قوله تعالى { ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما } .
اعلم أنه تعالى جمع في هذه الآية خمسة وعشرين نوعا من التكاليف . فأولها : قوله : { ولا تجعل مع الله إلها آخر } وقوله : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } مشتمل على تكليفين : الأمر بعبادة الله تعالى ، والنهي عن عبادة غير الله ، فكان المجموع ثلاثة . وقوله : { وبالوالدين إحسانا }هو الرابع ، ثم ذكر في شرح ذلك الإحسان خمسة أخرى وهي : قوله : { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما } فيكون المجموع تسعة ، ثم قال : { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل } وهو ثلاثة فيكون المجموع اثني عشر . ثم قال : { ولا تبذر تبذيرا } فيصير ثلاثة عشر . ثم قال : { وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا } وهو الرابع عشر ثم قال : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } إلى آخر الآية وهو الخامس عشر ، ثم قال : { ولا تقتلوا أولادكم } وهو السادس عشر ، ثم قال : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } وهو السابع عشر ثم قال : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } وهو الثامن عشر ، ثم قال : { فلا يسرف في القتل } وهو التاسع عشر ، ثم قال : { وأوفوا بالعهد } وهو العشرون . ثم قال : { وأوفوا الكيل إذا كلتم } وهو الحادي والعشرون ، ثم قال : { وزنوا بالقسطاس المستقيم } وهو الثاني والعشرون ، ثم قال : { ولا تقف ما ليس لك به علم } وهو الثالث والعشرون ، ثم قال : { ولا تمش في الأرض مرحا } وهو الرابع والعشرون ، ثم قال : { ولا تجعل مع الله إلها آخر } وهو الخامس والعشرون ، فهذه خمسة وعشرون نوعا من التكاليف بعضها أوامر وبعضها نواه جمعها الله تعالى في هذه الآيات وجعل فاتحتها قوله : { ولا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا } وخاتمتها قوله : { ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا } إذا عرفت هذا فنقول : ههنا فوائد :
الفائدة الأولى : قوله : { ذلك } إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من التكاليف وسماها حكمة ، وإنما سماها بهذا الاسم لوجوه : أحدها : أن حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد وأنواع الطاعات والخيرات والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، والعقول تدل على صحتها . فالآتي بمثل هذه الشريعة لا يكون داعيا إلى دين الشيطان بل الفطرة الأصلية تشهد بأنه يكون داعيا إلى دين الرحمن ، وتمام تقرير هذا ما نذكره في سورة الشعراء في قوله : { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم } وثانيها : أن الأحكام المذكورة في هذه الآيات شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان والملل ولا تقبل النسخ والإبطال ، فكانت محكمة وحكمة من هذا الاعتبار . وثالثها : أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، فالأمر بالتوحيد عبارة عن القسم الأول وسائر التكاليف عبارة عن تعليم الخيرات حتى يواظب الإنسان عليها ولا ينحرف عنها ، فثبت أن هذه الأشياء المذكورة في هذه الآيات عين الحكمة ، وعن ابن عباس : أن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه الصلاة والسلام : أولها : { ولا تجعل مع الله إلها آخر } قال تعالى : { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء } .
والفائدة الثانية : من فوائد هذه الآية أنه تعالى بدأ في هذه التكاليف بالأمر بالتوحيد ، والنهي عن الشرك وختمها بعين هذا المعنى ، والمقصود منه التنبيه على أن أول كل عمل وقول وفكر وذكر يجب أن يكون ذكر التوحيد ، وآخره يجب أن يكون ذكر التوحيد ، تنبيها على أن المقصود من جميع التكاليف هو معرفة التوحيد والاستغراق فيه ، فهذا التكرير حسن موقعه لهذه الفائدة العظيمة ثم إنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الشرك يوجب أن يكون صاحبه مذموما مخذولا ، وذكر في الآية الأخيرة أن الشرك يوجب أن يلقي صاحبه في جهنم ملوما مدحورا ، فاللوم والخذلان يحصل في الدنيا ، وإلقاؤه في جهنم يحصل يوم القيامة ويجب أن نذكر الفرق بين المذموم المخذول ، وبين الملوم المدحور . فنقول : أما الفرق بين المذموم وبين الملوم ، فهو أن كونه مذموما معناه : أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر ، فهذا معنى كونه مذموما ، وإذا ذكر له ذلك فبعد ذلك يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل ، وما الذي حملك عليه ، وما استفدت من هذا العمل إلا إلحاق الضرر بنفسك ؟ وهذا هو اللوم . فثبت أن أول الأمر هو أن يصير مذموما ، وآخره أن يصير ملوما ، وأما الفرق بين المخذول وبين المدحور فهو أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال : تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت ، وأما المدحور فهو المطرود . والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة قال تعالى : { ويخلد فيه مهانا } فكونه مخذولا عبارة عن ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه ، وكونه مدحورا عبارة عن إهانته والاستخفاف به ، فثبت أن أول الأمر أن يصير مخذولا ، وآخره أن يصير مدحورا ، والله أعلم بمراده .
ويختم الأوامر والنواهي كما بدأها بربطها بالله وعقيدة التوحيد والتحذير من الشرك . وبيان أنها بعض الحكمة التي يهدي إليها القرآن الذي أوحاه الله إلى الرسول :
( ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ) .
وهو ختام يشبه الابتداء . فتجيء محبوكة الطرفين ، موصولة بالقاعدة الكبرى التي يقيم عليها الإسلام بناء الحياة ، قاعدة توحيد الله وعبادته دون سواه . .
{ يَفْعَلْ ذلك } المتقدم في التكاليف المفصلة { مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ } أي بعض منه أو منه جنسه { مِنَ الحكمة } التي هي علم الشرائع أو معرفة الحق سبحانه لذاته والخير للعمل به أو الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخ والفساد ، وفي الكشاف عن ابن عباس هذه الثماني عشرة آية يعني من { لاَّ تَجْعَل } [ الإسراء : 22 ] فيما مر إلى { مَلُومًا مَّدْحُورًا } بعد كانت في ألواح موسى عليه السلام وهي عشر آيات في التوراة ، وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلا { وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } وهذا أعظم مدحاً للقرآن الكريم ما في الكشاف ، و { مِنْ } اما متعلقة بأوحى على أنها تبعيضية أو ابتدائية وإما بمحذوف وقع حالا من الموصول أو عائده المحذوف أي من الذي أوحاه إليك ربك كائناً من الحكمة ، وجوز أن يكون الجار والمجرور بدلاً من ما { وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } الخطاب نظير الخطاب السابق كرر للتنبيه على أن التوحيد مبدى الأمر ومنتهاه وأنه رأس كل حكمة وملاكها ، ورتب عليه أولا ما هو عائدة الشرك في الدنيا حيث قال { فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً } [ الإسراء : 22 ] ورتب عليه ههنا نتيجته في العقبى فقيل { فتلقى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا } من جهة نفسك ومن جهة غيرك { مَّدْحُورًا } مبعدا من رحمة الله تعالى . وفي التفسير الكبير الفرق بين المذموم والملوم أن المذموم هو الذي يذكر أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر والملوم هو الذي يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت منه الإلحاق الضرر بنفسك . ومن هذا يعلم أن الذم يكون أولاً واللوم آخراً ، والفرق بين المخذول والمدحور أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت ، والمراد به من تركت اعانته وفوض إلى نفسه والمدحور المطرود والمراد به المهان والمستخف به انتهى . وفي إيراد الالقاء مبنياً للمفعول جرى على سنن الكبرياء وازدراء بالمشرك وجعل له كخشبة يأخذها من كان فيلقيها في التنور ، هذا وقد وحد الخطاب في بعض هذه الأوامر والنواهي وجمع في بعض آخر منها ولم يظهر لي سر اختار كل من التوحيد والجمع فيما اختير فيه على وجه يسلم من القيل والقال ويهش له كمل الرجال ، وقد ذكرت ذلك لبعض أحبابي من اجلة المحققين ورؤساء المدرسين وطلبت منه أن يحرر ما يظهر له حيث إنه محقق كماله وفضله فكتب ما نصه أقول معترفاً بالقصور محترزاً عن الغرور معتذراً بالقول المأثور المأمور معذور يخطر على خاطر الفقير لتغيير أسلوب الخطاب وجوه تسعة لا تدخل في الحساب .
الأول الأشعار بانقسام هذه التكاليف إلى أقسام ثلاثة قسم أهل الكل خوطب به الأمة مرتين مرة تصريحاً بخطاب أنفسهم ومرة تعريضاً بخطاب رسولهم صلى الله عليه وسلم وهذا الأهم هو التوحيد ، وقسم مهم جداً لكن دون الأول خوطبوا به واحدة تصريحاً وهو أمور سبعة ، الأول مطلق الإحسان بالوالدين فإن انتفاءه بأن لا يحسن إليهماأصلاً من أشد مراتب العقوق ، والثاني ترك قتل الأولاد ، والثالث الزنا ، والرابع ترك قتل النفس المحرمة إلا بالحق ، والخامس ترك التصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، والسادس الإيفاء بالعهد ، والسابع الوزن بالقسطاس المستقيم . وقسم ثالث دون الأولين في المهمية خوطبوا به واحدة تعريضاً وهو أيضاً أمور أحد عشر .
الأول ترك قول أف للوالدين ، والثاني ترك النهر فإن التأفيف والنهر من أهون مراتب العقوق بخلاف ترك الإحسان مطلقاً ، والثالث قول القول الكريم لهما ، والرابع خفض الجناح من الرحمة ، والخامس الدعاء برحمة الله تعالى وهذه الثلاثة تركها ليس كترك مطلق الإحسان مثلا ؛ والسادس ترك إيتاء حق ذي القربى والمساكين وابن السبيل وظاهر أن عدم القيام بإيتاء مجموع الحقوق الثلاثة أهون من ترك الأمور المذكورة في القسم الثاني ، والسابع ترك التبذير ؛ والثامن قول القول الميسور ، والتاسع العدل في المنع والعطاء ، والعاشر ترك القفو لما ليس به علم الصادق على القول بموجب الظن مثلاً ، والحادي عشر ترك المشي مرحاً وترك واحد من هذه الخمسة أيها كان لا يبلغ ترك واحد من الأمور المكلف بها المذكورة في القسم الثاني كما لا يخفى . والثاني من تلك الوجوه الإيمان باتقران خطاب الأمة في النهي عن كبائر خطيرة مثلاً بخطابه صلى الله عليه وسلم عما ليس في خطرها إلى أن الذنوب نزداد عظماً بعظم مرتكبها فرضاً كما يدل عليه آية { ولَّوْلاَ أَن * ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شيئا قَلِيلاً * إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات } [ الإسراء : 74 ، 75 ] وكريمة { يانساء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ } [ الأحزاب : 30 ] وكما اشتهر أن حسنات الأبرار سيئات المقربين أون المقربين على خطر عظيم لكن لم تراع هذه النكتة في النهى عن الشرك إشارة إلى أنه في غاية العطم بحيث لا ينبغي أن يتصور في عظمه ازدياد وتفاوت الأفراد ، أو نقول : لما عارضت هذه النكتة نكتة أخرى رجحت لكونها بالرعاية أحرى وهي الإشارة إلى أن الشرك كان عند الله سبحانه عظيماً فكرر الخطاب بالنهي عنه تخصيصاً وتعميماً ، وهكذا نقول في عدم رعاية نكتة الوجوه الآتية في التكليف بالتوحيد ولا نعيد . والثالث من تلك الوجوه التنبيه بتعميم الخطاب في النهي عن بعض المعاصي والأمر ببعض الطاعات على أن فتنة فعل تلك المعاصي وترك تلك الطاعات لا تصيب الذين ظلموا خاصة .
