ثم قال : { ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن الضمير في قوله : { ما أشهدتهم } إلى من يعود ؟ فيه وجوه : أحدها : وهو الذي ذهب إليه الأكثرون أن المعنى ما أشهدت الذي اتخذتموهم أولياء خلق السماوات والأرض ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله : { اقتلوا أنفسكم } يعني ما أشهدتهم لأعتضد بهم والدليل عليه قوله : { وما كنت متخذ المضلين عضدا } أي وما كنت متخذهم فوضع الظاهر موضع المضمر بيانا لإضلالهم وقوله : { عضدا } أي أعوانا . وثانيها : وهو أقرب عندي أن الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد من مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال : إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل قوله تعالى : { ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم } ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة ، بل هم قوم كسائر الخلق ، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد ؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد ولا ذرية المملكة حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة ، فلم تقدم عليها والذي يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات . وفي هذه الآية المذكورة الأقرب هو ذكر أولئك الكفار وهو قوله تعالى : { بئس للظالمين بدلا } والمراد بالظالمين أولئك الكفار . وثالثها : أن يكون المراد من قوله : { ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم } كون هؤلاء الكفار جاهلين بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة والشقاوة . فكأنه قيل لهم السعيد من حكم الله بسعادته في الأزل والشقي من حكم الله بشقاوته في الأزل ، وأنتم غافلون عن أحوال الأزل كأنه تعالى قال : { ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم } وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والعلو والكمال ولغيركم بالدناءة والذل ، بل ربما صار الأمر في الدنيا والآخرة على العكس فيما حكمتم به .
المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف » قرئ وما كنت بالفتح ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم ، وما ينبغي لك أن تعتز بهم . وقرأ علي رضوان الله عليه : { متخذ المضلين } بالتنوين على الأصل . وقرأ الحسن : { عضدا } بسكون الضاد ونقل ضمتها إلى العين ، وقرئ : { عضدا } بالفتح وسكون الضاد { وعضدا } بضمتين { وعضدا } بفتحتين جمع عاضد كخادم وخدم وراصد ورصد من عضده إذا قواه وأعانه ،
{ ما أشهدتُهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم } نفى إحضار إبليس وذريته خلق السماوات والأرض ، وإحضار بعضهم خلق بعض ليدل على نفي الاعتضاد بهم في ذلك كما صرح به بقوله : { وما كنت مُتّخذ المضلّين عضُداً } أي أعوانا رداً لاتخاذهم أولياء من دون الله شركاء له في العبادة ، فإن استحقاق العبادة من توابع الخالقية والاشتراك فيه يستلزم الاشتراك فيها ، فوضع { المضلين } موضع الضمير ذما لهم واستبعادا للاعتضاد بهم . وقيل الضمير للمشركين والمعنى : ما أشهدتهم خلق ذلك وما خصصتهم بعلوم لا يعرفها غيرهم حتى لو آمنا اتبعهم الناس كما يزعمون ، فلا تلتفت إلى قولهم طمعا في نصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضد بالمضلين لديني . ويعضده قراءة من قرأ { وما كنت } على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقرئ { متخذا المضلين } على الأصل و{ عضداً } بالتخفيف و{ عضدا } بالاتباع و{ عضداً } كخدم جمع عاضد من عضده إذا قواه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.