع هذا الظاهر وجب القول بحمله عليه انتهى .
ولا يخفى على من راجع كتب القوم أنهم أجابوا عن جميع تلك الوجوه وأن الذي دعاهم إلى القول بذلك ليس مجرد ما ذكر بل ألقوا بامتناع الخرق والالتئام أيضاً ووجود كرة النار تحت السماء وانقطاع عالم العناصر عندها ومشاهدة من على جبل شامخ سحاباً يمطر مع عدم مشاهدة ماء نازل من السماء إليه إلى غير ذلك . وهذا وإن كان بعضه مما قام الدليل الشرعي على بطلانه وبعضه مما لم يقم الدليل عليه ولم يشهد بصحته الشرع لكن مشاهدة من على الجبل ما ذكر ونحوها يستدعي صحة قولهم في الجملة ولا أرى فيه بأساً ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : ما من قطرة تنزل إلا ومعها ملك ، وهو عند الكثير محمول على ظاهره .
والفلاسفة يحملون هذا الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول ، وقيل : هو نور مجرد عن المادة قائم بنفسه مدبر للقطر حافظ إياه ، ويثبت أفلاطون هذا النور المجرد لكل نوع من الأفلاك والكواكب والبسائط العنصرية ومركباتها على ما ذهب إليه صاحب «الإشراق » وهو أحد الأقوال في «المثل الأفلاطونية » ، ويشير إلى نحو ذلك كلام الشيخ صدر الدين القونوي في «تفسير الفاتحة » ، ونصب { مَاء } على المفعولية لأنزل ، وتقديم المفعول غير الصريح عليه لما مر مراراً .
{ فَأَخْرَجْنَا بِهِ } أي بسبب الماء ، والفاء للتعقيب وتعقيب كل شيء بحسبه . و { أَخْرَجْنَا } عطف على { أَنَزلَ } والإلتفات إلى التكلم إظهاراً لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله ، وذكر بعضهم نكتة خاصة لهذا الإلتفات غير ما ذكر وهي أنه سبحانه لما ذكر فيما مضى ما ينبهك على أنه الخالق اقتضى ذلك التوجه إليه حتى يخاطب واختيار ضمير العظمة دون ضمير المتكلم وحده لإظهار كمال العناية أي فأخرجنا بعظمتنا بذلك الماء مع وحدته { نَبَاتَ كُلّ شَىْء } أي كل صنف من أصناف النبات المختلفة في الكم والكيف والخواص والآثار اختلافاً متفاوتاً في مراتب الزيادة والنقصان حسبما يفصح عنه قوله سبحانه : { يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِى الاكل } [ الرعد : 4 ] «والنبات كالنبت وهو على ما قال الراغب ما يخرج من الأرض من الناميات سواء كان له ساق كالشجر أو لم يكن له ساق كالنجم لكن اختص في التعارف بما لا ساق له بل قد اختص عند العامة بما تأكله الحيوانات ، ومتى اعتبرت الحقائق فإنه يستعمل في كل نام نباتاً كان أو حيواناً أو إنساناً » . والمراد هنا عند بعض المعنى الأول .
وجعل قوله تعالى : { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } شروعاً في تفصيل ما أجمل من الإخراج وقد بدأ بتفصيل حال النجم وضمير { مِنْهُ } للنبات ، والخضر بمعنى الأخضر كأعور وعور ، وأكثر ما يستعمل الخضر فيما تكون خضرته خلقية ، وأصل الخضرة لون بين البياض والسواد وهو إلى السواد أقرب ولذا يسمى الأخضر أسود وبالعكس ، والمعنى فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئاً غضاً أخضر وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة . وجوز عود الضمير إلى الماء ومن سببية . وجعل أبو البقاء هذا الكلام حينئذ بدلاً من { أَخْرَجْنَا } الأول ، وذكر بعض المحققين أن في الآية على تقدير عود الضمير إلى الماء معنى بديعاً حيث تضمنت الإشارة إلى أنه تعالى أخرج من الماء الحلو الأبيض في رأي العين أصنافاً من النبات والثمار مختلفة الطعوم والألوان وإلى ذلك نظر القائل يصف المطر
: يمد على الآفاق بيض خيوطه *** فينسج منها للثرى حلة خضرا
وقوله تعالى : { نُّخْرِجُ مِنْهُ } صفة لخضراً ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة بما فيها من الغرابة ، وجوز أن يكون مستأنفاً أي نخرج من ذلك الخضر { حَبّاً مُّتَرَاكِباً } أي بعضه فوق بعض كما في السنبل وقرىء { يَخْرُجُ مِنْهَا * حُبَّ } { مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النخل }( {[280]} ) جمع نخل كما قال الراغب والنخل معروف ويستعمل في الواحد والجمع » ، وهذا شروع في تفصيل حال الشجر إثر بيان حال النجم عند البعض . فالجار والمجرور خبر مقدم .
وقوله سبحانه : { مِن طَلْعِهَا } بدل منه بدل بعض من كل بإعادة العامل . وقوله سبحانه : { قنوان } مبتدأ ؛ وحاصلة من طلع النخيل قنوان ، وجوز أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة { أَخْرَجْنَا } عليه وهو كون خاص وبه يتعلق الجار والتقدير ومخرجه من طلع النخل قنوان . وعلى القراءة السابقة آنفاً يكون { قنوان } معطوفاً على ( حب ) وقيل : المعنى وأخرجنا من النخل نخلاً من طلعها قنوان ( أو ) ومن النخل شيئاً من طلعها قنوان ، وهو جمع قنو بمعنى العذق وهو للتمر بمنزلة العنقود للعنب . وتثنيته أيضاً قنوان ولا يفرق بين المثنى والجمع إلا الإعراب ، ولم يأت مفرد يستوي مثناه وجمعه إلا ثلاثة أسماء هذا وصنو وصنوان ورئد ورئدان بمعنى مثل قاله ابن خالويه ، وحكى سيبويه شقد وشقدان . وحش وحشان للبستان نقله الجلال السيوطي في «المزهر » . وقرىء بضم القاف وبفتحها على أنه اسم جمع لأن فعلان ليس من زنات التكسير .
{ دَانِيَةٌ } أي قريبة من المتناول كما قال الزجاج . واقتصر على ذكرها عن مقابلها لدلالتها عليه وزيادة النعمة فيها ؛ وقيل : المراد دانية من الأرض بكثرة ثمرها وثقل حملها والدنو على القولين حقيقة ، ويحتمل أن يراد به سهولة الوصول إلى ثمارها مجازاً . { وجنات مّنْ أعناب } عطف على { نَبَاتَ كُلّ شَىْء } أي وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب ، وجعله الواحدي عطفاً على { خُضْرًا } . وقال الطيبي : الأظهر أن يكون عطفاً على { حَبّاً } لأن قوله سبحانه : { نَبَاتَ كُلّ شَىْء } مفصل لاشتماله على كل صنف من أصناف النامي ، والنامي الحب والنوى وشبههما . وقوله سبحانه : { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } الخ تفصيل لذلك النبات ، وهو بدل من { فَأَخْرَجْنَا } الأول بدل اشتمال ، وقيل : وهذا مبني على أن المراد بالنبات المعنى العام وحينئذٍ لا يحسن عطفه عليه لأنه داخل فيه وإن أريد ما لا ساق له تعين عطفه عليه لأنه غير داخل فيه وتعين أن يقدر لقوله سبحانه { وَمِنَ النخل } فعل آخر كما أشير إليه فتدبر .
وقرأ أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود والأعمش ويحيى بن يعمر وأبو بكر عن عاصم { وجنات } بالرفع على الابتداء أي ولكم أو ثم جنات أو نحو ذلك ، وجوز الزمخشري أن يكون على العطف على { قنوان } قال في «التقريب » وفيه نظر لأنه إن عطف على ذلك فمن أعناب حينئذ إما صفة { جنات } فيفسد المعنى إذ يصير المعنى وحاصلة من النخيل جنات حصلت من أعناب ، وإما خبر لجنات فلا يصح لأنه يكون عطفاً لها على مفرد ويكون المبتدأ نكرة فلا يصح ، وفي «الكشف » أن الثاني بعيد الفهم من لفظ الزمخشري وإن أمكن الجواب بأن العطف على المخصص مخصص كما قال ابن مالك ، واستشهد عليه بقوله
: عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي *** فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعاً
والظاهر الأول لكنه عطف جملة على جملة ويقدر ومخرجة من الخضر أو من الكرم أو حاصلة جنات من أعناب دون صلته لأن التقييد لازم كما حقق في عطف المفرد وحده ، ولا يخفى أن هذا تكلف مستغنى عنه ، ولعل زيادة الجنات هنا كما قيل من غير اكتفاء بذكر اسم الجنس كما فيما تقدم وما تأخر لما/ أن الانتفاع بهذا الجنس لا يتأتى غالباً إلا عند اجتماع طائفة من أفراده .
{ والزيتون والرمان } نصب على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم أو على العطف على { نَبَاتُ } . وقوله سبحانه : { مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه } إما حال من { *الزيتون } لسبقه اكتفى به عن حال ما عطف عليه والتقدير والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك ، وإما حال من { *الرمان } لقربه ويقدر مثله في الأول . وأياً ما كان ففي الكلام مضاف مقدر وهو بعض أي بعض ذلك مشتبهاً وبعضه غير متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها وحكمة منشيها ومبدعها جل شأنه وإلا كان المعنى جميعه مشتبه وجميعه غير متشابه وهو غير صحيح . ومن الناس من جوز كونه حالاً منهما مع التزام التأويل . وافتعل وتفاعل هنا بمعنى كاستوى وتساوى . وقرىء { والرمان متشابها وَغَيْرَ متشابه } .
