ثم قال : { هو الله الذي لا إله إلا هو الملك } وكل ذلك قد تقدم تفسيره .
ثم قال : { القدوس } قرئ : بالضم والفتح ، وهو البليغ في النزاهة في الذات والصفات ، والأفعال والأحكام والأسماء ، وقد شرحناه في أول سورة الحديد ، ومضى شيء منه في تفسير قوله : { ونقدس لك } وقال الحسن : إنه الذي كثرت بركاته .
وقوله : { السلام } فيه وجهان ( الأول ) : أنه بمعنى السلامة ومنه دار السلام ، وسلام عليكم وصف به مبالغة في كونه سليما من النقائص كما يقال : رجاء ، وغياث ، وعدل فإن قيل فعلى هذا التفسير لا يبقى بين القدوس ، وبين السلام فرق ، والتكرار خلاف الأصل ، قلنا : كونه قدوسا ، إشارة إلى براءته عن جميع العيوب في الماضي والحاضر ، كونه : سليما ، إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء من العيوب في الزمان المستقبل فإن الذي يطرأ عليه شيء من العيوب ، فإنه تزول سلامته ولا يبقى سليما ( الثاني ) : أنه سلام بمعنى كونه موجبا للسلامة .
وقوله : { المؤمن } فيه وجهان ( الأول ) : أنه الذي آمن أولياءه عذابه ، يقال : آمنه يؤمنه فهو مؤمن ( والثاني ) : أنه المصدق ، إما على معنى أنه يصدق أنبياءه بإظهار المعجزة لهم ، أو لأجل أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون لسائر الأنبياء ، كما قال : { لتكونوا شهداء على الناس } ثم إن الله يصدقهم في تلك الشهادة ، وقرئ بفتح الميم ، يعني المؤمن به على حذف الجار كما حذف في قوله : { واختار موسى قومه } .
وقوله : { المهيمن } قالوا : معناه الشاهد الذي لا يغيب عنه شيء . ثم في أصله قولان ، قال الخليل وأبو عبيدة : هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيب على الشيء ، وقال آخرون : مهيمن أصله مؤيمن ، من آمن يؤمن ، فيكون بمعنى المؤمن ، وقد تقدم استقصاؤه عند قوله : { ومهيمنا عليه } وقال ابن الأنباري : المهيمن القائم على خلقه برزقه وأنشد :
ألا إن خير الناس بعد نبيه *** مهيمنه التاليه في العرف والنكر
قال معناه : القائم على الناس بعده .
وأما { العزيز } فهو إما الذي لا يوجد له نظير ، وإما الغالب القاهر .
وأما { الجبار } ففيه وجوه أحدها : أنه فعال من جبر إذا أغنى الفقير ، وأصلح الكسير . قال الأزهري : وهو لعمري جابر كل كسير وفقير ، وهو جابر دينه الذي ارتضاه ، قال العجاج :
" قد جبر الدين الإله فجبر " ***
والثاني : أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراده ، قال السدي : إنه الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراده ، قال الأزهري : هي لغة تميم ، وكثير من الحجازيين يقولونها ، وكان الشافعي يقول : جبره السلطان على كذا بغير ألف . وجعل الفراء الجبار بهذا معنى من أجبره ، وهي اللغة المعروفة في الإكراه ، فقال : لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين ، وهما جبار من أجبر ، ودراك من أدرك ، وعلى هذا القول الجبار هو القهار الثالث : قال ابن الأنباري : الجبار في صفة الله الذي لا ينال ، ومنه قيل للنخلة التي فاتت يد المتناول : جبارة الرابع : قال ابن عباس : الجبار ، هو الملك العظيم ، قال الواحدي : هذا الذي ذكرناه من معاني الجبار في صفة الله ، وللجبار معان في صفة الخلق ( أحدها ) : المسلط كقوله : { وما أنت عليهم بجبار } ، ( والثاني ) : العظيم الجسم كقوله : { إن فيها قوما جبارين } ( والثالث ) : المتمرد عن عبادة الله ، كقوله : { ولم يجعلني جبارا } ، ( والرابع ) : القتال كقوله : { بطشتم جبارين } وقوله : { إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض } .
أما قوله : { المتكبر } ففيه وجوه ( أحدها ) : قال ابن عباس : الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله ( وثانيها ) : قال قتادة : المتعظم عن كل سوء ( وثالثها ) : قال الزجاج : الذي تعظم عن ظلم العباد ( ورابعها ) : قال ابن الأنباري : المتكبرة ذو الكبرياء ، والكبرياء عند العرب : الملك ، ومنه قوله تعالى : { وتكون لكما الكبرياء في الأرض } ، واعلم أن المتكبر في حق الخلق اسم ذم ، لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر ، وذلك نقص في حق الخلق ، لأنه ليس له كبر ولا علو ، بل ليس معه إلا الحقارة والذلة والمسكنة ، فإذا أظهر العلو كان كاذبا ، فكان ذلك مذموما في حقه أما الحق سبحانه فله جميع أنواع العلو والكبرياء ، فإذا أظهره فقد أرشد العباد إلى تعريف جلاله وعلوه ، فكان ذلك في غاية المدح في حقه سبحانه ولهذا السبب لما ذكر هذا الاسم :
قال : { سبحان الله عما يشركون } كأنه قيل : إن المخلوقين قد يتكبرون ويدعون مشاركة الله في هذا الوصف لكنه سبحانه منزه عن التكبر الذي هو حاصل للخلق لأنهم ناقصون بحسب ذواتهم ، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى النقصان الذاتي ، أما الحق سبحانه فله العلو والعزة ، فإذا أظهره كان ذلك ضم كمال إلى كمال ، فسبحان الله عما يشركون في إثبات صفة المتكبرية للخلق .
