قوله تعالى : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين }
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الله هو الذي يتولاه ، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار ، بين في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس فقال : { خذ العفو وأمر بالعرف } قال أهل اللغة : العفو الفضل وما أتي من غير كلفة .
إذا عرفت هذا فنقول : الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم ، إما أن يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيها ، وإما أن لا يجوز .
أما القسم الأول : فهو المراد بقوله : { خذ العفو } ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية ، ويدخل فيه أيضا التخلق مع الناس بالخلق الطيب ، وترك الغلظة والفظاظة كما قال تعالى : { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف ، كما قال تعالى : { وجادلهم بالتي هي أحسن } .
وأما القسم الثاني : وهو الذي لا يجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه ، فالحكم فيه أن يأمر بالمعروف ، والعرف ، والعارفة ، والمعروف هو كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ، وأن وجوده خير من عدمه ، وذلك لأن في هذا القسم لو اقتصر على الأخذ بالعفو ولم يأمر بالعرف ولم يكشف عن حقيقة الحال ، لكان ذلك سعيا في تغيير الدين وإبطال الحق وأنه لا يجوز ، ثم إنه إذا أمر بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه ، فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا السبب قال تعالى في آخر الآية : { وأعرض عن الجاهلين } وقال في آية أخرى : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } وقال : { والذين هم عن اللغو معرضون } وقال في صفة أهل الجنة : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } وإذا أحاط عقلك بهذا التقسيم ، علمت أن هذه الآية مشتملة على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الغير . قال عكرمة : لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام : «يا جبريل ما هذا ؟ قال يا محمد إن ربك يقول هو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك » قال أهل العلم : تفسير جبريل مطابق للفظ الآية لأنك لو وصلت من قطعك ، فقد عفوت عنه ، وإذا آتيت من حرمك فقد آتيت بالمعروف ، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين ، وقال جعفر الصادق رضي الله عنه : وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ، وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريق آخر فقالوا : { خذ العفو وأمر بالعرف } أي ما عفا لك من أموالهم ، أي ما أتوك به عفوا فخذه ، ولا تسأل عما وراء ذلك . قالوا : كان هذا قبل فريضة الصدقة فلما نزلت آية وجوب الزكاة صارت هذه الآية منسوخة إلا قوله : { وأمر بالعرف } أي بإظهار الدين الحق ، وتقرير دلائله { وأعرض عن الجاهلين } أي المشركين قالوا : وهذا منسوخ بآية السيف فعلى هذه الطريقة جميع الآية منسوخة إلا قوله : { وأمر بالعرف } .
واعلم أن تخصيص قوله : { خذ العفو } بما ذكره تقييد للمطلق من غير دليل ، وأيضا فهذا الكلام إذا حملناه على أداء الزكاة لم يكن إيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة منافيا لذلك ، لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس ولا يشدد الأمر على المزكي فلم يكن إيجاب الزكاة سببا لصيرورة هذه الآية منسوخة .
وأما قوله : { وأعرض عن الجاهلين } فالمقصود منه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على سوء أخلاقهم ، وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة ولا أفعالهم الخسيسة بأمثالها ، وليس فيه دلالة على امتناعه من القتال ، لأنه لا يمتنع أن يؤمر عليه السلام بالإعراض عن الجاهلين مع الأمر بقتال المشركين فإنه ليس من المتناقض أن يقال الشارع لا يقابل سفاهتهم بمثلها ؟ ولكن قاتلهم وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكنا فحينئذ لا حاجة إلى التزام النسخ ، إلا أن الظاهرية من المفسرين مشغوفون بتكثير الناسخ والمنسوخ من غير ضرورة ولا حاجة .
العفو : الذي يأتي من غيرِ كُلفة .
جاءت هذه التوجيهات الربانية إلى الرسول الكريم وأصحابه ، وهم لا يزالون في مكّة المكرمة ، وفي مواجهة المشركين فيها ومواجهة الأعراب من حولهم في الجزيرة وأهل الأرض كافة .
يا محمد ، خذ العفو الميسَّر الممكِنَ من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة ، ولا تطلب منهم ما يشقّ عليهم ، واعفُ عن أخطائهم وضعفهم . ذلك أن التعامل مع النفوس البشرية بغية هدايتها يقتضي سعةَ صدرٍ ، وسماحة طبعٍ ، ويسراً وتيسيرا في غير إفراطٍ ولا تفريط في دين الله ، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثال الكمال والخلق العظيم .
وأمرْ يا محمد بالعُرف ، وهو الخير المعروف ، والعُرف اسمٌ جامعٌ لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس .
وأعرض أيها الرسول الهادي ، عن الجاهلين ، وهم الذين لا تُرجى هدايتهم ، إذ قد يكون إهمالهم والإعراض عنهم أجدى في هدايتهم .
روي عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال : «ليس في القرآن آيةٌ أجمعَ لمكارم الأخلاق من هذه » . وقال بعض العلماء : تضمنت هذه الآية قواعد الشريعة ، فلم يبق حسنة إلا وعتْها ، ولا فضيلة إلا شَرَحتها .
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أن عُيَيْنَةَ بن حِصْن ، وكان فيه غلظة وجفاء ، قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : هِيْ يا ابن الخطاب ، أفو اللهِ ما تعطينا الجَزْل ، ولا تحكم فينا بالعدل . فغضب عمر ، حتى همَّ أن يوقع به . فقال له الحُرّ بن قيس : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى قال لنبيه : «خُذِ العفوَ وأمرْ بالعُرف وأعرِض عن الجاهلين » وهذا من الجاهلين .
قال ابن عباس : والله ما جوزَها عمرُ حين تلاها عليه ، كان وقّافاً عند كتاب الله .
199 خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ .
هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس ، وما ينبغي في معاملتهم ، فالذي ينبغي أن يعامل به الناس ، أن يأخذ العفو ، أي : ما سمحت به أنفسهم ، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق ، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم ، بل يشكر من كل أحد ما قابله به ، من قول وفعل جميل أو ما هو دون ذلك ، ويتجاوز عن تقصيرهم ويغض طرفه عن نقصهم ، ولا يتكبر على الصغير لصغره ، ولا ناقص العقل لنقصه ، ولا الفقير لفقره ، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال وتنشرح له صدورهم .
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي : بكل قول حسن وفعل جميل ، وخلق كامل للقريب والبعيد ، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك ، إما تعليم علم ، أو حث على خير ، من صلة رحم ، أو بِرِّ والدين ، أو إصلاح بين الناس ، أو نصيحة نافعة ، أو رأي مصيب ، أو معاونة على بر وتقوى ، أو زجر عن قبيح ، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية ، ولما كان لا بد من أذية الجاهل ، أمر اللّه تعالى أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابلته بجهله ، فمن آذاك بقوله أو فعله لا تؤذه ، ومن حرمك لا تحرمه ، ومن قطعك فَصِلْهُ ، ومن ظلمك فاعدل فيه .
وأما ما ينبغي أن يعامل به العبد شياطين الإنس والجن ، فقال تعالى :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.