قوله تعالى { قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } .
واعلم أن زكريا عليه السلام لفرط سروره بما بشر به وثقته بكرم ربه ، وإنعامه عليه أحب أن يجعل له علامة تدل على حصول العلوق ، وذلك لأن العلوق لا يظهر في أول الأمر فقال : { رب اجعل لي ءاية } فقال الله تعالى : { آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكره ههنا ثلاثة أيام ، وذكر في سورة مريم ثلاثة ليالي فدل مجموع الآيتين على أن تلك الآية كانت حاصلة في الأيام الثلاثة مع لياليها .
المسألة الثانية : ذكروا في تفسير هذه الآية وجوها أحدها : أنه تعالى حبس لسانه ثلاثة أيام فلم يقدر أن يكلم الناس إلا رمزا ، وفيه فائدتان إحداهما : أن يكون ذلك آية على علوق الولد والثانية : أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا ، وأقدره على الذكر والتسبيح والتهليل ، ليكون في تلك المدة مشتغلا بذكر الله تعالى ، وبالطاعة والشكر على تلك النعمة الجسيمة وعلى هذا التقدير يصير الشيء الواحد علامة على المقصود ، وأداء لشكر تلك النعمة ، فيكون جامعا لكل المقاصد .
ثم اعلم أن تلك الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه أحدها : أن قدرته على التكلم بالتسبيح والذكر ، وعجزه عن التكلم بأمور الدنيا من أعظم المعجزات وثانيها : أن حصول ذلك المعجز في تلك الأيام المقدورة مع سلامة البنية واعتدال المزاج من جملة المعجزات وثالثها : أن إخباره بأنه متى حصلت هذه الحالة فقد حصل الولد ، ثم إن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضا من المعجزات .
القول الثاني في تفسير هذه الآية : وهو قول أبي مسلم : أن المعنى أن زكريا عليه السلام لما طلب من الله تعالى آية تدله على حصول العلوق ، قال آيتك أن لا تكلم ، أي تصير مأمورا بأن لا تتكلم ثلاثة أيام بلياليها مع الخلق ، أي تكون مشتغلا بالذكر والتسبيح والتهليل معرضا عن الخلق والدنيا شاكرا لله تعالى على إعطاء مثل هذه الموهبة ، فإن كانت لك حاجة دل عليها بالرمز فإذا أمرت بهذه الطاعة فاعلم أنه قد حصل المطلوب ، وهذا القول عندي حسن معقول ، وأبو مسلم حسن الكلام في التفسير كثير الغوص على الدقائق واللطائف .
القول الثالث : روي عن قتادة أنه عليه الصلاة والسلام عوقب بذلك من حيث سأل الآية بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصير بحيث لا يقدر على الكلام .
أما قوله { إلا رمزا } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : أصل الرمز الحركة ، يقال : ارتمز إذا تحرك ، ومنه قيل للبحر : الراموز ، ثم اختلفوا في المراد بالرمز ههنا على أقوال أحدها : أنه عبارة عن الإشارة كيف كانت باليد ، أو الرأس ، أو الحاجب ، أو العين ، أو الشفة والثاني : أنه عبارة عن تحريك الشفتين باللفظ من غير نطق وصوت قالوا : وحمل الرمز على هذا المعنى أولى ، لأن الإشارة بالشفتين يمكن وقوعها بحيث تكون حركات الشفتين وقت الرمز مطابقة لحركاتهما عند النطق فيكون الاستدلال بتلك الحركات على المعاني الذهنية أسهل والثالث : وهو أنه كان يمكنه أن يتكلم بالكلام الخفي ، وأما رفع الصوت بالكلام فكان ممنوعا منه .
فإن قيل : الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه ؟ .
قلنا : لما أدى ما هو المقصود من الكلام سمي كلاما ، ويجوز أيضا أن يكون استثناء منقطعا فأما إن حملنا الرمز على الكلام الخفي فإن الإشكال زائل .