قوله جل ذكره : { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
{ الْمَلِكُ } : ذو القدرة على الإيجاد .
{ الْقُدُوسُ } : المُنَزَّهُ عن الآفة والنقص .
{ السَّلاَمُ } : ذو السلامة من النقائص ، والذي يُسَلِّمُ على أوليائه ، والذي سَلِمَ المؤمنون من عذابه .
{ الْمُؤْمِنُ } : الذي يُصَدق عَبْدُه في توحيده فيقول له : صَدَقْتَ يا عبدي .
والذي يصَدِّق نفسه في إخباره أي يعلم أنه صادق .
ويكون بمعنى المصدق لوعده . ويكون بمعنى المخبر لعباده بأنه يُؤمِّنهم من عقوبته .
{ الْمُهَيْمِنُ } : الشاهد ، وبمعنى الأمين ، ويقال مؤيمن ( مُفَيْعِل ) من الأمن قلبت همزته هاءً وهو من الأمان ، ويقال بمعنى المؤمِن .
{ الْعَزِيزُ } : الغالبُ الذي لا يُغْلَب ، والذي لا مثيلَ له ، والمستحق لأوصاف الجلال ، وبمعنى : المُعِزّ لعباده . والمَنِيعَ الذي لا يَقْدِرُ عليه أحد .
{ الْجَبَّارُ } : الذي لا تصل إليه الأيدي . أو بمعنى المُصْلِح لأمورهم من : جَبَرَ الكَسْرَ . أو بمعنى القادر على تحصيل مراده مِنْ خَلْقِه على الوجه الذي يريده من : جَبَرْتُه على الأمر وأجبرته .
السلام : الذي سلم الخلق من ظلمه إذ جعلهم على نظم كفيلة برقيهم .
المؤمن : أي : واهب الأمن ، فكل مخلوق يعيش في أمن ، فالطائر في جوه ، والحية في وكرها ، والسمك في البحر تعيش كذلك ، ولا يعيش قوم على الأرض ما لم يكن هناك حراس يحرسون قراهم وإلا هلكوا .
الجبار : الذي جبر خلقه على ما أراد وقسرهم عليه .
المتكبر : البليغ الكبرياء والعظمة .
سبحان الله عما يشركون : أي : تنزه ربنا عما يصفه به المشركون .
23- { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
وكرر قوله : { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } . تثبيت لمعنى الجملة ، وتقريرا له في النفوس .
هو المَلِكُ : الحاكم بأمره في الدنيا والآخرة ، لا يشاركه في ملكه شيء .
وهو الْقُدُّوسُ : أي الطاهر ، أو المنزه عن كل نقص .
وهو السَّلَامُ : الذي يمنح عباده الأمن من عذابه .
الْمُهَيْمِنُ : الشهيد على عباده ، يراقب أعمالهم ، ويجازيهم عليها .
الْعَزِيزُ : القوي الغالب ، الذي لا يغلبه ولا يقهره شيء .
الْجَبَّارُ : صاحب الجبروت والقدرة العالية .
الْمُتَكَبِّرُ : الذي ترفّع عن كل نقص ، وتعظم عما لا يليق به .
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ : أسبح الله وأنزهه عما يشركون معه من الأوثان .
ثم كرر [ ذكر ] عموم إلهيته وانفراده بها ، وأنه المالك لجميع الممالك ، فالعالم العلوي والسفلي وأهله ، الجميع ، مماليك لله ، فقراء مدبرون .
{ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ } أي : المقدس السالم من كل عيب وآفة ونقص ، المعظم الممجد ، لأن القدوس يدل على التنزيه عن كل نقص ، والتعظيم لله في أوصافه وجلاله .
{ الْمُؤْمِنُ } أي : المصدق لرسله وأنبيائه بما جاءوا به ، بالآيات البينات ، والبراهين القاطعات ، والحجج الواضحات .
{ الْعَزِيزُ } الذي لا يغالب ولا يمانع ، بل قد قهر كل شيء ، وخضع له كل شيء ، { الْجَبَّارُ } الذي قهر جميع العباد ، وأذعن له سائر الخلق ، الذي يجبر الكسير ، ويغني الفقير ، { الْمُتَكَبِّرُ } الذي له الكبرياء والعظمة ، المتنزه عن جميع العيوب والظلم والجور .
{ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وهذا تنزيه عام عن كل ما وصفه به من أشرك به وعانده .