{ فنادته الملآئكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : فناداه الملائكة ، على التذكير والإمالة ، والباقون على التأنيث على اللفظ ، وقيل : من ذكر فلأن الفعل قبل الاسم ، ومن أنث فلأن الفعل للملائكة ، وقرأ ابن عامر { المحراب } بالإمالة ، والباقون بالتفخيم ، وفي قراءة ابن مسعود : فناداه جبريل .
المسألة الثانية : ظاهر اللفظ يدل على أن النداء كان من الملائكة ، ولا شك أن هذا في التشريف أعظم ، فإن دل دليل منفصل أن المنادي كان جبريل عليه السلام فقط صرنا إليه . وحملنا هذا اللفظ على التأويل ، فإنه يقال : فلان يأكل الأطعمة الطيبة ، ويلبس الثياب النفيسة ، أي يأكل من هذا الجنس ، ويلبس من هذا الجنس ، مع أن المعلوم أنه لم يأكل جميع الأطعمة ، ولم يلبس جميع الأثواب ، فكذا ههنا ، ومثله في القرآن { الذين قال لهم الناس } [ آل عمران : 173 ] وهم نعيم بن مسعود إن الناس : يعني أبا سفيان ، قال المفضل بن سلمة : إذا كان القائل رئيسا جاز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه ، فلما كان جبريل رئيس الملائكة ، وقلما يبعث إلا ومعه جمع صح ذلك .
أما قوله { وهو قائم يصلى في المحراب } فهو يدل على أن الصلاة كانت مشروعة في دينهم ، والمحراب قد ذكرنا معناه .
أما قوله { أن الله يبشرك بيحيى } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أما البشارة فقد فسرناها في قوله تعالى : { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } [ البقرة : 25 ] وفي قوله { يبشرك بيحيى } وجهان الأول : أنه تعالى كان قد عرف زكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله ذرية عالية ، فإذا قيل : إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان ذلك بشارة له بيحيى عليه السلام والثاني : أن الله يبشرك بولد اسمه يحيى .
المسألة الثانية : قرأ ابن عامر وحمزة { أن } بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها ، أما الكسر فعلى إرادة القول ، أو لأن النداء نوع من القول ، وأما الفتح فتقديره : فنادته الملائكة بأن الله يبشرك .
المسألة الثالثة : قرأ حمزة والكسائي { يبشرك } بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين ، وقرأ الباقون { يبشرك } وقرىء أيضا { يبشرك } قال أبو زيد يقال : بشر يبشر بشرا ، وبشر يبشر تبشيرا ، وأبشر يبشر ثلاث لغات .
المسألة الرابعة : قرأ حمزة والكسائي { يحيى } بالإمالة لأجل الياء والباقون بالتفخيم ، وأما أنه لم سمى يحيى فقد ذكرناه في سورة مريم ، واعلم أنه تعالى ذكر من صفات يحيى ثلاثة أنواع :
الصفة الأولى : قوله { مصدقا بكلمة من الله } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال الواحدي قوله { مصدقا بكلمة من الله } نصب على الحال لأنه نكرة ، ويحيى معرفة .
المسألة الثانية : في المراد { بكلمة من الله } قولان الأول : وهو قول أبي عبيدة : أنها كتاب من الله ، واستشهد بقولهم : أنشد فلان كلمة ، والمراد به القصيدة الطويلة .
