مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا} (6)

ثم قال تعالى : { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } وفيه مباحث :

البحث الأول : المقصود منه أن يقال للرسول : لا يعظم حزنك وأسفك بسبب كفرهم فإنا بعثناك منذرا ومبشرا فأما تحصيل الإيمان في قلوبهم فلا قدرة لك عليه . والغرض تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عنه .

البحث الثاني : قال الليث : بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظا من شدة وجده بالشيء . وقال الأخفش والفراء أصل البخع الجهد . يقال : بخعت لك نفسي أي جهدتها ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت عمر فقالت : بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك . وقال الكسائي : بخعت الأرض بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة وبخع الرجل نفسه إذا نهكها وعلى هذا معنى : { باخع نفسك } أي ناهكها وجاهدها حتى تهلكها ولكن أهل التأويل كلهم قالوا : قاتل نفسك ومهلكها والأصل ما ذكرناه ، هكذا قال الواحدي .

البحث الثالث : قوله : { على آثارهم } أي من بعدهم يقال مات فلان على أثر فلان أي بعده وأصل هذا أن الإنسان إذا مات بقيت علاماته وآثاره بعد موته مدة ثم إنها تنمحي وتبطله بالكلية فإذا كان موته قريبا من موت الأول كان موته حاصلا حال بقاء آثار الأول فصح أن يقال مات فلان على أثر فلان .

البحث الرابع : قوله { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } المراد بالحديث القرآن . قال القاضي : وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث وذلك يدل على فساد قول من يقول : إنه قديم وجوابه أنه محمول على الألفاظ وهي حادثة .

البحث الخامس : قوله : { أسفا } الأسف المبالغة في الحزن وذكرنا الكلام فيه عند قوله : { غضبان أسفا } في سورة الأعراف وعند قوله : { يا أسفا على يوسف } وفي انتصابه وجوه . الأول : أنه نصب على المصدر ودل ما قبله من الكلام على أنه يأسف . الثاني : يجوز أن يكون مفعولا له أي للأسف كقولك جئتك ابتغاء الخير . والثالث : قال الزجاج : { أسفا } منصوب لأنه مصدر في موضع الحال .

البحث السادس : الفاء في قوله : { فلعلك } جواب الشرط وهو قوله : { إن لم يؤمنوا } قدم عليه ومعناه التأخير .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا} (6)

فلعلك باخعٌ نفسَك : لعلك مهلكٌ نفسك .

على آثارهم : من بعدهم .

لا تهلك نفسك أيها النبي أسفاً وحسرة عليهم لأنهم لم يؤمنوا بالقرآن ، أبلغهم رسالة ربك فمن اهتدى منهم فلنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا} (6)

{ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ } أي : مهلكها ، غما وأسفا عليهم ، وذلك أن أجرك قد وجب على الله ، وهؤلاء لو علم الله فيهم خيرا لهداهم ، ولكنه علم أنهم لا يصلحون إلا للنار ، فلذلك خذلهم ، فلم يهتدوا ، فإشغالك نفسك غما وأسفا عليهم ، ليس فيه فائدة لك . وفي هذه الآية ونحوها عبرة ، فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله ، عليه التبليغ والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية ، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه ، مع التوكل على الله في ذلك ، فإن اهتدوا فبها ونعمت ، وإلا فلا يحزن ولا يأسف ، فإن ذلك مضعف للنفس ، هادم للقوى ، ليس فيه فائدة ، بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه ، وما عدا ذلك ، فهو خارج عن قدرته ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله له : { إنك لا تهدي من أحببت } وموسى عليه السلام يقول : { رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } الآية ، فمن عداهم من باب أولى وأحرى ، قال تعالى : { فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر }