الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (27)

ثم قال : { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول }[ 27 ] .

قوله : { وتخونوا أماناتكم }[ 27 ] .

في موضع نصب على الجواب{[27207]} . على معنى : أنكم إذا خنتم الله والرسول خنتم أماناتكم{[27208]} .

وقيل{[27209]} هو في موضع جزم على النهي نسقا على : { لا تخونوا }{[27210]} .

ومعنى خيانة الله والرسول : هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر{[27211]} .

وقيل : هذه الآية نزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان / يطلعه على سر المسلمين{[27212]} .

وقيل : خيانة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : ترك العمل بسنته{[27213]} .

وقيل : نزلت في أبي لبابة{[27214]} . لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة فأشار إليهم إلى حلقه : إنه الذبح . قال الزهري : فقال أبو لبابة : لا والله ، لا أذوق طعاما{[27215]} ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ ، فمكث سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب حتى خرّ{[27216]} مغشيا عليه ، حتى تاب الله عليه . فقيل له : يا أبا لبابة ، قد تاب الله عليك ، قال : لا والله ، لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو الذي يحلني . فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحلّه بيده . ثم قال أبو لبابة : إن توبتي أن أهجر دار{[27217]} قومي التي أصبت فيها الذنب ، وأن أنخلع عن مالي ، قال : يجزيك{[27218]} الثلث أن تتصدق به{[27219]} .

وقيل : الآية عامة{[27220]} . نُهوا ألا يخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون{[27221]} .

وقوله : { وتخونوا أماناتكم } .

أي : لا تفعلوا الخيانة ، فإنها خيانة لأماناتكم{[27222]} .

وقيل المعنى : ولا تخونوا أماناتكم{[27223]} .

و " الأمانة " هاهنا : ما يخفى عن أعين الناس من ترك فرائض الله ، عز وجل ، وركوب معاصيه{[27224]} .


[27207]:مشكل إعراب القرآن 1/314، وإعراب القرآن للنحاس 2/184، وفيه: "...كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، والبيان في غريب إعراب القرآن 1/386، بلفظ: "....والثاني: أن يكون منصوبا على جواب النهي بالواو، كقول الشاعر: *لا تنه عن خلق وتأتي مثله* والتبيان في إعراب القرآن 2/622، وتفسير القرطبي 7/251، والبحر المحيط 4/480، والدر المصون 3/414، بلفظ: "يجوز أن يكون منصوبا بإضمار "أن" على جواب النهي"، على تقدير: وأن تخونوا أماناتكم" كما في المحرر الوجيز 2/518، ومزيد بيان في الكتاب 3/41، هذا باب الواو. دون ذكر الآية موضوع التفسير، وجامع البيان 13/484.
[27208]:وهو تفسير السدي، وابن إسحاق في جامع البيان 13/483، 484.
[27209]:في الأصل: فقيل.
[27210]:المصادر نفسها، السالفة في توثيق الوجه الأول، هامش 1 وهو القول المرجح عند أبي حيان في البحر 4/480، والسمين الحلبي في الدر 3/414.
[27211]:انظر: جامع البيان 13/480.
[27212]:هو قول جابر بن عبد الله رضي الله عنه، في جامع البيان 13/480، وضعفه الشيخ محمود شاكر في هامش تحقيقه، وزاد المسير 3/344، وتفسير الخازن 2/176، وتفسير ابن كثير 2/301، وفيه: "هذا حديث غريب جدا، وفي سنده وسياقه نظر"، والدر المنثور 4/48، وفتح القدير 2/344.
[27213]:وهو قول ابن عباس في صحيفة علي بن أبي طلحة 251، وجامع البيان 13/485، وتفسير ابن أبي حاتم 1684، وتفسير ابن كثير 2/301، والدر المنثور 4/49، وفتح القدير 2/345. وما بين الهلالين ساقط من "ر".
[27214]:هو: لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، المدني اسمه: بشير بن عبد المنذر، أحد النقباء شهد العقبة، توفي في خلافة علي رضي الله عنه، انظر: الإصابة 7/289، وتهذيب التهذيب 4/578.
[27215]:في الأصل: طعامه، وهو تحريف.
[27216]:في "ر": خرج، وهو تحريف.
[27217]:في الأصل: كان وهو تحريف ناسخ.
[27218]:في الأصل: يجزئك، بالهمز.
[27219]:جامع البيان 13/481، 482، وينظر: أسباب النزول للواحدي 238، وزاد المسير 3/. وأورده أبو حاتم في التفسير5/1682، والسيوطي في لباب النقول 191، مختصرا.
[27220]:في الأصل: عمة، وهو تحريف.
[27221]:وهو مذهب أبي جعفر الطبري، جامع البيان 13/483، قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله نهى المؤمنين عن خيانته وخيانة رسوله، وخيانة أمانته، وجائز أن تكون نزلت في أبي لبابة، وجائز أن تكون نزلت في غيره، ولا خبر عندنا بأي ذلك كان يجب التسليم له بالصحة". وهو المرجح عند الحافظ ابن كثير في تفسيره 2/301، قال: "...والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء".
[27222]:وهو تفسير السدي، وابن إسحاق في جامع البيان 13/183، 484، بتصرف. فعلى هذا المعنى يكون في موضع نصب، كما سلف 2783.
[27223]:وهو قول ابن عباس، كما في صحيفة علي بن أبي طلحة 251، وجامع البيان 13/484، وتفسير ابن أبي حاتم 5/1684، وتفسير ابن كثير 2/301، فعلى هذا المعنى يكون في موضع جزم على النهي، كما سلف 564.
[27224]:وهو تفسير ابن عباس في جامع البيان 13/485. انظر: وجوه ونظائر الثعالبي 49، ووجوه ونظائر الدامغاني 46، ووجوه ونظائر ابن الجوزي 104.