المسألة الثانية : قرأ يحيى بن وثاب { إلا رمزا } بضمتين جمع رموز ، كرسول ورسل ، وقرئ { رمزا } بفتح الراء والميم جمع رامز ، كخادم وخدم ، وهو حال منه ومن الناس ، ومعنى { إلا رمزا } إلا مترامزين ، كما يتكلم الناس مع الأخرس بالإشارة ويكلمهم .
ثم قال الله تعالى : { واذكر ربك كثيرا } وفيه قولان أحدهما : أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا { إلا رمزا } فأما في الذكر والتسبيح ، فقد كان لسانه جيدا ، وكان ذلك من المعجزات الباهرة والثاني : إن المراد منه الذكر بالقلب وذلك لأن المستغرقين في بحار معرفة الله تعالى عادتهم في الأول أن يواظبوا على الذكر اللساني مدة فإذا امتلأ القلب من نور ذكر الله سكت اللسان وبقي الذكر في القلب ، ولذلك قالوا : من عرف الله كل لسانه ، فكأن زكريا عليه السلام أمر بالسكوت واستحضار معاني الذكر والمعرفة واستدامتها .
{ وسبح بالعشي والإبكار } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : { العشي } من حين نزول الشمس إلى أن تغيب ، قال الشاعر :
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه *** ولا الفيء من برد العشي تذوق
والفيء إنما يكون من حين زوال الشمس إلى أن يتناهى غروبها ، وأما الإبكار فهو مصدر بكر يبكر إذا خرج للأمر في أول النهار ، ومثله بكر وابتكر وبكر ، ومنه الباكورة لأول الثمرة ، هذا هو أصل اللغة ، ثم سمي ما بين طلوع الفجر إلى الضحى : إبكارا ، كما سمي إصباحا ، وقرأ بعضهم { والأبكار } بفتح الهمزة ، جمع بكر كسحر وأسحار ، ويقال : أتيته بكرا بفتحتين .
المسألة الثانية : في قوله { وسبح } قولان أحدهما : المراد منه : وصل لأن الصلاة تسمى تسبيحا قال الله تعالى : { فسبحان الله حين تمسون } وأيضا الصلاة مشتملة على التسبيح ، فجاز تسمية الصلاة بالتسبيح ، وههنا الدليل دل على وقوع هذا المحتمل وهو من وجهين الأول : أنا لو حملناه على التسبيح والتهليل لم يبق بين هذه الآية وبين ما قبلها وهو قوله { واذكر ربك } فرق ، وحينئذ يبطل لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز والثاني : وهو أنه شديد الموافقة لقوله تعالى : { أقم الصلاة طرفي النهار } وثانيهما : أن قوله { واذكر ربك } محمول على الذكر باللسان .
ولكن زكريا لشدة لهفته على تحقق البشرى ، ولدهشة المفاجأة في نفسه ، راح يطلب إلى ربه أن يجعل له علامة يسكن إليها :
( قال : رب اجعل لي آية . . . ) . .
هنا يوجهه الله سبحانه إلى طريق الاطمئنان الحقيقي ؛ فيخرجه من مألوفه في ذات نفسه . . إن آيته أن يحتبس لسانه ثلاثة أيام إذا هو اتجه إلى الناس ؛ وأن ينطلق إذا توجه إلى ربه وحده يذكره ويسبحه :
( قال : آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا . واذكر ربك كثيرا . وسبح بالعشي والإبكار )
ويسكت السياق هنا . ونعرف أن هذا قد كان فعلا . فإذا زكريا يجد في ذات نفسه غير المألوف في حياته وحياة غيره . . لسانه هذا هو لسانه . . ولكنه يحتبس عن كلام الناس وينطلق لمناجاة ربه . . أي قانون يحكم هذه الظاهرة ؟ إنه قانون الطلاقة الكاملة للمشيئة العلوية . . فبدونه لا يمكن تفسير هذه الغريبة . . كذلك رزقه بيحيى وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر ! ! !
