{ بسم الله الرحمن الرحيم يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين }
اعلم أن قوله : { يسألونك عن الأنفال } يقتضي البحث عن خمسة أشياء ، السائل والمسئول وحقيقة النفل ، وكون ذلك السؤال عن أي الأحكام كان ، وإن المفسرين بأي شيء فسروا الأنفال .
أما البحث الأول : فهو أن السائلين من كانوا ؟ فنقول إن قوله : { يسألونك عن الأنفال } إخبار عمن لم يسبق ذكرهم وحسن ذلك ههنا ، لأن حالة النزول كان السائل عن هذا السؤال معلوما معينا فانصرف هذا اللفظ إليهم ، ولا شك أنهم كانوا أقواما لهم تعلق بالغنائم والأنفال وهم أقوام من الصحابة .
وأما البحث الثاني : وهو أن المسئول من كان ؟ فلا شك أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما البحث الثالث : وهو أن الأنفال ما هي فنقول : قال الزهري : النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل ، وسميت الغنائم أنفالا ، لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم ، وصلاة التطوع نافلة لأنها زيادة على الفرض الذي هو الأصل . وقال تعالى : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة } أي زيادة على ما سأل .
وأما البحث الرابع : وهو أن السؤال عن أي أحكام الأنفال كان ؟ فنقول : فيه وجهان : الأول : لفظ السؤال ، وإن كان مبهما إلا أن تعيين الجواب يدل على أن السؤال كان واقعا عن ذلك المعين ، ونظيره قوله تعالى : { ويسألونك عن المحيض } { ويسألونك عن اليتامى } فعلم منه أنه سؤال عن حكم من أحكام المحيض واليتامى ، وذلك الحكم غير معين ، إلا أن الجواب كان معينا لأنه تعالى قال في المحيض : { قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان سؤالا عن مخالطة النساء في المحيض . وقال في اليتامى : { قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم } فدل هذا الجواب المعين على أن ذلك السؤال المعين كان واقعا عن التصرف في مالهم ومخالطتهم في المواكلة . وأيضا قال تعالى : { ويسألونك عن الروح } وليس فيه ما يدل على أن ذلك السؤال عن أي الأحكام إلا أنه تعالى قال في الجواب : { قل الروح من أمر ربي } فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان عن كون الروح محدثا أو قديما ، فكذا ههنا لما قال في جواب السؤال عن الأنفال : { قل الأنفال لله والرسول } دل هذا على أنهم سألوه عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها .
والقول الثاني : أن قوله : { يسألونك عن الأنفال } أي من الأنفال ، والمراد من هذا السؤال : الاستعطاء على ما روي في الخبر ، أنهم كانوا يقولون يا رسول الله أعطني كذا أعطني كذا ، ولا يبعد إقامة عن مقام من هذا قول عكرمة . وقرأ عبد الله { يسألونك الأنفال } .
والبحث الخامس : وهو شرح أقوال المفسرين في المراد بالأنفال . فنقول : إن الأنفال التي سألوا عنها يقتضي أن يكون قد وقع بينهم التنازع والتنافس فيها ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله : { قل الأنفال لله والرسول } يدل على أن المقصود من ذكر منع القوم عن المخاصمة والمنازعة . وثانيها : قوله : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } يدل على أنهم إنما سألوا عن ذلك بعد أن وقعت الخصومة بينهم . وثالثها : أن قوله : { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } يدل على ذلك .
إذا عرفت هذا فنقول : يحتمل أن يكون المراد من هذه الأنفال الغنائم ، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهرا ، ويحتمل أن يكون المراد غيرها .
