مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ} (35)

ثم قال : { وزخرفا } وله تفسيران ( أحدها ) أنه الذهب ( والثاني ) أنه الزينة ، بدليل قوله تعالى : { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت } فعلى التقدير الأول يكون المعنى ونجعل بهم مع ذلك ذهبا كثيرا ، وعلى الثاني أنا نعطيهم زينة عظيمة في كل باب ، ثم بين تعالى أن كل ذلك متاع الحياة الدنيا ، وإنما سماه متاعا لأن الإنسان يستمتع به قليلا ثم ينقضي في الحال ، وأما الآخرة فهي باقية دائمة ، وهي عند الله تعالى وفي حكمه للمتقين عن حب الدنيا المقبلين على حب المولى ، وحاصل الجواب أن أولئك الجهال ظنوا أن الرجل الغني أولى بمنصب الرسالة من محمد بسبب فقره ، فبين تعالى أن المال والجاه حقيران عند الله ، وأنهما شرف الزوال فحصولهما لا يفيد حصول الشرف والله أعلم .

/خ35

وفي نصب قوله { وزخرفا } قولان : قيل لجعلنا لبيوتهم سقفا من فضة ، ولجعلنا لهم زخرفا وقيل من فضة وزخرف ، فلما حذف الخافض انتصب . وأما قوله { وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } قرأ عاصم وحمزة { لما } بتشديد الميم ، والباقون بالتخفيف ، وأما قراءة حمزة بالتشديد فإنه جعل لما في معنى إلا ، وحكى سيبويه : نشدتك بالله لما فعلت ، بمعنى إلا فعلت ، ويقوي هذه القراءة أن في حرف أبي ، وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا وهذا يدل على أن لما بمعنى إلا ، وأما القراءة بالتخفيف ، فقال الواحدي لفظة ما لغو ، والتقدير لمتاع الحياة الدنيا ، قال أبو الحسن : الوجه التخفيف ، لأن لما بمعنى إلا لا تعرف ، وحكي عن الكسائي أنه قال : لا أعرف وجه التثقيل .

المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : دلت الآية على أنه تعالى إنما لم يعط الناس نعم الدنيا ، لأجل أنه لو فعل بهم ذلك لدعاهم ذلك إلى الكفر ، فهو تعالى لم يفعل بهم ذلك لأجل أن يدعوهم إلى الكفر ، وهذا يدل على أحكام ( أحدها ) أنه إذا لم يفعل بهم ما يدعوهم إلى الكفر فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى ( وثانيها ) أنه ثبت أن فعل اللطف قائم مقام إزاحة العذر والعلة ، فلما بين تعالى أنه لم يفعل ذلك إزاحة للعذر والعلة عنهم ، دل ذلك على أنه يجب أن يفعل بهم كل ما كان لطفا داعيا لهم إلى الإيمان ، فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أنه يجب على الله تعالى فعل اللطف ( وثالثها ) أنه ثبت بهذه الآية ، أن الله تعالى إنما يفعل ما يفعله ويترك ما يتركه لأجل حكمة ومصلحة ، وذلك يدل على تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله بالمصالح والعلل ، فإن قيل لما بين تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم ، لصار ذلك سببا لاجتماع الناس على الكفر ، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك سببا لاجتماع الناس على الإسلام ؟ قلنا لأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا ، وهذا الإيمان إيمان المنافقين ، فكان الأصوب أن يضيق الأمر على المسلمين ، حتى أن كل من دخل الإسلام ، فإنما يدخل فيه لمتابعة الدليل ولطلب رضوان الله تعالى ، فحينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ} (35)

الزخرف : الزينة والنقوش .

إنْ كل ذلك لمّا متاع الحياة : إنْ كل ذلك إلا متاع الحياة .

وما هذا كلّه إلا متاع قليلٌ زائل مقصور على الحياة الدنيا الفانية .