{ قَالَ رَبّ اجعل لِّي ءايَةً } أي علامة تدلني على العلوق وإنما سألها استعجالاً للسرور قاله الحسن ، وقيل ليتلقى تلك النعمة بالشكر حين حصولها ولا يؤخر حتى تظهر ظهوراً معتاداً ، ولعل هذا هو الأنسب بحال أمثاله عليه السلام ، وقول السدي : إنه سأل الآية ليتحقق أن تلك البشارة منه تعالى لا من الشيطان ، ليس بشيء كما أشرنا إليه آنفاً ، والجعل إما بمعنى التصيير فيتعدى إلى مفعولين أولهما : { ءايَةً } ، وثانيما : { لِى } والتقديم ؛لأنه المسوغ لكون { ءايَةً } مبتدأ عند الانحلال ، وإما بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى إلى مفعول واحد وهو { ءايَةً } و { لِى } حينئذ في محل نصب على الحال من { ءايَةً } لأنه لو تأخر عنها كان صفة لها ، وصفة النكرة إذا تقدمت عليها أعربت حالا منها كما تقدمت الإشارة إليه غير مرة ويجوز أن يكون متعلقاً بما عنده وتقديمه للاعتناء به والتشويق لما بعده .
{ قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ الناس } أي أن لا تقدر على تكليمهم من غير آفة وهو الأنسب بكونه آية والأوفق لما في سورة مريم ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن جبير بن معتمر قال : ربا لسانه في فيه حتى ملأه فمنعه الكلام ، والآية فيه عدم منعه من الذكر والتسبيح ، وعلى كلا التقديرين عدم التكليم اضطراري ، وقال أبو مسلم : إنه اختياري ، والمعنى آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم إلا بالذكر والتسبيح ولا يخفى بعده هنا ، وعليه وعلى القولين قبله يحتمل أن يراد من عدم التكليم ظاهره فقط وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون كناية عن الصيام لأنهم كانوا إذ ذاك إذا صاموا لم يكلموا أحداً وإلى ذلك ذهب عطاء وهو خلاف الظاهر ، ومع هذا يتوقف قبوله على توقيف ، وإنما خص تكليم الناس للإشارة إلى أنه غير ممنوع من التكلم بذكر الله تعالى { ثلاثة أَيَّامٍ } أي متوالية ، وقال بعضهم المراد ثلاثة أيام ولياليها ، وقيل : الكلام على حذف مضاف أي ليالي ثلاثة أيام لقوله سبحانه في سورة [ مريم : 10 ] { ثلاث لَيَالٍ } والحق أن الآية كانت عدم التكليم ستة أفراد إلا أنه اقتصر تارة على ذكر { ثلاثة أَيَّامٍ } منها وأخرى على { ثلاث لَيَالٍ } وجعل ما لم يذكر في كل تبعاً لما ذكر ، قيل : وإنما قدم التعبير بالأيام لأن يوم كل ليلة/ قبلها في حساب الناس يومئذ ، وكونه بعدها إنما هو عند العرب خاصة كما تقدمت الإشارة إليه ، واعترض بأن آية الليالي متقدمة نزولاً لأن السورة التي هي فيها مكية والسورة التي فيها آية الأيام مدنية ، وعليه يكون أول ظهور هذه الآية ليلاً ويكون اليوم تبعاً لليلة التي قبلها على ما يقتضيه حساب العرب فتدبر .