أما الأول : ففيه وجوه : أحدها : أنه صلى الله عليه وسلم قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر وعلى أقوام لم يحضروا أيضا ، وهم ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار ، فأما المهاجرون فأحدهم عثمان فإنه عليه السلام تركه على ابنته لأنها كانت مريضة ، وطلحة وسعيد بن زيد . فإنه عليه السلام كان قد بعثهما للتجسس عن خبر العير وخرجا في طريق الشام ، وأما الخمسة من الأنصار ، فأحدهم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ، خلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ، وعاصم خلفه على العالية ، والحرث بن حاطب : رده من الروحاء إلى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنه ، والحرث بن الصمة أصابته علة بالروحاء ، وخوات بن جبير ، فهؤلاء لم يحضروا ، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم في تلك الغنائم بسهم ، فوقه من غيرهم فيه منازعة . فنزلت هذه الآية بسببها ، وثانيها : روى أن يوم بدر الشبان قتلوا وأسروا والأشياخ وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصاف ، فقال الشبان : الغنائم لنا لأنا قتلنا وهزمنا ، وقال الأشياخ : كنا ردأ لكم ولو انهزمتهم لانحزتم إلينا ، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا ، فوقعت المخاصمة بهذا السبب . فنزلت الآية . وثالثها : قال الزجاج : الأنفال الغنائم . وإنما سألوا عنها لأنها كانت حراما على من كان قبلهم ، وهذا الوجه ضعيف لأن على هذا التقدير يكون المقصود من هذا السؤال طلب حكم الله تعالى فقط ، وقد بينا بالدليل أن هذا السؤال كان مسبوقا بالمنازعة والمخاصمة .
وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد من الأنفال شيئا سوى الغنائم ، فعلى هذا التقدير في تفسير الأنفال أيضا وجوه : أحدها : قال ابن عباس في بعض الروايات : المراد من الأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال ، من دابة أو عبد أو متاع ، فهو إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء ، وثانيها : الأنفال الخمس الذي يجعله الله لأهل الخمس ، وهو قول مجاهد ، قال : فالقوم إنما سألوا عن الخمس . فنزلت الآية ، وثالثها : أن الأنفال هي السلب وهو الذي يدفع إلى الغازي زائدا على سهمه من الغنم ، ترغيبا له في القتال ، كما إذا قال الإمام : «من قتل قتيلا فله سلبه » أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم ، أو يقول فلكم نصفه أو ثلثه أو ربعه ، ولا يخمس النفل ، وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال : قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعد بن العاصي وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت إن الله تعالى قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف . فقال : «ليس هذا لي ولا لك أطرحه في الموضع الذي وضعت فيه الغنائم » فطرحته وبي ما يعلمه الله من قتل أخي وأخذ سلبي ، فما جاوزت إلا قليلا حتى جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال فقال : يا سعد «إنك سألتني السيف وليس لي وإنه قد صار لي فخذه » قال القاضي : وكل هذه الوجوه تحتمله الآية ، وليس فيها دليل على ترجيح بعضها على بعض . وإن صح في الأخبار ما يدل على التعين قضى به ، وإلا فالكل محتمل ، وكما أن كل واحد منها جائز ، فكذلك إرادة الجميع جائزة فإنه لا تناقض بينها ، والأقرب أن يكون المراد بذلك ماله عليه السلام أن ينفل غيره من جملة الغنيمة قبل حصولها وبعد حصولها ، لأنه يسوغ له تحريضا على الجهاد وتقوية للنفوس كنحو ما كان ينفل واحدا في ابتداء المحاربة . ليبالغ في الحرب . أو عند الرجعة ، أو يعطيه سلب القاتل ، أو يرضخ لبعض الحاضرين ، وينفله من الخمس الذي كان عليه السلام يختص به . وعلى هذا التقدير فيكون قوله : { قل الأنفال لله والرسول } المراد الأمر الزائد على ما كان مستحقا للمجاهدين .
أما قوله تعالى : { قل الأنفال لله والرسول } ففيه بحثان :
البحث الأول : المراد منه أن حكمها مختص بالله والرسول يأمره الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ، وليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد .
البحث الثاني : قال مجاهد وعكرمة والسدي : إنها منسوخة بقوله فإن لله خمسه وللرسول ، وذلك لأن قوله : { قل الأنفال لله والرسول } يقتضي أن تكون الغنائم كلها للرسول ، فنسخها الله بآيات الخمس وهو قول ابن عباس في بعض الروايات ، وأجيب عنه من وجوه : الأول : أن قوله : { قل الأنفال لله والرسول } معناه أن الحكم فيها لله وللرسول . وهذا المعنى باق فلا يمكن أن يصير منسوخا ، ثم إنه تعالى حكم بأن يكون أربعة أخماسها ملكا للغانمين . الثاني : أن آية الخمس . تدل على كون الغنيمة ملكا للغانمين ، والأنفال ههنا مفسرة لا بالغنائم ، بل بالسلب . وإنما ينفله الرسول عليه السلام لبعض الناس لمصلحة من المصالح .