والرابع منها الإشارة بتعميم الخطاب فيما عمم فيه من المنهيات والمأمورات إلى أن تلك المنهيات كما يجب على كل مكلف الانكفاف عنها يجب عليه كف الغير بحيث لو تركه لكان كفاعله في أنه اقترف كبيرة نهى عنها نهى تلك المنهيات وإلى أن تلك المأمورات كما يجب على الكل أداؤها يجب اجبار التارك على أدائها بحيث لو لم يجبر لكان كتاركها في أنه ترك واجباً أمر به تلك المأمورات وبتخصيص الخطاب فيما خصص فيه إلى أنه ليس بتلك المقابة فإنه وإن وجب إجبار الغير على بعض تكاليفه لكن عسى أن لا يكون تركه كبيرة . والخامس الرمز بتوحيد الخطاب فيما وحد فيه أن تلك الطاعة لا تصدر إلا من الآحاد لأنها لا يوفي حقها إلا المتورعون الصالحون وقليل ما هم بخلاف غيرها فإنه مضبوط .
والسادس : الأشعار بأن التكاليف التي خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لا يقوم بها حق القيام إلا هو أو من يقتدي بأنواره ويقتفي لآثاره ويسعى في اتباع سننه القويم ويجتهد ، في التخلق بخلقه الكريم بخلاف غيرها مما خوطبوا به صريحاً فإنها تأتي من أغلبهم .
والسابع : أنه صرف الخطاب عنه صلى الله عليه وسلم في النهي عن قتل الأولاد والزنا وقتل النفس المحرمة إلا بالحق والتصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن إشارة إلى أن تلك الشنائع لا يأتيها النبي عليه الصلاة والسلام وإن لم ينه عنها لأن فطرته وفطنته وسلام طبعه اللطيفة واستقامة مزاجه الشرف كانت كافية في كفه عنها ، وكذا صرف عنه الخطاب في الأمر بالإحسان بالوالدين والإيفاء بالعهد والوزن بالقسطاس المستقيم إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم يأتي بهذه الأمور وإن لم يؤمر بها لأن ترك مطلق الإحسان بالوالدين لو بلغا لديه الكبر مثلا يلزمه من الفظاظة وغلظة القلب وجفاء الطبع ما كان يأباه طبيعته صلى الله عليه وسلم وكذا الغدر والتطفيف كانا تأباهما أخلاقه الكريمة لكن خوطب بالنهي عن الشرك لأنه ليس للطبع والخلق في التوحيد والشرك دخل .
والثامن : أنه تعالى إجلالاً لحبيبه صلى الله عليه وسلم لم يخاطبه بنهيه عن فواحش قتل الولد والزنا وقتل النفس بغير حق لئلا يوهم أنه وحاشاه يأتيها قبل النهي ، وكذا لم يخاطبه بأمره بالإيفاء بالعهد ، والوزن بالقسطاس المستقيم لئلا يوهم أنه كان وحاشاه يتركها قبل هذا ، وهذا الايهام ادعى للاعتناء بدفعه من الإيهام فيما خوطب به وحده ، وخوطب بالنهي عن الشرك لأن معهودية دعوته صلى الله عليه وسلم للخاص والعام مدى الليالي والأيام كفته هذا الإيهام .
والتاسع : لعل التكاليف التي خوطب صلى الله عليه وسلم بها كترك القفو لما ليس له به علم وترك المشي في الآرض مرحاً لم تكن في غير دينه من سائر الأديان أو لم تكن مصرحاً بها منصوصاً عليها في الكتب السماوية ما عدا القرآن فوجه الخطاب إليه وحده تلويحاً بأنها من خصائص دينه أو بأن التصريح بها والتنصيص عليها من خصائص كتابه ، ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى بعد النهي عن القفو بلا علم والمشي مرحاً { ذلك مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة } ثم إني لا أدعي في هذا بل وفي سائر الوجوه البت والجزم ولا أقفو ما ليس لي به علم بل أقول هذا خطر ببالي الكسير والعلم عند اللطيف الخبير اه .