{ انظروا } نظر اعتبار واستبصار { إلى ثَمَرِهِ } أي ثمر ذلك أي الزيتون والرمان والمراد شجرتهما وأريد بهما فيما سبق الثمرة ففي الكلام استخدام . وعن الفراء أن المراد في الأول : شجر الزيتون وشجر الرمان وحينئذ لا استخدام ، وأياً ما كان فالضمير راجع إليها بتأويله باسم الإشارة . ورجوعه إلى كل واحد منهما على سبيل البدل بعيد لا نظير له في عدم تعيين مرجع الضمير . وجوز رجوع الضمير إلى جميع ما تقدم بالتأويل المذكور ليشمل النخل وغيره مما يثمر { إِذَا أَثْمَرَ } أي إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلاً لا يكاد ينتفع به . وقرأ حمزة والكسائي { ثَمَرِهِ } بضم الثاء وهو جمع ثمرة كخشبة وخشب أو ثمار ككتاب وكتب { وَيَنْعِهِ } أي وإلى حال نضجه أو إلى نضيجه كيف يعود ضخماً ذا نفع عظيم ولذة كاملة .
وهو في الأصل مصدر ينعت الثمرة إذا أدركت ، وقيل : جمع يانع كتاجر وتجر . وقرىء بالضم وهي لغة فيه . وقرأ ابن محيصن { *ويانعه } ، ولا يخفى أن في التقييد بقوله تعالى : { ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } على ما أشرنا إليه إشعاراً بأن المثمر حينئذ ضعيف غير منتفع به فيقابل حال الينع . ويدل كمال التفاوت على كمال القدرة . وعن الزمخشري أنه قال فإن قلت هلا قيل : إلى غض ثمره وينعه ؟ قلت : في هذا الأسلوب فائدة وهي أن الينع وقع فيه معطوفاً على الثمر على سنن الاختصاص نحو قوله سبحانه : { وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة : 98 ] للدلالة على أن الينع أولى من الغض » وله وجه وجيه وإن خفي على بعض الناظرين .
{ إِنَّ فِى ذلكم } إشارة إلى ما أمروا بالنظر إليه . وما في اسم الإشارة من معنى البعد لما مر غير مرة { لاَيَاتٍ } عظيمة أو كثيرة دالة على وجود القادر الحكيم ووحدته { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي يطلبون الايمان بالله تعالى كما قال القاضي أو مؤمنون بالفعل ، وتخصيصهم بالذكر لأنهم الذين انتفعوا بذلك دون غيرهم كما قيل ووجه دلالة ما ذكر على وجود القادر الحكيم ووحدته أن حدوث هاتيك الأجناس المختلفة والأنواع المتشعبة من أصل واحد وانتقالها من حال إلى حال على نمط بديع لا بد أن يكون بإحداث صانع يعلم تفاصيلها ويرجح ما تقتضيه حكمته من الوجوه الممكنة على غيره ولا يعوقه ضد يعانده أو ند يعارضه ، ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر هذه النعمة الجليلة الدالة على توحيده وبخ من أشرك به سبحانه ورد عليه بقوله عز شأنه :
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } أي من سماء الروح ماء العلم { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } أي كل صنف من الأخلاق والفضائل { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ } أي النبات { خُضْرًا } زينة النفس وبهجة لها { نُّخْرِجُ مِنْهُ } أي الخضر { حَبّاً مُّتَرَاكِباً } أي أعمالا مترتبة شريفة ونيات صادقة يتقوى القلب بها { وَمِنَ النخل } أي نخل العقل { مِن طَلْعِهَا } أي من ظهور تعلقها { قنوان } معارف وحقائق { دَانِيَةٌ } قريبة التناول لظهورها بنور الروح كأنها بديهية { وجنات مّنْ أعناب } وهي أعناب الأحوال والأذواق ومنها تعتصر سلافة المحبة
وفي سكرة منها ولو عمر ساعة *** ترى الدهر عبداً طائعاً ولك الحكم
{ والزيتون } أي زيتون التفكر { والرمان } أي رمان الهمم الشريفة والعزائم النفيسة { مُشْتَبِهاً } كما في أفراد نوع واحد { وَغَيْرَ متشابه } كنوعين وفردين منهما مثلاً { انظروا إلى * ثَمَرَه * إِذَا أَثْمَرَ } أي راعوه بالمراقبة عند السلوك وبدأ الحال { وَيَنْعِهِ } [ الأنعام : 99 ] وهو كماله عند الوصول بالحضور