مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ} (27)

ثم قال تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها } .

وهذا استدلال بدليل آخر على وحدانية الله وقدرته وفي تفسيرها مسائل :

المسألة الأولى : ذكر هذا الدليل على طريقة الاستخبار ، وقال : { ألم تر } وذكر الدليل المتقدم على طريقة الإخبار وقال : { والله الذي أرسل الرياح } وفيه وجهان الأول : أن إنزال الماء أقرب إلى النفع والمنفعة فيه أظهر فإنه لا يخفى على أحد في الرؤية أن الماء منه حياة الأرض فعظم دلالته بالاستفهام لأن الاستفهام الذي للتقرير لا يقال إلا في الشيء الظاهر جدا كما أن من أبصر الهلال وهو خفي جدا ، فقال له غيره أين هو ، فإنه يقول له في الموضع الفلاني ، فإن لم يره ، يقول له الحق معك إنه خفي وأنت معذور ، وإذا كان بارزا يقول له أما تراه هذا هو ظاهرا والثاني : وهو أنه ذكره بعدما قرر المسألة بدليل آخر وظهر بما تقدم للمدعو بصارة بوجوه الدلالات ، فقال له أنت صرت بصيرا بما ذكرناه ولم يبق لك عذر ، ألا ترى هذه الآية .

المسألة الثانية : المخاطب من هو يحتمل وجهين أحدهما : النبي صلى الله عليه وسلم وفيه حكمة وهي أن الله تعالى لما ذكر الدلائل ولم تنفعهم قطع الكلام معهم والتفت إلى غيرهم ، كما أن السيد إذا نصح بعض العبيد ومنعهم من الفساد ولا ينفعهم الإرشاد ، يقول لغيره اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول ويكون فيه إشعار بأن الأول فيه نقيصة لا يستأهل للخطاب فيتنبه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة والآخر : أن لا يخرج إلى كلام أجنبي عن الأول ، بل يأتي بما يقاربه لئلا يسمع الأول كلاما آخر فيترك التفكر فيما كان فيه من النصيحة .

المسألة الثالثة : هذا استدلال على قدرة الله واختياره حيث أخرج من الماء الواحد ممرات مختلفة وفيه لطائف الأولى : قال أنزل وقال أخرجنا . وقد ذكرنا فائدته ونعيدها فنقول : قال الله تعالى : { الم تر أن الله أنزل } فإن كان جاهلا يقول نزول الماء بالطبع لثقله فيقال له ، فالإخراج لا يمكنك أن تقول فيه إنه بالطبع فهو بإرادة الله ، فلما كان ذلك أظهر أسنده إلى المتكلم ووجه آخر : هو أن الله تعالى لما قال : { أن الله أنزل } علم الله بدليل ، وقرب المتفكر فيه إلى الله تعالى فصار من الحاضرين ، فقال له أخرجنا لقربه ووجه ثالث : الإخراج أتم نعمة من الإنزال ، لأن الإنزال لفائدة الإخراج فأسند الأتم إلى نفسه بصيغة المتكلم وما دونه بصيغة الغائب .

اللطيفة الثانية : قال تعالى : { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك } .

كأن قائلا قال اختلاف الثمرات لاختلاف البقاع . ألا ترى أن بعض النباتات لا تنبت ببعض البلاد كالزعفران وغيره ، فقال تعالى اختلاف البقاع ليس إلا بإرادة الله وإلا فلم صار بعض الجبال فيه مواضع حمر ومواضع بيض ، والجدد جمع جدة وهي الخطة أو الطريقة ، فإن قيل الواو في : { ومن الجبال } ما تقديرها ؟ نقول هي تحتمل وجهين أحدهما : أن تكون للاستئناف كأنه قال تعالى وأخرجنا بالماء ثمرات مختلفة الألوان ، وفي الأشياء الكائنات من الجبال جدد بيض دالة على القدرة ، رادة على من ينكر الإرادة في اختلاف ألوان الثمار ثانيهما : أن تكون للعطف تقديرها وخلق من الجبال . قال الزمخشري : أراد ذو جدد واللطيفة الثالثة : ذكر الجبال ولم يذكر الأرض كما قال في موضع آخر : { وفي الأرض قطع متجاورات } مع أن هذا الدليل مثل ذلك ، وذلك لأن الله تعالى لما ذكر في الأول : { أخرجنا به ثمرات } كان نفس إخراج الثمار دليلا على القدرة ثم زاد عليه بيانا ، وقال مختلفا كذلك في الجبال في نفسها دليل للقدرة والإرادة ، لأن كون الجبال في بعض نواحي الأرض دون بعضها والاختلاف الذي في هيئة الجبل فإن بعضها يكون أخفض وبعضها أرفع دليل القدرة والاختيار ، ثم زاده بيانا وقال { جدد بيض } ، أي مع دلالتها بنفسها هي دالة باختلاف ألوانها ، كما أن إخراج الثمرات في نفسها دلائل واختلاف ألوانها دلائل .

المسألة الرابعة : { مختلف ألوانها } ، الظاهر أن الاختلاف راجع إلى كل لون أي بيض مختلف ألوانها وحمر مختلف ألوانها ، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص ، وقد يكون على لون التراب الأبيض دون بياض الجص ، وكذلك الأحمر ، ولو كان المراد أن البيض والحمر مختلف الألوان لكان مجرد تأكيد والأول أولى ، وعلى هذا فنقول لم يذكر مختلف ألوانها بعد البيض والحمر والسود ، بل ذكره بعد البيض والحمر وأخر السود الغرابيب ، لأن الأسود لما ذكره مع المؤكد وهو الغرابيب يكون بالغا غاية السواد فلا يكون فيه اختلاف .

المسألة الخامسة : قيل بأن الغربيب مؤكد للأسود ، يقال أسود غربيب والمؤكد لا يجيء إلا متأخرا فكيف جاء غرابيب سود ؟ نقول قال الزمخشري : غرابيب مؤكد لذي لون مقدر في الكلام كأنه تعالى قال سواد غرابيب ، ثم أعاد السود مرة أخرى وفيه فائدة وهي زيادة التأكيد لأنه تعالى ذكره مضمرا ومظهرا ، ومنهم من قال هو على التقديم والتأخير ،

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ} (27)

جدد : واحدها جدة ، وهي الطرق المختلفة الألوان في الجبل ونحوه .

غرابيب : واحدها غربيب وهو شديد السواد .

ألم تشاهد أيها الرائي ، أنا خلقنا الأشياء المختلفة من الشيء الواحد ، فأنزلنا من السماءِ ماءً وأخرجنا به ثمراتٍ مختلفةً ألوانُها وطعمها ورائحتها .

{ وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ } : وخلق في الجبال طرقاً بيضاً وحمرا وذات ألوان أخرى ، وجعل منها جبالاً سودا حالكة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ} (27)

{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } الخ استئناف مسوق على ما يخطر بالبال لتقرير ما أشعر به قوله تعالى : { ثُمَّ أَخَذْتُ الذين كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } [ فاطر : 26 ] من عظيم قدرته عز وجل . وقال شيخ الإسلام : هو لتقرير ما قبله من اختلاف الناس ببيان أن الاختلاف والتفاوت أمر مطرد في جميع المخلوقات من النبات والجماد والحيوان .

وقال أبو حيان : تقرير لوحدانيته تعالى بأدلة سماوية وأرضية أثر تقريرها بأمثال ضربها جل شأنه ، وهذا كما ترى ، والاستفهام للتقرير والرؤية قلبية لأن إنزال المطر وإن كان مدركاً بالبصر لكن إنزال الله تعالى إياه ليس كذلك ، والخطاب عام أي ألم تعلم أن الله تعالى أنزل من جهة العلو ماء { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } أي بذلك الماء على أنه سبب عادي للإخراج ، وقيل أي أخرجنا عنده ، والالتفات لإظهار كمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبىء عن كمال القدرة والحكمة { ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } أي أنواعها من التفاح والرمان والعنب والتين وغيرها مما لا يحصر ، وهذا كما يقال فلان أتى بألوان من الأحاديث وقدم كذا لوناً من الطعام ، واختلاف كل نوع بتعدد أصنافه كما في التفاح فإن له أصنافاً متغايرة لذة وهيئة وكذا في سائر الثمرات ولا يكاد يوجد نوع منها إلا وهو ذو أصناف متغايرة ، ويجوز أن يراد اختلاف كل نوع باختلاف أفراده .

وأخرج عبد بن حميد . وابن جرير عن قتادة أنه حمل الألوان على معناها المعروف واختلافها بالصفرة والحمرة والخضرة وغيرها ، وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً وهو الأوفق لما في قوله تعالى :

{ وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ } وهو إما عطف على ما قبله بحسب المعنى أو حال وكونه استئنافاً مع ارتباطه بما قبله غير ظاهر ، و { جُدَدٌ } جمع جدة بالضم وهي الطريقة من جده إذا قطعه .