ويرد على قوله في الأول فإن انتفاءه بإن لا يحسن إليهما أصلاً من أشد مراتب العقوق أن العقوق الذي هو كبيرة فعل ما يتأذى به من فعل معه من الوالدين تاذيا ليس بالهين عرفا كما سمعت وعدم الإحسان أصلاً قد لا يكون من ذلك ، قال العلامة ابن حجر في أثناء الكلام على الفرق بين العقوق وقطع الرحم : إنه لو فرض أن قريبه لم يصل إليه إحسان ولا إساءة قط لم يفسق بذلك لأن الأبوين إذا فرض ذلك في حقهما من غير أن يفعل معهما ما يقتضي التاذي العظيم لغناهما مثلا لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب اه . وكأنه أحسن الله تعالى إليه ظن أنه إذا تحقق عدم الإحسان تحققت الإساءة وهو بمعزل عن الصواب ، ويرد أيضاً على قوله : وظاهر أن عدم القيام بإيتاء مجموع الحقوق الثلاثة أهون من ترك الأمور المذكورة في القسم الثاني أنه إن أراد أنه أهون من ترك مجموع تلك الأمور فلا شك إن بعض ما عده في القسم الثالث كالوزن بالقسطاس المستقيم ترك القيام به أهون من ترك مجموع التكليفات فما معنى هذا التخصيص وإن أراد أنه أهون من ترك كل واحد من ترك الأمور المذكورة فهو ممنوع كيف لا ويكون في ذلك قطيعة رحم وقاطعها ملعون في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع .
وروى أحمد بإسناد صحيح أن من أربا الربا الاستطالة بغير حق وإن هذه الرحم شجنه من الرحمن فمن قطعها حرم الله تعالى عليه الجنة ؛ ومنع زكاة أيضاً وقد قال تعالى في حم السجدة [ 6 ، 7 ] وهي مكية كهذه السورة { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون } وإن نوقش فيما ذكر قلنا : إن عدم القيام بإيتاء ما ذكر صادق على منع حقوق ثلاثة أصناف ولا شك أن منع ذي الحق حقه ظلم له فيتعدد الظلم فيما نحن فيه ولا أظن أن ذلك أهون من التطفيف وإن كان ظلماً أيضاً : «
على القلب من وقع الحسام المهند »
ومما ذكرنا يعلم أن قوله ظاهر غير ظاهر ، ويرد أيضاً على قوله : وترك واحد من هذه الخمسة الخ أن قوله سبحانه
{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [ الإسراء : 36 ] نهى على ما اختاره الإمام عن كبائر لا شك في أن بعضها أعظم بكثير من بعض ما في القسم الثاني كالقول في الالهيات والنبوات نحو ما يقوله المشركون تقليداً للاسلاف واتباعاً للهوى وإن أبيت إلا تخصيصه ببعض ما قاله المفسرون ونقله الإمام مما هو أهون أفراده كالكذب قيل لك إن في كونه أهون من انتفاء الإحسان مطلقاً مع كونه قد لا يكون كبيرة منعاً ظاهراً كما لا يخفى . وكذا في كون المسي مرحاً دون كل واحد من الأمور السابقة بحث .
وقد أخرج الشيخان «بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل مختال في مشيته إذ خسف الله تعالى به فهو يتجلجل في الآرض إلى يوم القيامة » وروي أحمد وابن ماجه . والحاكم «ما من رجل يتعاظم في نفسه ويختال في مشيته إلا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان » وصح «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر » إلى غير ذلك من الأحاديث التي لم يجىء مثلها فيمن لم يحسن إلى والديه نعم جاء ذلك فيمن عق والديه ، وبين عقوقهما وعدم الاحسان إليهما عموم وخصوص مطلق وعلى هذا فلا يخفى حال كما لا يخفى ، ويرد على الوجه الثاني على ما فيه أنه غير واف بالغرض ، وعلى الثالث أنه مجرد دعوى لم تساعدها الآثار ، نعم ورد في بعض ما ذكر أن فتنته لا تصيب الظالم فقط ما يؤيده ، ومن ذلك ما أخرجه البيهقي وغيره «يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلت بكم أعوذ بالله تعالى أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يلعنوا بها إلا فشافيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ولم ينعوا زكاة أموالهم إلا منعوا المطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولا نقضوا عهد الله تعالى وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم إلا سلط الله تعالى عليهم عدوا من غيرهم فيأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى إلا جعل الله تعالى باسهم بينهم » وإن كان في عدم إيتاء المسكين وابن السبيل حقهما منع الزكاة فأمر الإيماء المذكور لا يخفي حاله فإن الأخبار قد تظافرت بعموم شؤم ذلك ، فقد صح «ما منع قوم الزكاة إلا حبس الله تعالى عنهم القطر » وفي رواية صحيحة «إلا ابتلاهم الله تعالى بالسنين » إلى غير ذلك ، ويرد على الوجه الرابع أن بعضهم قد أطلق القول بأن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كبيرة .
