ثم بين أن تزوجه عليه السلام بها مع أنه كان مبينا لشرع مشتمل على فائدة كان خاليا من المفاسد فقال : { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا } يعني كان شرع من تقدمه كذلك ، كان يتزوج الأنبياء بنسوة كثيرة أبكار ومطلقات الغير { وكان أمر الله قدرا مقدورا } أي كل شيء بقضاء وقدر والقدر التقدير وبين المفعول والمقدور فرق مقول بين القضاء والقدر ، فالقضاء ما كان مقصودا في الأصل والقدر ما يكون تابعا له ، مثاله من كان يقصد مدينة فنزل بطريق تلك المدينة بخان أو قرية يصح منه في العرف أن يقول في جواب من يقول لم جئت إلى هذه القرية ؟ إني ما جئت إلى هذه وإنما قصدت المدينة الفلانية وهذه وقعت في طريقي وإن كان قد جاءها ودخلها وإذا عرفت هذا فإن الخير كله بقضاء وما في العالم من الضرر بقدر ، فالله تعالى خلق المكلف بحيث يشتهي ويغضب ، ليكون اجتهاده في تغليب العقل والدين عليهما مثابا عليه بأبلغ وجه فأفضى ذلك في البعض إلى أن زنى وقتل فالله لم يخلقهما فيه مقصودا منه القتل والزنا وإن كان ذلك بقدر الله إذا علمت هذا ففي قوله تعالى أولا { وكان أمر الله مفعولا } وقوله ثانيا { وكان أمر الله قدرا مقدورا } لطيفة وهي أنه تعالى لما قال { زوجناكها } قال { وكان أمر الله مفعولا } أي تزويجنا زينب إياك كان مقصودا متبوعا مقضيا مراعى ، ولما قال : { سنة الله في الذين خلوا } إشارة إلى قصة داود عليه السلام حيث افتتن بامرأة أوريا قال : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } أي كان ذلك حكما تبعيا ، فلو قال قائل هذا قول المعتزلة بالتوليد والفلاسفة بوجوب كون الأشياء على وجوه مثل كون النار تحرق حيث قالوا الله تعالى أراد أن يخلق ما ينضج الأشياء وهو لا يكون إلا محرقا بالطبع فخلق النار للنفع فوقع اتفاق أسباب أوجبت احتراق دار زيد أو دار عمرو ، فنقول معاذ الله أن نقول بأن الله غير مختار في أفعاله أو يقع شيء لا باختياره ، ولكن أهل السنة يقولون أجرى الله عادته بكذا أي وله أن يخلق النار بحيث عند حاجة إنضاج اللحم تنضج وعند مساس ثوب العجوز لا تحرق ، ألا ترى أنها لم تحرق إبراهيم عليه السلام مع قوتها وكثرتها لكن خلقها على غير ذلك الوجه بمحض إرادته أو لحكمة خفية ولا يسأل عما يفعل ، فنقول ما كان في مجرى عادته تعالى على وجه تدركه العقول البشرية نقول بقضاء ، وما يكون على وجه يقع لعقل قاصر أن يقول لم كان ولماذا لم يكن على خلافه نقول بقدر .
وقد قامت قيامة المبشّرين والمستشرقين لهذا الحادث وكتبوا فيه وأوّلوا وأطلقوا لخيالهم العِنان ، وهم يعلمون حقَّ العلم أن الرسول الكريم كان مبشّرا ونذيراً ومعلّماً وداعيا إلى الله بإذنه ومشرعاً يريد أن يهدِم عاداتِ الجاهلية ، ولذلك يقول تعالى : { مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً } :
ما كان على النبي من إثمٍ في عمل أمره الله به ، فلا حرجَ في هذا الأمر ، وليس النبي فيه بِدعاً بين الرسل ، فهو أمرٌ يمضي وَفقَ سنّة الله التي لا تتبدل في الأنبياء الذي مضوا .
{ مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ } أي ما صح وما استقام في الحكمة أن يكون له حرج { فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ } أي قسم له صلى الله عليه وسلم وقدر من قولهم : فرض له في الديوان كذا ، ومنه فروض العساكر لما يقطعه السلطان لهم ويرسم به ، وقال قتادة : أي فيما أحل له ، وقال الحسن : فيما خصه به من صحة النكاح بلا صداق ، وقال الضحاك : من الزيادة على الأربع { سُنَّةَ الله } أي سن الله تعالى ذلك سنة فهو مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه ، والجملة مؤكدة لما قبلها من نفي الحرج ، وذهب الزمخشري إلى أنه اسم موضوع موضع المصدر كقولهم : ترباً وجندلاً أي رغماً وهواناً وخيبة ، وكأنه لم تثبت عنده مصدريته ، وقيل منصوب بتقدير الزم ونحوه .
