{ رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين } ولو كانت إعانة المؤمن ههنا سببا للمعصية لما قال ذلك .
وأما قوله : { فعلتها إذا وأنا من الضالين } فلم يقل إني صرت بذلك ضالا ، ولكن فرعون لما ادعى أنه كان كافرا في حال القتل نفى عن نفسه كونه كافرا في ذلك الوقت ، واعترف بأنه كان ضالا أي متحيرا لا يدري ما يجب عليه أن يفعله وما يدبر به في ذلك . أما قوله إن كان كافرا حربيا فلم استغفر عن قتله ؟ قلنا كون الكافر مباح الدم أمر يختلف باختلاف الشرائع فلعل قتلهم كان حراما في ذلك الوقت ، أو إن كان مباحا لكن الأولى تركه على ما قررنا ، قوله ذلك القتل كان قتل خطأ ، قلنا لا نسلم فلعل الرجل كان ضعيفا وموسى عليه السلام كان في نهاية الشدة ، فوكزه كان قاتلا قطعا . ثم إن سلمنا ذلك ولكن لعله عليه السلام كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون ذلك الوكز الذي كان الأولى تركه ، فلهذا أقدم على الاستغفار على أنا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية لكنا بينا أنه لا دليل البتة على أنه كان رسولا في ذلك الوقت فيكون ذلك صادرا منه قبل النبوة ، وذلك لا نزاع فيه .
المسألة الخامسة : قالت المعتزلة الآية دلت على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله تعالى لأنه عليه السلام قال : { هذا من عمل الشيطان } فنسب المعصية إلى الشيطان ، فلو كانت بخلق الله تعالى لكانت من الله لا من الشيطان وهو كقول يوسف عليه السلام { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } وقول صاحب موسى عليه السلام : { وما أنسانيه إلا الشيطان } وقوله تعالى : { لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } .
أما قوله : { رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين } ففيه وجوه . أحدها : أن ظاهره يدل على أنه قال إنك لما أنعمت علي بهذا الإنعام فإني لا أكون معاونا لأحد من المجرمين بل أكون معاونا للمسلمين ، وهذا يدل على أن ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية ، إذ لو كانت معصية ، لنزل الكلام منزلة ما إذا قيل إنك لما أنعمت علي بقبول توبتي عن تلك المعصية فإني أكون مواظبا على مثل تلك المعصية . وثانيها : قال القفال : كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرما ، والباء للقسم أي بنعمتك علي . وثالثها : قال الكسائي والفراء إنه خبر ، ومعناه الدعاء كأنه قال فلا تجعلني ظهيرا ، قال الفراء وفي حرف عبد الله { فلا تجعلني ظهيرا } ، واعلم أن في الآية دلالة على أنه لا يجوز معاونة الظلمة والفسقة . وقال ابن عباس : لم يستثن ولم يقل فلن أكون ظهيرا إن شاء الله ، فابتلي به في اليوم الثاني ، وهذا ضعيف لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة ، وإنما خاف منه ذلك العدو فقال : { إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض } لا أنه وقع منه .
{ قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ } فوجهه ظاهر ، والباء في بما للقسم ، وما مصدرية وجواب القسم محذوف أي أقسم بإنعامك علي لأمتنعن عن مثل هذا الفعل .
وقيل : لأتوبن ، وقوله تعالى : { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } عطف على الجواب ، ولعل المراد بإنعامه تعالى عليه حفظه إياه من شر فرعون ورده إلى أمه وتمييزه على سائر بني إسرائيل ونحو ذلك .
وقيل المراد به مغفرته له وهو غير بعيد ، ومعرفته عليه السلام أنه سبحانه غفر له إذا كان هذا القول قبل النبوة بإلهام أو رؤيا ، والظهير المعين ، والمجرمين جمع مجرم والمراد به من أوقع غيره في الجرم أو من أدت معاونته إلى جرم كالإسرائيلي الذي خاصمه القبطي فأدت معاونته إلى جرم في نظر موسى عليه السلام فيكون في المجرمين مجاز في النسبة للإسناد إلى السبب ، وجوز أن يراد بذلك الكفار وعنى بهم من استغاثه ونحوه بناءً على أنه لم يكن أسلم ، وقيل : أراد بالمجرمين فرعون وقومه ، والمعنى أقسم بإنعامك علي لأتوبن فلن أكون معيناً للكفار بأن أصحبهم وأكثر سوادهم ، وقد كان عليه السلام يصحب فرعون ويركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون ولا يخفى أن ما تقدم أنسب بالمقام ، وجوز أن تكون الباء للقسم الاستعطافي على أنها متعلقة بفعل دعاء محذوف ، وجملة فلن أكون الخ متفرعة عليه ، والفاء واقعة في جواب الدعاء أو الشرط المقدر أي بحق إنعامك علي اعصمني فلم أكون الخ أو إن عصمتني فلن أكون الخ والقسم الاستعطافي ما أكد به جملة طلبية نحو قولك