ثم قال تعالى : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } وفيه بحثان :
البحث الأول : معناه فاتقوا عقاب الله ولا تقدموا على معصية الله ، واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأحوال . وارضوا بما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
البحث الثاني : في قوله : { وأصلحوا ذات بينكم } أي وأصلحوا ذات بينكم من الأقوال ، ولما كانت الأقوال واقعة في البين ، قيل لها ذات البين ، كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور .
ثم قال : { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } والمعنى أنه تعالى نهاهم عن مخالفة حكم الرسول بقوله : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ثم أكد ذلك بأن أمرهم بطاعة الرسول بقوله : { وأطيعوا الله ورسوله } ثم بالغ في هذا التأكيد فقال : { إن كنتم مؤمنين } والمراد أن الإيمان الذي دعاكم الرسول إليه ورغبتم فيه لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة ، فاحذروا الخروج عنها ، واحتج من قال : ترك الطاعة يوجب زوال الإيمان بهذه الآية ، وتقريره أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، وههنا الإيمان معلق على الطاعة بكلمة { إن } فيلزم عدم الإيمان عند عدم الطاعة وتمام هذه المسألة مذكور في قوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } والله أعلم .
السورة مدنية عدد آياتها خمس وسبعون ، نزلت بعد البقرة ، وهي السورة الثامنة في القرآن الكريم ، وقد تقدمتها سورة الفاتحة وهي مكية ، وجاء بعد الفاتحة أربع سور مدنية متتالية ، هن أطول السور المدنية في القرآن وهي : البقرة ، آل عمران ، النساء والمائدة . ثم تلت هذه الأربع سورتان مكيتان هما : الأنعام والأعراف ، وهما أطول السور المكية في القرآن . ثم جاءت سورة الأنفال والتي بعدها سورة التوبة وهما مدنيتان .
ومن المعلوم أن المكي قبل الهجرة ، ويتضمن أصول الدعوة ، وهي قضايا التوحيد ، والوحي ، والبعث ، كما يتضمن الإرشاد إلى أمهات الأخلاق الفاضلة . وقد عني في سبيل ذلك بتوجيه الأنظار إلى أدلة القضايا الثلاث المذكورة ، ومناقشة حجج المشركين فيها . كذلك فهو يعرض كثيرا لقصص الأولين ونتائج تكذيبهم لرسلهم كيما يتعظ الناس بتلك القصص ، وهذا واضح في سورتي الأنعام والأعراف وسائر السور المكية .
أما السور المدنية فإنها قد عنيت –فيما يتصل بالمخالفين- بمجادلة أهل الكتاب الذين يجاورون " المدينة " ، ويثيرون الشكوك والشبه فيما يختص برسالة محمد صلى الله عليه وسلم . أما فيما يختص بالمؤمنين فقد عنيت بتفصيل كثيرا من الأحكام التي ينظمون بها شئونهم الداخلية والخارجية . ونرى ذلك في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وسائر المدني من القرآن الكريم .
ولقد نزلت سورة الأنفال بمناسبة معركة بدر ، ولذلك أطلق عليها بعض الصحابة اسم " سورة بدر " . وكانت معركة بدر في يوم الجمعة ، السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة . وهي الجولة الأولى من جولات الحق في إزهاق الباطل ، وإنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ، الذين قعد بهم الضعف في مكة وأخذوا في الضراعة إلى الله { ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا } النساء ، الآية 75 .
وقد استجاب الله ضراعتهم فهيأ لهم ظروف تلك المعركة التي تم فيها النصر للمؤمنين ، على قلة عددهم وعددهم . وبها عرف المشركون أنه مهما طال أمد باطلهم وامتد سلطانه ، فلا بد له أن يخر يوما صريعا أمام روعة الحق وقوة الإيمان . وإذا كانت بدر ، نصرا للمؤمنين وهزيمة للمشركين ، فهي في الوقت نفسه جاءت حافزة للقلوب المؤمنة كي يجدّ سيرها في طريق الهدى والرشاد .
