الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي - السيوطي  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (27)

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه . أن أبا سفيان خرج من مكة ، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا . فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان : إن محمدا صلى الله عليه وسلم يريدكم ، فخذوا حذركم ، فأنزل الله { لا تخونوا الله والرسول } الآية .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن قتادة رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية { لا تخونوا الله والرسول } في أبي لبابة بن عبد المنذر ، سألوه يوم قريظة ما هذا الأمر ؟ فأشار إلى حلقه أنه الذبح ، فنزلت قال أبو لبابة رضي الله عنه : ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله .

وأخرج سنيد وابن جرير عن الزهري رضي الله عنه في قوله { لا تخونوا الله والرسول . . . } الآية . قال " نزلت في أبي لبابة رضي الله عنه ، بعثه رسول الله فأشار إلى حلقه أنه الذبح ، فقال أبو لبابة رضي الله عنه : لا والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب علي ، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه ، ثم تاب الله عليه فقيل له : يا أبا لبابة قد تيب عليك . قال : لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني . فجاءه فحله بيده " .

وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا لبابة رضي الله عنه إلى قريظة وكان حليفا لهم ، فأومأ بيده أي الذبح ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } فقال رسول الله لامرأة أبي لبابة . أيصلي ويصوم ويغتسل من الجنابة ؟ فقالت : إنه ليصلي ويصوم ويغتسل من الجنابة ويحب الله ورسوله . فبعث إليه فأتاه فقال : يا رسول الله والله أني لأصلي وأصوم وأغتسل من الجنابة . وإنما نهست إلى النساء والصبيان فوقعت لهم ما زالت في قلبي حتى عرفت أني خنت الله ورسوله " .

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول } قال : نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه نسختها الآية التي في براءة ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) ( التوبة الآية 102 ) .

وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال " لما كان شأن بني قريظة ، بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه فيمن كان عنده من الناس ، انتهى إليهم وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس أبلق ، فقالت عائشة رضي الله عنها : فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح الغبار عن وجه جبريل عليه السلام ، فقلت : هذا دحية يا رسول الله ؟ قال : هذا جبريل . فقال : يا رسول الله ما يمنعك من بني قريظة أن تأتيهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكيف لي بحصنهم ؟ فقال جبريل عليه السلام : إني أدخل فرسي هذا عليهم ، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا معرورا ، فلما رآه علي رضي الله عنه قال : يا رسول الله لا عليك أن لا تأتيهم فإنهم يشتمونك . فقال : كلا إنها ستكون تحية ، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أخوة القردة والخنازير . فقالوا : يا أبا القاسم ما كنت فحاشا . . . ؟ ! فقالوا : لا ننزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم ولكننا ننزل على حكم سعد بن معاذ ، فنزلوا فحكم فيهم : أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذراريهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بذلك طرقني الملك سحرا ، فنزل فيهم { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } نزلت في أبي لبابة رضي الله عنه ، أشار إلى بني قريظة حين قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه ، لا تفعلوا فإنه الذبح وأشار بيده إلى حلقه " .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لا تخونوا الله } قال : بترك فرائضه { والرسول } بترك سنته وارتكاب معصيته { وتخونوا أماناتكم } يقول : لا تنقضوها والأمانة التي ائتمن الله عليها العباد .

وأخرج ابن جرير عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه .

وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه في قوله { لا تخونوا الله والرسول } هو الإخلال بالسلاح في المغازي .