بالله تعالى زرني وغير الاستعطافي ما أكد به جملة خبرية نحو والله تعالى لأقومن ، وإلى هذا ذهب ابن الحاجب ، وقيل : القسم الاستعطافي ما كان المقسم به مشعراً بعطف وحنو نحو بكرمك الشامل أنعم علي وهو صادق على ما هنا ، وغير الاستعطافي ما كان المقسم به أعم من ذلك ، وعلى القولين هما قسمان من مطلق القسم ، وظاهر كلام الزمخشري أن المتبادر من القسم ما يؤكد به الكلام الخبري . وينعقد منه يمين فما يكون المراد به الاستعطاف قسيم له وجعل بعضهم إطلاق القسم على الاستعطافي تجوزاً ، ويبعد إرادة الاستعطاف هنا ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن موسى عليه السلام لم يستثن أي لم يقل إن شاء الله تعالى فابتلى به أي بالكون ظهيراً للمجرمين مرة أخرى وهو ما في قوله تعالى : { فَإِذَا الذي استنصره } [ القصص : 18 ] الخ لأن الاستثناء لا يناسب الاستعطاف لكون النفي معلقاً بعصمة الله عز وجل ، وجوز أن تكون الباء سببية متعلقة بفعل مقدر يعطف عليه لن أكون الخ وما موصولة ، والمعنى بسبب الذي أنعمته علي من القوة أشكرك فلن أستعملها إلا في مظاهرة أوليائك ولا أدع قبطياً يغلب إسرائيلياً وهو إلزام لنفسه بنصرة أوليائه عز وجل كالنذر وليس هناك قسم بوجه خلافاً لمن توهم ذلك ولا يخفى أن هذا وإن لم يبعده الأثر لا يخلو عن بعد نظر إلى السباق ، و { لَنْ } على جميع الأوجه المذكورة للنفي وفي «البحر » قيل : إنها للدعاء وحكى ابن هشام رده بأن فعل الدعاء لا يسند إلى المتكلم بل إلى المخاطب أو الغائب نحو يا رب لا عذبت فلاناً ، ويجوز لا عذب الله تعالى عمراً ثم قال ويرده قوله :
ثم لا زلت لكم خالداً خلود الجبال *** ، ولا يخفى عليك أن كونها للدعاء على الوجه الأخير في الآية غير ظاهر وعلى الوجه الأول لا يخلو عن خفاء فلعل من جعلها للدعاء حمل بما أنعمت عليّ على الاستعطاف وعلق الجار والمجرور بنحو اعصمني وجعل الفاء تفسيرية ولن أكون الخ تفسيراً لذلك المحذوف كما قيل : في قوله تعالى : { استجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا } [ الأنبياء : 84 ] فليتدبر ، واحتج أهل العلم بهذه الآية على المنع من معونة الظلمة وخدمتهم .
أخرج عبد بن حميد . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن عبيد الله بن الوليد الرصافي أنه سأل عطاء بن أبي رباح عن أخل له كاتب فقال له : إن أخي ليس له من أمور السلطان شيء إلا أنه يكتب له بقلم ما يدخل وما يخرج فإن ترك قلمه صار عليه دين واحتاج وإن أخذ به كان له فيه غنى قال : لمن يكتب ؟ قال : لخالد بن عبد الله القسري قال : ألم تسمع إلى ما قال العبد الصالح : { رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } فلا يهتم أخوك بشيء وليرم بقلمه فإن الله تعالى سيأتيه برزق ، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حنظلة جابر بن حنظلة الضبي الكاتب قال : قال رجل لعامر يا أبا عمرو إني رجل كاتب أكتب ما يدخل وما يخرج آخذ رزقاً أستغني به أنا وعيالي قال : فلعلك تكتب في دم يسفك قال : لا . قال : فلعلك تكتب في مال يؤخذ قال : لا . قال : فلعلك تكتب في دار تهدم قال : لا . قال : أسمعت بما قال موسى عليه السلام : { رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } قال : أبلغت إلى أيا أبا عمرو والله عز وجل لا أخط لهم بقلم أبداً قال والله تعالى لا يدعك الله سبحانه بغير رزق أبداً . وقد كان السلف يجتنبون كل الاجتناب عن خدمتهم . أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سلمة بن نبيط قال بعث عبد الرحم بن مسلم إلى الضحاك فقال : اذهب بعطاء أهل بخارى فأعطهم فقال أعفني فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه فقال له بعض أصحابه : ما عليك أن تذهب فتعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئاً فقال لا أحب أن أعين الظلمة في شيء من أمرهم وإذا صح حديث ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة حتى من لاق لهم دواة أو برى لهم قلماً فيجمعون في تابوت من حديد فيرمى بهم في جهنم فليبك من علم أنه من أعوانهم على نفسه وليقلع عما هو عليه قبل حلول رمسه ، ومما يقصم الظهر ما روي عن بعض الأكابر أن خياطاً سأله فقال : أنا ممن يخيط للظلمة فهل أعد من أعوانهم ؟ فقال : لا . أنت منهم والذي يبيعك الإبرة من أعوانهم فلا حول ولا قوة إلا بائا تعالى العلي العظيم ، ويا حسرتا على من باع دينه بدنياه واشترى رضا الظلمة بغضب مولاه . هذا وقد بلغ السيل الزبى وجرى الوادي فطم على القرى .