{ والآخرة عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ }

أعدّها الله للذين أحسنوا واتقَوا وأخلصوا في إيمانهم .

روى الترمذي وابن ماجه عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو كانت الدنيا تَعْدل عند الله جناحَ بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء » .

قراءات :

قرأ عاصم وحمزة وهشام : لمّا متاع الحياة بتشديد ميم لما . والباقون : لما بالتخفيف .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ} (35)

{ وَزُخْرُفاً } قال الحسن : أي نقوشاً وتزاويق ، وقال ابن زيد : الزخرف أثاث البيت وتجملاته وهو عليهما عطف على { سَقْفاً } [ الزخرف : 33 ] ، وقال ابن عباس . وقتادة . والشعبي . والسدي . والحسن أيضاً في رواية الزخرف الذهب ، وأكثر اللغويين ذكروا له معنيين هذا والزينة فقيل الظاهر أنه حقيقة فيهما ، وقيل : إنه حقيقة في الزينة ولكون كمالها بالذهب استعمل فيه أيضاً ، ويشير إليه كلام الراغب قال : الزخرف الزينة المزوقة ومه قيل للذهب زخرف ، وفي «البحر » جاء في الحديث " إياكم والحمرة فإنها من أحب الزينة إلى الشيطان " ، وقال ابن عطية : الحسن أحمر والشهوات تتبعه ؛ ولبعض شعراء المغرب :

وصبغت درعك من دماء كماتم *** لما رأيت الحسن يلبس أحمرا

وهو على هذا عطف على محل { مِن فِضَّةٍ } [ الزخرف : 33 ] كأن الأصل سقفاً من فضة وزخرف يعني بعضها من فضة وبعضها من ذهب فنصب عطفاً على المحل ، وجوز عطفه على { سَقْفاً } [ الزخرف : 33 ] أيضاً .

{ وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا متاع الحياة } أي وما كل ما ذكر من البيوت الموصوفة بالصفات المفصلة إلا شيء يتمتع به في الحياة الدنيا وفي معناه ما قرىء { وَمَا كُلُّ ذلك الحياة الدنيا } وقرأ الجمهور { لَّمّاً } بفتح اللام والتخفيف على أن { إن } هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بين المخففة وغيرها وما زائدة أو موصولة بتقدير لما هو متاع كما في قوله تعالى : { تَمَامًا عَلَى الذى أَحْسَنَ } [ الأنعام : 154 ] في قراءة من رفع النون ، وقرأ رجاء وفي التحرير أبو حيوة { لَّمّاً } بكسر اللام والتخفيف على أن { ءانٍ } هي المخففة واللام حرف جر وما موصولة في محل جر بها والجار والمجرور في موضع الخبر لكل وصدر الصلة محذوف كما سمعت آنفاً . وحق التركيب في مثله الاتيان باللام الفارقة فيقال : للمامتاع لكنها حذفت لظهور إرادة الاثبات كما في قوله :

أنا ابن أباة الضيم من آل مالك *** وإن مالك كانت كرام المعادن

بل لا يجوز في البيت إدخال اللام كما لا يخفى على النحوي { والاخرة } أي بما فيها من فنون النعيم التي لا يحيط بها نطاق البيان { عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ } خاصة لهم ، والمراد بهم من اتقى الشرك ، وقال غير واحد : من اتقى ذلك والمعاصي ، وفي الآية من الدلالة على التزهيد في الدنيا وزينتها والتحريض على التقوى ما فهيا ، وقد أخرج الترمذي وصححه . وابن ماجه عن سهل بن سعد قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء " وعن علي كرم الله تعالى وجهه الدنيا أحقر من ذراع خنزير ميت بال عليه كلب في يد مجذوم ، هذا واستدل بعضهم بقوله تعالى : { لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً } [ الزخرف : 33 ] على أن السقف لرب البيت الأسفل لا لصاحب العلو لأنه منسوب إلى البيت .