وقال أبو الفضل : هي من الطرائق ما يخالف لونه لون ما يليه ومنه جدة الحمار للخط الذي في وسط ظهره يخالف لونه ، وسأل ابن الأزرق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الجدد فقال طرائق طريقة بيضاء وطريقة خضراء ، وأنشد قول الشاعر :

قد غادر السبع في صفحاتها جددا *** كأنها طرق لاحت على أكم

والكلام على تقدير مضاف إن لم تقصد المبالغة لأن الجبال ليست نفس الطرائق أي ذو جدد . وقرأ الزهري { جُدَدٌ } بضمتين جمع جديدة كسفينة وسفن وهي بمعنى جدة . وقال صاحب اللوامح هو جمع جديد بمعنى آثار جديدة واضحة الألوان . وقال أبو عبيدة : لا مدخل لمعنى الجديدة في هذه الآية . ولعل من يقول بتجدد حدوث الجبال وتكونها من مياه تنبع من الأرض وتتحجر أولاً فأولاً ثم تنبع من موضع قريب مما تحجر فتتحجر أيضاً وهكذا حتى يحصل جبل لا يأبى حمل الآية على هذه القراءة على ما ذكر ، والظاهر من الآيات والأخبار أن الجبال أحدثها الله تعالى بعيد خلق الأرض لئلا تميد بسكانها ، والفلاسفة يزعمون أنها كانت طيناً في بحار انحسرت ثم تحجرت ، وقد أطال الإمام الكلام على ذلك في كتابه المباحث المشرقية واستدل على ذلك بوجود أشياء بحرية كالصدف بين أجزائها ، وهذا عند تدقيق النظر هباء وأكثر الأدلة مثله ، ومن أراد الاطلاع على ما قالوا فليرجع إلى كتبهم .

وروي عنه أيضاً أنه قرأ { جُدَدٌ } بفتحتين ولم يجز ذلك أبو حاتم وقال : إن هذه القراءة لا تصح من حيث المعنى وصححها غيره وقال : الجدد الطريق الواضح المبين إلا أنه وضع المفرد موضع الجمع ولذا وصف بالجمع ، وقيل هو من باب نطفة أمشاج وثوب أخلاق لاشتمال الطريق على قطع .

وتعب بأنه غير ظاهر ولا مناسب لجمع الجبال { مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } أي أصنافها بالشدة والضعف لأنها مقولة بالتشكيك فمختلف صفة بيض وحمر ، و { أَلْوَانُهَا } فاعل له وليس بمبتدأ ، و { مُّخْتَلِفٍ } خبره لوجوب مختلفة حينئذٍ ، وجوز أن يكون صفة { جُدَدٌ } { وَغَرَابِيبُ } عطف على { بَيْضٌ } فهو من تفاصيل الجدد والصفات القائمة بها أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر ، وغرابيب والغربيب هو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب ، وكثر في كلامهم اتباعه للأسود على أنه صفة له أو تأكيد لفظي فقالوا أسود غربيب كما قالوا أبيض يقق وأصفر فاقع وأحمر قاني .

وظاهر كلام الزمخشري أن { غرابيب } هنا تأكيد لمحذوف والأصل وسود غرابيب أي شديدة السواد .

وتعقب بأنه لا يصح إلا على مذهب من يجوز حذف المؤكد ومن النحاة من منع ذلك وهو اختيار ابن مالك لأن التأكيد يقتضي الاعتناء والتقوية وقصد التطويل والحذف يقتضي خلافه . ورده الصفار كما في شرح التسهيل لأن المحذوف لدليل كالمذكور فلا ينافي تأكيده ، وفي بعض شروح المفصل أنه صفة لذلك المحذوف أقيم مقامه بعد حذفه ، وقوله تعالى : { وَغَرَابِيبُ سُودٌ } بدل منه أو عطف بيان له وهو مفسر للمحذوف ، ونظير ذلك قول النابغة :

والمؤمن العائذات الطير يمسحها *** ركبان مكة بين الغيل والسند

وفيه التفسير بعد الإبهام ومزيد الاعتناء بوصف السواد حيث دل عليه من طريق الإضمار والإظهار .

ويجوز أن يكون العطف على { جُدَدٌ } على معنى ومن الجبال ذو جدد مختلف اللون ومنها غرابيب متحدة اللون كما يؤذن به المقابلة وإخراج التركيب على الأسلوب الذي سمعته ، وكأنه لما اعتنى بأمر السواد بإفادة أنه في غاية الشدة لم يذكر بعده الاختلاف بالشدة والضعف .

وقال الفراء : الكلام على التقديم والتأخير أي سود غرابيب ، وقيل ليس هناك مؤكد ولا موصوف محذوف وإنما { غرابيب } معطوف على { الجبال جُدَدٌ } أو على بيض من أول الأمر و { سُودٌ } بدل منه ، قال في «البحر » : وهذا حسن ويحسنه كون غربيب لم يلزم فيه أن يستعمل تأكيداً ، ومنه ما جاء في الحديث إن الله تعالى يبغض الشيخ الغربيب وهو الذي يخضب بالسواد ، وفسره ابن الأثير بالذي لا يشيب أي لسفاهته أو لعدم اهتمامه بأمر آخرته ، وحكي ما في «البحر » بصيغة قيل ، وقول الشاعر :

العين طامحة واليد شامخة *** والرجل لائحة والوجه غربيب