فالبحث محتاج إلى تحرير بعد ، وإنما جعل عقل اللسان آية العلوق لتخلص المدة لذكر الله تعالى وشكره قضاءاً لحق النعمة كأنه قيل له : آية حصول النعمة أن تمنع عن الكلام إلا بشكرها ، وأحسن الجواب على ما قيل : ما أخذ من السؤال كما قيل لأبي تمام ، لم تقول ما لا نفهم ؟ فقال : لم لا نفهم ما يقال ؟ وهذا مبني على أن سؤال الآية منه عليه السلام إنما كان لتلقي النعمة بالشكر ، ولعل دلالة كلامه على ذلك بواسطة المقام وإلا ففي ذلك خفاء كما لا يخفى . وأخرج عبد الرزاق وغيره عن قتادة أن حبس لسانه عليه السلام كان من باب العقوبة حيث طلب الآية بعد مشافهة الملائكة له بالبشارة ولعل الجناية حينئذ من باب ( حسنات الأبرار سيآت المقربين ) ومع هذا حسن الظن يميل إلى الأول ، ومذهب قتادة لا آمن على الأقدام الضعيفة قتاده { إِلاَّ رَمْزًا } أي إيماءاً وأصله التحرك يقال : ارتمز أي تحرك ، ومنه قيل للبحر : الراموز ، وأخرج الطيبي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن الرمز فقال : الإشارة باليد والوحي بالرأس فقال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم أما سمعت قول الشاعر :
ما في السماء من الرحمن ( مرتمز ) *** إلا إليه وما في الأرض من وزر
وعن مجاهد أن الرمز هنا كان تحريك الشفتين ، وقيل : الكتابة على الأرض ، وقيل : الإشارة بالمسبحة ، وقيل : الصوت الخفي وقيل : كل ما أوجب اضطراباً في الفهم كان رمزاً وهو استثناء منقطع بناءاً على أن الرمز الإشارة والإفهام من دون كلام وهو حينئذ ليس من قبيل المستثنى منه وجوز أن يكون متصلاً بناءاً على أن المراد بالكلام ما فهم منه المرام ولا ريب في كون الرمز من ذاك القبيل ، ولا يخفى أن هذا التأويل خلاف الظاهر ويلزم منه أن لا يكون استثناء منقطع في الدنيا أصلاً ؛ إذ ما من استثناء إلا ويمكن تأويله بمثل ذلك مما يجعله متصلاً ولا قائل به ، وتعقب ابن الشجري النصب على الاستثناء هنا مطلقاً وادعى أن { رَمْزًا } مفعول به منتصب بتقدير حذف الخافض ، والأصل أن لا تكلم الناس إلا برمز ، فالعامل الذي قبل { إِلا } مفرغ في هذا النحو للعمل في ما بعدها بدليل أنك لو حذفت { إِلا } وحرف النفي استقام الكلام تقول في نحو ما لقيت إلا زيداً لقيت زيداً ، وفيما خرج إلا زيد ، خرج زيد ، وكذا لو قلت آيتك أن تكلم الناس رمزاً استقام وليس كذلك الاستثناء ، فلو قلت : ليس القوم في الدار إلا زيداً أو إلا زيد ثم حذفت النفي وإلا ، فقلت : القوم في الدار زيداً ، أو زيد لم يستقم ، فكذا المنقطع نحو ما خرج القوم إلا حماراً لو قلت : خرج القوم حماراً لم يستقم قاله السفاقسي ، وقرأ يحيى بن وثاب { إِلاَّ رمزًا } بضمتين جمع رموز كرسول ورسل .
وقرىء { *ورمزاً } بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم وهو من نادر الجمع وعلى القراءتين يكون حالا من الفاعل والمفعول معا أي مترامزين . ومثله قول عنترة :
متى ما تلقني ( فردين ) ترجف *** روانف أليتيك وتستطارا
وجوز أبو البقاء أن يكون { إِلاَّ رَمْزًا } على قراءة الضم مصدراً ، وجعله مسكن الميم في الأصل والضم عارض للاتباع كاليسر واليسر ، وعليه لا يختلف إعرابه فافهم .