والقول الثاني : وهو اختيار الجمهور : أن المراد من قوله { بكلمة من الله } هو عيسى عليه السلام ، قال السدي : لقيت أم عيسى أم يحيى عليهما السلام ، وهذه حامل بيحيى وتلك بعيسى ، فقالت : يا مريم أشعرت أني حبلى ؟ فقالت مريم : وأنا أيضا حبلى ، قالت امرأة زكريا فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله { مصدقا بكلمة من الله } وقال ابن عباس : إن يحيى كان أكبر سنا من عيسى بستة أشهر ، وكان يحيى أول من آمن وصدق بأنه كلمة الله وروحه ، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى عليهما السلام ، فإن قيل : لم سمي عيسى كلمة في هذه الآية ، وفي قوله { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته } [ النساء : 171 ] قلنا : فيه وجوه الأول : أنه خلق بكلمة الله ، وهو قوله { كن } من غير واسطة الأب ، فلما كان تكوينه بمحض قول الله { كن } وبمحض تكوينه وتخليقه من غير واسطة الأب والبذر ، لا جرم سمى : كلمة ، كما يسمى المخلوق خلقا ، والمقدور قدرة ، والمرجو رجاء ، والمشتهي شهوة ، وهذا باب مشهور في اللغة والثاني : أنه تكلم في الطفولية ، وآتاه الله الكتاب في زمان الطفولية ، فكان في كونه متكلما بالغا مبلغا عظيما ، فسمي كلمة بهذا التأويل وهو مثل ما يقال : فلان جود وإقبال إذا كان كاملا فيهما والثالث : أن الكلمة كما أنها تفيد المعاني والحقائق ، كذلك عيسى كان يرشد إلى الحقائق والأسرار الإلهية ، فسمى : كلمة ، بهذا التأويل ، وهو مثل تسميته روحا من حيث إن الله تعالى أحيا به من الضلالة كما يحيا الإنسان بالروح ، وقد سمى الله القرآن روحا فقال : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } [ الشورى : 52 ] والرابع : أنه قد وردت البشارة به في كتب الأنبياء الذين كانوا قبله ، فلما جاء قيل : هذا هو تلك الكلمة ، فسمى كلمة بهذا التأويل قالوا : ووجه المجاز فيه أن من أخبر عن حدوث أمر فإذا حدث ذلك الأمر قال : قد جاء قولي وجاء كلامي ، أي ما كنت أقول وأتكلم به ، ونظيره قوله تعالى : { وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } [ غافر : 6 ] وقال : { ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } [ الزمر : 71 ] الخامس : أن الإنسان قد يسمى بفضل الله ولطف الله ، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه العلم : كلمة الله ، وروح الله ، واعلم أن كلمة الله هي كلامه ، وكلامه على قول أهل السنة صفة قديمة قائمة بذاته ، وعلى قول المعتزلة أصوات يخلقها الله تعالى في جسم مخصوص دالة بالوضع على معان مخصوصة ، والعلم الضروري حاصل بأن الصفة القديمة أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال : أنها هي ذات عيسى عليه السلام ، ولما كان ذلك باطلا في بداهة العقول لم يبق إلا التأويل .
الصفة الثانية : ليحيى عليه السلام قوله { وسيدا } والمفسرون ذكروا فيه وجوها الأول : قال ابن عباس : السيد الحليم ، وقال الجبائي : إنه كان سيدا للمؤمنين ، رئيسا لهم في الدين ، أعني في العلم والحلم والعبادة والورع ، وقال مجاهد : الكريم على الله ، وقال ابن المسيب : الفقيه العالم ، وقال عكرمة الذي لا يغلبه الغضب ، قال القاضي : السيد هو المتقدم المرجوع إليه ، فلما كان سيدا في الدين كان مرجوعا إليه في الدين وقدوة في الدين ، فيدخل فيه جميع الصفات المذكورة من العلم والحلم والكرم والعفة والزهد والورع .
الصفة الثالثة : قوله { وحصورا } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في تفسير الحصور والحصر في اللغة الحبس ، يقال حصره يحصره حصرا وحصر الرجل : أي اعتقل بطنه ، والحصور الذي يكتم السر ويحبسه ، والحصور الضيق البخيل ، وأما المفسرون : فلهم قولان أحدهما : أنه كان عاجزا عن إتيان النساء ، ثم منهم من قال كان ذلك لصغر الآلة ، ومنهم من قال : كان ذلك لتعذر الإنزال ، ومنهم من قال : كان ذلك لعدم القدرة ، فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول ، كأنه قال محصور عنهن ، أي محبوس ، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب ، وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز ، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثوابا ولا تعظيما .
والقول الثاني : وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد ، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب ، والظلوم ، والغشوم ، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضي قائما ، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين ، وإلا لما كان حاصرا لنفسه فضلا عن أن يكون حصورا ، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة ، وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل .
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل وذلك لأنه تعالى مدحه بترك النكاح ، وذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة ، وإذا ثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل ، وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص والمعقول ، أما النص فقوله تعالى : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } [ الأنعام : 90 ] وأما المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان والنسخ على خلاف الأصل .
الصفة الرابعة : قوله { ونبيا } واعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين أحدهما : قدرته على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين والثاني : ضبط مصالحهم فيما يرجع إلى التأديب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما الحصور فهو إشارة إلى الزهد التام فلما اجتمعا حصلت النبوة بعد ذلك ، لأنه ليس بعدهما إلا النبوة .
الصفة الخامسة : قوله { من الصالحين } وفيه ثلاثة أوجه الأول : معناه أنه من أولاد الصالحين والثاني : أنه خير كما يقال في الرجل الخير ( إنه من الصالحين ) والثالث : أن صلاحه كان أتم من صلاح سائر الأنبياء ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : « ما من نبي إلا وقد عصى ، أو هم بمعصية غير يحيى فإنه لم يعص ولم يهم » .