وقد كان للمسلمين في تلك الغزوة شؤون ، أولها حينما طلب إليهم الرسول أن يخرجوا لمصادرة عير قريش فتساءلوا : أيخرجون إطاعة للرسول الكريم ؟ أم لا يخرجون ، حرصا منهم على أموالهم وأشغالهم في المدينة ؟ ثم إنهم خرجوا ، لكنهم وجدوا العير قد مرت ، وفاتهم أن يحصلوا عليها ، فتساءلوا من جديد : أيستجيبون للرسول الكريم ويقاتلون قوى الشرك التي تكتلت وخرجت من مكة لقتالهم ، أم يرجعون لأنهم لم يخرجوا للقتال ، ولم يستعدوا له ؟ وقد قاتلوا بعد أن أمدهم الله بروح من عنده ، وأمكنهم من عدوهم بالقتل والأسر والغنيمة ، فكان لهم شأن ثالث : أيقتلون الأسرى أو يطلقون سراحهم بالفداء ؟ وفي الغنائم التي حصلوا عليها : أيختص بها الشبان المحاربون أم يشاركهم فيها الحراس وأصحاب الرأي ؟
كانت هذه الشؤون هي الجو الذي نزلت فيه سورة الأنفال فعنيت ببيان الحلول فيها ، وقد بدأت بمسألة الأنفال ، وهي الغنائم ، ليكون مطلع الحديث تسجيلا لنعمة النصر التي ساقت إليهم تلك الأنفال ، وإيحاء إلى أن حصولهم عليها يقتضي أن يكون من بواعث الطاعة لا من بواعث المخالفة . وهكذا بدأت السورة بحل مشكلة الأنفال { يسألونك عن الأنفال } . . . وقد أرشدتهم السورة إلى أن الشأن في توزيعها لا يرجع إلى آرائهم ، وإنما هو لله ولرسوله { قل الأنفال لله والرسول } . وقد جاء الحكم بعد في قوله تعالى من السورة نفسها { واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } .
ثم جاء إرشاد المؤمنين إلى ما يجب أن يتحلوا به حتى يحصلوا على الظفر الدائم والنصر المستمر ، وهو القوة المعنوية التي بين الله عناصرها بقوله : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون . الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون . أولئك هم المؤمنون حقا ، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } الآيات 2 ، 3 ، 4 .
ثم يعود الحديث في السورة إلى موقفهم الأول حينما أمروا بالخروج ، وأن الذين كرهوا وتلكّأوا فيه أخذوا يتعللون مرة بالأموال ، وأخرى بعدم الاستعداد ، وبذلك انحرفوا عما يوجبه الإيمان عليهم من الطاعة والامتثال ، وعما يجب على المؤمنين الصادقين أن يلبوا دعوته وهي دعوة القوة إلى ذات الشوكة : { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون . يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ، ويريد أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين } الآيات 5 ، 6 ، 7 .
وفي شأن الأسرى وفدائهم أو قتلهم يقول تعالى : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض . . . . الآية } .
وهكذا حلت سورة الأنفال المشاكل التي اعترضت المسلمين في غزوة بدر ، كما ذكرتهم بنعمة الله عليهم في تلك الغزوة من الإمداد بقوى النصر واستجابة الدعاء : { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } الآية 9 . وذكرهم بسابق نعمه عليهم قبلها حينما آواهم بنصره ورزقهم من الطيبات ، بعد أن كانوا مستضعفين في الأرض . كذلك أرشد الله تعالى المسلمين في هذه السورة إلى جملة من المبادئ إذا تمسكوا بها وحافظوا عليها حالفهم النصر والتوفيق . وفي هذا الجانب بين لهم السبب الذي يبيح الحرب ، والغاية التي تنتهي عندها ، { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين كله لله ، فإن الله بما تعملون بصير . ( 39 ) وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم ، نعم المولى ونعم النصير( 40 ) } .
وأمر الله تعالى بإعداد العدة ضمانا للسلم ، وإرهابا للأعداء : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ، الله يعلمهم ، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون( 60 ) } .
ثم يقرر إيثار السلم على الحرب متى أمكن ووجد السبيل إليه : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ، إنه هو السميع العليم( 61 ) وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره للمؤمنين( 62 ) } .
ثم أمر الله تعالى بالمحافظة على العهود ، كما أمر بطاعة الرؤساء والتعاون والاحتفاظ بأسرار الدولة والثبات في الحرب ، وذلك في الآيات من 45 إلى 59 { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا . . . إلى قوله تعالى : ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون } .
وأخيرا بين الله تعالى في السورة أن المؤمنين في ظل هذه المبادئ وتلك الإرشادات ، المهاجرين منهم والأنصار ، بعضهم أولياء بعض ، وأن عليهم نصر الذين يستنصرونهم من المؤمنين الذين لم يهاجروا ، وأنه لا ولاية بينهم وبين الكافرين ، فالذين كفروا بعضهم أولياء بعض ، والذين آمنوا من هاجر منهم ومن نصر بعضهم أولياء بعض : الآيتان : 74 و75 .
وهكذا بدأت السورة وختمت بأوصاف المؤمنين حقا . وفي هذا ، وما ذكر من نعم الله على المؤمنين يتضح لنا مدد النصر الذي يعده الله لعباده المخلصين . وهو مدد دائم يتبع الإيمان والإخلاص أينما وجدا ، فجدير بالمؤمنين وهم الآن في محنة كبرى من شر اليهود وحلفائهم الطغاة المستبدين ، جدير بنا –أن نعمل ما في وسعنا للحصول على هذا المدد بتقوية الإيمان بالله في نفوسنا ، وتوحيد صفوفنا ، والسير على هدف واحد وقلب مؤمن واحد لنسترد ما اغتصب من بلادنا ، ونستعيد المسجد الأقصى المبارك وما حوله إلى حظيرة الإسلام .
الأنفال : جمع نَفَل بالتحريك وهي الغنيمة .
خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً إلى المدينة بسبب مكر المشركين وتدبيرِهم أمر قتله ، وليكون للمسلمين دولة . وقد استقر بالمدينة ومن حوله المؤمنون من المهاجرين والأنصار ، وكان لا بد من الجهاد لدفع الاعتداء ، لكيلا يُفتَن أهلُ الإيمان . فكانت غزوة بدر ، وكان فيها النصر المبين والغنائم . وكان وراء الغنائم بعض الاختلاف في قسمتها وسؤال المؤمنين عنها ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات يعالج فيها نفوس بعض المسلمين لتطهيرها من الاختلاف الذي نشأ عن حب المال والتطلع إلى المادة ، وهو من أكبر أسباب الفشل .
فكان من مقتضيات الحكمة الإلهية أن يتلقى المؤمنون في مبدأ حياتهم هذا الدرس القوي الذي يقتلع بذور الشح والطمع وحب المادة من قلوبهم .
يسألونك أيها الرسول ، عن الغنائم لمن هي ؟ وكيف تقسم ، أللشُبّان أم للشيوخ ؟ أم للمهاجرين هي ، أم للأنصار ؟ أم لهم جميعا ؟ .
إنها لله والرسول ، والرسول بأمر ربه يتولى تقسيمها ، فاتركوا الاختلاف بشأنها ، واتقوا الله واجعلوا خوف الله وطاعته شِعاركم ، وأصلحوا ما بينكم فاجعلوا الصلات بينكم محبة وعدلا . هذه صفةُ أهل الإيمان .
1 - 4 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
الأنفال هي الغنائم التي ينفلها اللّه لهذه الأمة من أموال الكفار ، وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نزلت في قصة بدر أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين ، . فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاع ، فسألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عنها ، فأنزل اللّه يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَال كيف تقسم وعلى من تقسم ؟
قُلْ لهم : الأنفال لله ورسوله يضعانها حيث شاءا ، فلا اعتراض لكم على حكم اللّه ورسوله ، . بل عليكم إذا حكم اللّه ورسوله أن ترضوا بحكمهما ، وتسلموا الأمر لهما ، . وذلك داخل في قوله فَاتَّقُوا اللَّهَ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه . .
وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ أي : أصلحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر ، بالتوادد والتحاب والتواصل . . فبذلك تجتمع كلمتكم ، ويزول ما يحصل - بسبب التقاطع -من التخاصم ، والتشاجر والتنازع .
ويدخل في إصلاح ذات البين تحسين الخلق لهم ، والعفو عن المسيئين منهم فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر ، . والأمر الجامع لذلك كله قوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإن الإيمان يدعو إلى طاعة اللّه ورسوله ، . كما أن من لم يطع اللّه ورسوله فليس بمؤمن .