{ واذكر رَّبَّكَ } أي في أيام الحبسة شكراً لتلك النعمة/ كما يشعر به التعرض لعنوان الربوبية ، وقيل : يحتمل أن يكون الأمر بالذكر شكراً للنعمة مطلقاً لا في خصوص تلك الأيام ، وأن يكون في جميع أيام الحمل لتعود بركاته إليه ، والمنساق إلى الذهن هو الأول ، والجملة مؤكدة لما قبلها مبينة للغرض منها ، واستشكل العطف من وجهين : الأول عطف الإنشاء على الإخبار ، والثاني : عطف المؤكد على المؤكد ، وأجيب بأنه معطوف على محذوف أي اشكر واذكر ، وقيل : لا يبعد أن يجعل الأمر بمعنى الخبر عطفاً على ( لا تكلم ) فيكون في تقدير : أن لا تكلم وتذكر ربك ، ولا يخفى ما فيه { كَثِيراً } صفة لمصدر محذوف أو زمان كذلك أي ذكراً كثيراً وزماناً كثيراً { وَسَبّحْ بالعشي } وهو من الزوال إلى الغروب قاله مجاهد وقيل : من العصر إلى ذهاب صدر الليل { والإبكار } أي وقته وهو من الفجر إلى الضحى ، وإنما قدر المضاف لأن الإبكار بكسر الهمزة مصدر لا وقت فلا تحسن المقابلة كذا قيل : وهو مبني على أن { العشي } جمع عشية الوقت المخصوص ، وإليه ذهب أبو البقاء ، والذي ذهب إليه المعظم أنه مصدر أيضاً على فعيل لا جمع . وإليه يشير كلام الجوهري فافهم ؛ وقرئ { بالعشي والابكار } بفتح الهمزة فهو حينئذ جمع بكر كسحر لفظاً ومعنى وهو نادر الاستعمال قيل : والمراد بالتسبيح الصلاة بدليل تقييده بالوقت كما في قوله تعالى : { فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [ الروم : 17 ] وقيل : الذكر اللساني كما أن المراد بالذكر الذكر القلبي ، و على كلا التقديرين لا تكرار في ذكر التسبيح مع الذكر ، و أل في الوقتين للعموم . وأبعد من جعلها للعهد أي عشي تلك الأيام الثلاثة وأبكارها والجار والمجرور متعلق بما عنده ، وليس من باب التنازع في المشهور ، وجوزه بعضهم في كون الأمر بالذكر مقيداً بهذين الوقتين أيضاً ، وزعم بعضهم أن تقييده بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار . وفيه بعد تسليم أنه مقيد به فقط أن الكثرة أخص من التكرار . وهذا ومن باب البطون : في الآيات { قَالَ رَبّ اجعل لِّى ءايَةً } على العلوق لأشكرك على هذه النعمة إذ شكر المنعم واجب وبه تدوم المواهب الإلهية { قَالَ رَبّ اجعل لِّي ءايَةً } بأن يحصر لسانك عن محادثتهم ليتجرد سرك لربك ويكون ظاهرك وباطنك مشغولاً به { إِلاَّ رَمْزًا } تدفع به ضيق القلب عند الحاجة ، وحقيقة الرمز عند العارفين تعريض السر إلى السر وإعلام الخاطر للخاطر بنعت تحريك سلسلة المواصلة بين المخاطب والمخاطب { واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا } بتخليص النية عن الخطرات وجمع الهموم بنعت تصفية السر في المناجاة وتحير الروح في المشاهدات { وَسَبّحْ } أي نزه ربك عن الشركة في الوجود { بالعشي والإبكار } [ آل عمران : 41 ] بالفناء والبقاء .
