مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (95)

ثم بين تعالى أن تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد ، وإنما يدبرهم بما يكون إلى الإيمان أقرب فقال : { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة } لأن ورود النعمة في البدن والمال بعد البأساء والضراء ، يدعو إلى الانقياد والاشتغال بالشكر ، ومعنى الحسنة والسيئة ههنا الشدة والرخاء . قال أهل اللغة : ( السيئة ) كل ما يسوء صاحبه ، و( الحسنة ) ما يستحسنه الطبع والعقل ، والمعنى : أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة ، وبالرخاء أخرى . وقوله : { حتى عفوا } قال الكسائي : يقال : قد عفا الشعر وغيره ، إذا كثر ، يعفو فهو عاف ومنه قوله تعالى : { حتى عفوا } يعني كثروا ومنه ما ورد في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام ، أمر أن تحف الشوارب ، وتعفى اللحى يعني توفر وتكثر وقوله : { وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء } فالمعنى : أنهم متى نالهم شدة قالوا : ليس هذا بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل وتلك عادة الدهر ، ولم يكن ما مسنا من البأساء والضراء عقوبة من الله وهذه الحكاية تدل على أنهم لم ينتفعوا بما دبرهم الله عليه من رخاء بعد شدة ، وأمن بعد خوف ، بل عدلوا إلى أن هذه عادة الزمان في أهله ، فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد ، ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة ، فبين تعالى أنه أزال عذرهم وأزاح علتهم ، فلم ينقادوا ولم ينتفعوا بذلك الإمهال ، وقوله : { فأخذناهم بغتة } والمعنى : أنهم لما تمردوا على التقديرين ، أخذهم الله بغتة أينما كانوا ، ليكون ذلك أعظم في الحسرة . وقوله : { وهم لا يشعرون } أي يرون العذاب والحكمة في حكاية هذا المعنى أن يحصل الاعتبار لمن سمع هذه القصة وعرفها .

 
المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (95)

95- ثم لما لم يفعلوا ذلك ، واستمروا في كفرهم وعنادهم ، امتحناهم بالعافية مكان البلاء استدراجاً ، فأعطيناهم رخاء وسعة وصحة وعافية ، حتى كثروا ونموَّا في أموالهم وأنفسهم ، وقالوا لجهلهم : إن ما أصاب آباءنا من المحن والبلايا والرفاهية والنعيم ، فذلك شأن الدهر ، يُدَاول الضرَّاء والسَرَّاء بين الناس ، من غير أن ينتبهوا إلى أن هذا جزاء كفرهم فيرتدعوا وبهذا جهلوا سنته - جل شأنه - في أسباب الصلاح والفساد في البشر ، وما يترتب عليهما من السعادة والشقاء فكانت عاقبة ذلك أن أصابهم الله بالعذاب المدمر فجأة ، وهم فاقدون للشعور بما سيحل بهم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (95)

المفردات :

السيئة : هي كل ما يسوء .

الحسنة : كل ما يستحسنه العقل والطبع .

عفوا : أي : كثروا عددا ومالا يقال : عفا النبات إذا كثر .

مس آباءنا : أي : أصاب آباءنا .

بغتة : فجأة .

التفسير :

{ 95 -ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا . . . }الآية .

المراد بالسيئة ما يسوء ويحزن كالشدائد والمرض ، وبالحسنة : السعة والصحة وأنواع الخيرات .

أي : ثم بعد أن ابتلينا هؤلاء الغافلين بالبأساء والضراء ، رفعنا ذلك عنهم ، وابتليناهم بضدّه ، بأن أعطيناهم بدل المصائب نعما فإذا الرخاء ينزل بهم مكان الشدّة ، واليسر مكان العسر ، والعافية بدل الضرّ والذرية بدل العقم ، والكثرة بدل القلة ، والأمن محل الخوف .

حتى عفوا : حتى كثروا ونموا في أموالهم وأنفسهم ومستهم العافية ، فالعفو أصله من العافية التي يتبعها النماء والزيادة ، كما جاء في قوله تعالى : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } . ( البقرة : 219 ) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( احفوا الشوارب واعفوا اللحى )5 . أي : قصّروا الشوارب واتركوا اللحى حتى تكثر وتنموا .

ولما زاد مالهم وكثر عددهم ؛ أبطرتهم النعمة ، وأطغتهم الكثرة فلم يشكروا الله ولم يحمدوه .

{ وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء } .

أي : قالوا جحودا للنعمة وكفرانا بالإحسان : قد أصاب آباءنا من قبلنا البأساء والنعماء ولسنا بدعا منهم فما أصابنا على نمط ما أصابهم وهذا شأن الدّهر يداول السراء والضراء بين الناس فليس ذلك إنذارا لنا .

{ فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } .

أي : فكان عاقبة بطرهم وأشرهم وغفلتهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة ، من غير شعور منهم بذلك ، ولا خطور شيء من المكارم ببالهم .

لقد أسرفوا بدون تخرج وارتكبوا كل كبيرة تقشعر لها الأبدان بدون اكتراث ، وأرسل الله لهم العير من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم ومع كل ذلك لم يعتبروا ولم يتعظوا ، وظنوا أنهم سيعيشون حياتهم في نعيم ورغد بدون محاسبة لهم على أعمالهم القبيحة وأقوالهم الذميمة .

ثم فاجأهم العذاب بغتة بدون توقع منهم ولا استشعار لما يحيق بهم ، جزاء عدو أنهم .

وفي هذا المعنى قال تعالى : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون }( الأنعام : 44 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (95)

{ ثُمَّ ْ } إذا لم يفد فيهم ، واستمر استكبارهم ، وازداد طغيانهم .

{ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ْ } فَأدَرَّ عليهم الأرزاق ، وعافى أبدانهم ، ورفع عنهم البلاء { حَتَّى عَفَوْا ْ } أي : كثروا ، وكثرت أرزاقهم وانبسطوا في نعمة اللّه وفضله ، ونسوا ما مر عليهم من البلاء . { وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ْ } أي : هذه عادة جارية لم تزل موجودة في الأولين واللاحقين ، تارة يكونون في سراء وتارة في ضراء ، وتارة في فرح ، ومرة في ترح ، على حسب تقلبات الزمان وتداول الأيام ، وحسبوا أنها ليست للموعظة والتذكير ، ولا للاستدراج والنكير حتى إذا اغتبطوا ، وفرحوا بما أوتوا ، وكانت الدنيا ، أسر ما كانت إليهم ، أخذناهم بالعذاب { بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ْ } أي : لا يخطر لهم الهلاك على بال ، وظنوا أنهم قادرون على ما آتاهم اللّه ، وأنهم غير زائلين ولا منتقلين عنه .