وصرح صاحب العدة بأن الغيبة نفسها صغيرة وترك النهي عنها كبيرة ، وقال بعض المتأخرين ونقله الجلال البلقيني ينبغي أن يفصل في النهي عن المنكر فيقال : إن كان كبيرة فالسكوت عليه مع إمكان دفعه كبيرة وإن كان صغيرة فالسكوت عليه صغيرة ، ويقاس ترك المأمور بهذا إذا قلنا : إن الواجبات تتفاوت وهو الظاهر اه .
وقد علمت أن فيما وحد الخطاب فيه من الأوامر ما تركه كبيرة ومن النواهي ما فعله كذلك فلم يتحقق مارجا سلمه الله تعالى على أن في تعبيره بالإجبار فيما عبر فيه ما لا يخفى ، ويرد على الخامس أن في كون الطاعات التي وحد فيها الخطاب لا تصدر إلا من الآحاد لأنها لا يوفى حقها إلا المتورعون منعاً ظاهراً فإن أكثر الناس صالحهم وطالحهم لا يمشي في الآرض مرحاً ومثل ذلك الدعاء للوالدين بالرحمة فانا نسمعه على أتم وجه من كثير ممن لا يعرف الورع أي شيء هو ، وكذا في قوله : بخلاف غيرها فإنه مضبوط فإن ترك التصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ممن له ولاية عليه أمر شاق لا يكاد يفوم به إلا الأفراد ، قال في رد المحتار حاشية الدر المختار : لا ينبغي للموصى إليه أن يقبل لصعوبة العدل جداً ، ومن هنا قال أبو يوسف : الدخول في الوصاية أول مرة غلط وثاني مرة خيانة وثالث مرة سرقه ، ومن هذا يعلم ما في الوجه السادس ، ويرد على السابع أيضاً أن المشي في الآرض مرحاً كالأمور التي صرف الخطاب في النهي عنها عنه صلى الله عليه وسلم في أن فطرته وفطنته وسلامة طبعه اللطيف واستقامة مزاجه الشريف كافية في الكف عنه فإن الكبر من البشر لا ينشأ إلا عن جهل وبلادة وقد جبل عليه الصلاة والسلام على أكمل ما يكون من التواضع بل وسائر الصفات التي هي كمال في النوع الإنساني ويؤيد ذلك قوله تعالى : { وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم : 4 ] مع أنه لم يصرف الخطاب فيه وأنه حيث اعتبر الفطنة في الكافي عن الكف لم ينفعه الاعتذار عن توحيد الخطاب في النهي عن الشرك بما اعتذر به فإن للفطنة دخلاً تاماً في التوحيد كما لا يخفى على فطن ، ويرد على قوله في الثامن : وهذا الإيهام الخ منع ظاهر فلا يخفى حاله كما لا يخفى ، ويرد على التاسع أنه لا يساعده نقل ولا عقل بل جاء في النقل ما يخالفه كما سمعت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وإن اعتبر النهي عن الشرك من تلك التكليفات فهو كاف في تزييف هذا الوجه لأن النهي عن الشرك جاءبه كل رسول ونطق به كل كتاب وما ذكره مؤيداً لغرضه بمعزل عن التأييد ، هذا وبقيت إيرادات أخر على هذه الوجوه أعرضنا عنها وتركناها للذكي الفطن حذراً من التطويل فتأمل ذاك والله يتولى هداك .