وإن أردت تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس فتقول : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا } الاستعداد { رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً } وهي النفس الطاهرة المقدسة عن النقائص { إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء } [ آل عمران : 38 ] ممن صدق في الطلب { فَنَادَتْهُ } ملائكة القوى الروحانية { وَهُوَ قَائِمٌ } منتهض لتكميل النشأة { يُصَلّى } ويدعو في محراب التضرع إلى الله تعالى المفيض على القوابل بحسب القابليات { أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } وهو الروح الحي بروح الحق والصفات الإلهية { مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } وهي ما تلقيها ملائكة الإلهام من قبل الفياض المطلق { وَسَيّدًا } لم تملكه الشهوات النفسانية { وَحَصُورًا } أي مبالغاً في الامتناع عن اللذائذ الدنيوية { وَنَبِيّا } بما يتلقاه من عالم الملكوت ومعدوداً
{ مّنَ الصالحين } [ آل عمران : 39 ] لهاتيك الحضرة القائمين بحقوق الحق والخلق لاتصافه بالبقاء بعد الفناء { قَالَ رَبّ أنى } أي كيف { يَكُونُ لِي غلام وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } وضعف القوى الطبيعية { وامرأتي } وهي النفس الحيوانية { عَاقِرٌ } عقيم عن ولادة مثل هذا الغلام إذ لا تلد الحية إلا حيية { قَالَ كذلك الله } في غرابة الشأن { يَفْعَلُ مَا يَشَاء } [ آل عمران : 40 ] من العجائب التي يستبعدها من قيده النظر إلى المألوفات ، وبقي أسيراً في سجن العادات { قَالَ رَبّ اجعل لِّى ءايَةً } على ذلك لأشكرك مستمطراً زيادة نعمك التي لا منتهى لها { قَالَ رَبّ اجعل لِّي ءايَةً } وهم ما يأنس به من اللذائذ المباحة { ثلاثة أَيَّامٍ } وهي يوم الفناء بالأفعال ويوم الفناء بالصفات ويوم الفناء بالذات { إِلاَّ رَمْزًا } أي قدراً يسيراً تدعو الضرورة إليه { واذكر رَّبَّكَ } الذي رباك حتى أوصلك إلى هذه الغاية { كَثِيراً } حيث منّ عليك بخير كثير { وَسَبّحْ } أي نزه ربك عن نقائص التقيد بالمظاهر { بالعشى والإبكار } أي وقتي الصحو والمحو .
وبعض الملتزمين لذكر البطون ذكر في تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس أن القوى البدنية امرأة عمران الروح نذرت ما في قوتها من النفس المطمئنة فوضعت أنثى النفس فكفلها زكريا الفكر فدخل عليها زكريا محراب الدماغ فوجد عندها رزقاً من المعاني الحدسية التي انكشفت لها بصفائها فهنالك دعا زكريا الفكر بتركيب تلك المعاني واستوهب ولداً مقدساً من لوث الطبيعة فسمع الله تعالى دعاءه فنادته ملائكة القوى الروحانية وهو قائم في أمره بتركيب المعلومات يناجي ربه باستنزال الأنوار في محراب الدماغ { أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } العقل مصدقاً بعيسى القلب الذي هو كلمة من الله لتقدسه عن عالم الأجرام { وَسَيّدًا } لجميع أصناف القوى { وَحَصُورًا } عن مباشرة الطبيعة { وَنَبِيّا } بالإخبار عن المعارف والحقائق وتعليم الأخلاق ومنتظماً في سلك الصالحين وهم المجردات ومقربو الحضرة { قَالَ رَبّ أنى يَكُونُ } ذلك { وَقَدْ بَلَغَنِي } كبر منتهى الطور { وامرأتى } وهي طبيعة الروح النفسانية { عَاقِرٌ } بالنور المجرد فطلب لذلك علامة فقيل له : علامة ذلك الإمساك عن مكالمة القوى البدنية في تحصيل مآربهم من اللذائذ { ثلاثة أَيَّامٍ } كل يوم عقد تام من أطوار العمر وهو عشر سنين { إِلا } بالإشارة الخفية ، وأمر بالذكر في هذه الأيام التي هي مع العشر الأول التي هي سن التميز أربعون سنة/ انتهى وهو قريب مما ذكرته ولعل ما ذكرته على ضعفي أولى منه ، وباب التأويل واسع وبطون كلام الله تعالى لا تحصى .