قال ابن عطية : ويجوز أن يكون نصباً على الإغراء كأنه قيل : فعليه سنة الله . وتعقبه أبو حيان بأنه ليس يجيد لأن عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه ، وأيضاً تقدير فعليه سنة الله بضمير الغائب لا يجوز إذ لا يغري غائب وقولهم عليه رجلاً ليسني مؤول وهو مع ذلك نادر . واعترض بأن قوله : لأن عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه ممنوع ، وهو خلاف ما يفهم من كتب النحو وبأن ما ذكره في أمر إغراء الغائب مسلم لكن يمكن توجيهه كما لا يخفى ، ثم قيل : إن ظاهر كلام ابن عطية يشعر بأن النصب بتقدير الزم قسيم للنصب على الإغراء وليس كذلك بل هو قسم منه اه فتدبر .
{ فِي الذين خَلَوْاْ } أي مضوا { مِن قَبْلُ } أي من قبلك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث لم يحرج جل شأنه عليهم في الإقدام على ما أحل لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره وقد كانت تحتهم المهائر والسراري وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة وثلاثمائة سرية ولسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي أنه كان له عليه السلام ألف امرأة ، والظاهر أنه عنى بالمرأة ما يقابله السرية ويحتمل أنه أراد بها الأعم فيوافق ما قبله . يروى أن اليهود قاتلهم الله تعالى عابوه وحاشاه من العيب صلى الله عليه وسلم بكثرة النكاح وكثرة الأزواج فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه : { سُنَّةَ الله } الآية .
وقيل : إنه جل وعلا أشار بذلك إلى ما وقع لداود عليه السلام من تزوجه امرأة أوريا . وأخرج ذلك ابن المنذر . والطبراني عن ابن جريج ، واسم تلك الامرأة عنده أليسية وهذا مما لا يلتفت إليه ، والقصة عند المحققين لا أصل لها { وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً } أي عن قدر أو ذا قدر ووصفه بمقدور نحو وصف الظل بالظليل والليل بالأليل في قولهم ظل ظليل وليل أليل في قصد التأكيد ، والمراد بالقدر عند جمع المعنى المشهور للقضاء وهو الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه ، وجوز كونه بالمعنى المشهور له وهو إيجاد الأشياء على قدر مخصوص وكمية معينة من وجوه المصلحة وغيرها ، والمعنى الأول أظهر ، والقضاء والقدر يستعمل كل منهما بمعنى الآخر وفسر الأمر بنحو ما فسر به فيما سبق .
وجوز أن يراد به الأمر الذي هو واحد الأوامر من غير تأويل ويراد أن أتباع أمر الله تعالى المنزل على أنبيائه عليهم السلام والعمل بموجبه لازم مقضي في نفسه أو هو كالمقضي في لزوم إتباعه ، ولا يخفى تكلفه ، وظاهر كلام الإمام اختيار أن الأمر واحد الأمور وفرق بين القضاء والقدر بما لم نقف عليه لغيره فقال ما حاصله . القضاء ما يكون مقصوداً له تعالى في الأصل والقدر ما يكون تابعاً والخير كله بقضاء وما في العالم من الضرر بقدر كالزنا والقتل ثم بنى على ذلك لطيفة وهو أنه لما قال سبحانه : { زوجناكها } [ الأحزاب : 37 ] ذيله بأمراً مفعولاً لكونه مقصوداً أصلياً وخيراً مقضياً ولما قال جل شأنه : { سُنَّةَ الله في الذين خَلَوْاْ } إشارة إلى قصة داود عليه السلام حيث افتتن بامرأة أوريا قال سبحانه : { قَدَراً مَّقْدُوراً } لكون الافتتان شراً غير مقصود أصلي من خلق المكلف ، وفيه ما فيه ، والجملة اعتراض وسط بين الموصولين الجاريين مجرى الواحد للمسارعة إلى تقرير نفي الحرج وتحقيقه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.