فإن قيل : لما كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح فلما وصفه بالنبوة فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح ؟
قلنا : أليس أن سليمان عليه السلام بعد حصول النبوة قال : { وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } [ النمل : 19 ] وتحقيق القول فيه : أن للأنبياء قدرا من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة ، فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا ، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر ، وكل من كان أكثر نصيبا منه كان أعلى قدرا والله أعلم .
فما الذي كان من هذا الدعاء الخاشع الحار المنيب ؟
كانت الاستجابة التي لا تتقيد بسن ، ولا تتقيد بمألوف الناس ؛ لأنها تنطلق من المشيئة المطلقة التي تفعل ما تريد :
( فنادته الملائكة - وهو قائم يصلي في المحراب - أن الله يبشرك بيحيى ، مصدقا بكلمة من الله . وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) . .
لقد استجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر ، الذي علق رجاءه بمن يسمع الدعاء ؛ ويملك الإجابة حين يشاء . وبشرت الملائكة زكريا بمولود ذكر ، اسمه معروف قبل مولده ؛ " يحيى " ؛ وصفته معروفة كذلك : سيدا كريما ، وحصورا يحصر نفسه عن الشهوات ، ويملك زمام نزعاته من الانفلات . ومؤمنا مصدقا بكلمة تأتيه من الله . ونبيا صالحا في موكب الصالحين .
لقد استجيبت الدعوة ، ولم يحل دونها مألوف البشر الذي يحسبونه قانونا . ثم يحسبون أن مشيئة الله - سبحانه - مقيدة بهذا القانون ! وكل ما يراه الإنسان ويحسبه قانونا لا يخرج عن أن يكون أمرا نسبيا - لا مطلقا ولا نهائيا - فما يملك الإنسان وهو محدود العمر والمعرفة ، وما يملك العقل وهو محكوم بطبيعة الإنسان هذه ، أن يصل إلى قانون نهائي ولا أن يدرك حقيقة مطلقة . . فما أجدر الإنسان أن يتأدب في جناب الله . وما أجدره أن يلتزم حدود طبيعته وحدود مجاله ، فلا يخبط في التيه بلا دليل ، وهو يتحدث عن الممكن والمستحيل ، وهو يضع لمشيئة الله المطلقة إطارا من تجاربه هو ومن مقرراته هو ومن علمه القليل !
{ فَنَادَتْهُ الملئكة } وفي قوله سبحانه : { فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى } [ الأنبياء : 90 ] وظاهر قوله جل شأنه في مريم : { إِنَّا نُبَشّرُكَ } [ مريم : 7 ] اعتقاب التبشير الدعاء ، لا تأخره عنه ، وأثر إن بين الدعاء والإجابة أربعين سنة لم نجد له أثراً في الصحاح ، نعم ربما يشعر بعض الأخبار الموقوفة أن بين الولادة والتبشير مدة كما سنشير إلى ذلك قريباً إن شاء الله تعالى ، والمراد من الملائكة جبريل عليه السلام فإنه المنادي وحده كما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود وذكر عبد الرحمن بن أبي حماد أنه كان يقرأ فناداه جبريل ، فالجمع هنا مجاز عن الواحد للتعظيم ، أو يكون هذا من إسناد فعل البعض للكل ، وقيل : الجمع فيه مثله في قولك : فلان يركب الخيل ويلبس الديباج ، واعترض بأن هذا إنما يصح إذا أريد واحد لا بعينه وههنا أريد المعين فلعل ما تقدم أولى بالإرادة ، وقيل : الجمع على حاله والمنادي كان جملة من الملائكة ، وقرأ حمزة والكسائي فناديه بالإمالة والتذكير . وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال : ذكروا الملائكة ثم تلا { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الانثى } [ النجم : 27 ] وكان يقرأها فناداه الملائكة ويذكر في جميع القرآن ، وأخرج الخطيب عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ كذلك .
{ وَهُوَ قَائِمٌ } جملة حالية من مفعول النداء مقررة لما أشارت إليه الفاء على ما أشرنا إليه ، وقوله تعالى : { يُصَلّى } حال من المستكن في { قَائِمٌ } أو حال أخرى من المفعول على القول بجواز تعددها من غير عطف ولا بدلية ، أو خبر ثان للمبتدأ على رأي من يرى مثل ذلك ، وقيل : الجملة صفة لقائم والمراد بالصلاة ، ذات الأقوال والأفعال كما هو الظاهر وعليه أكثر المفسرين . وأخرج ابن المنذر عن ثابت قال : الصلاة خدمة الله تعالى في الأرض ولو علم الله تعالى شيئاً أفضل من الصلاة ما قال : { فَنَادَتْهُ الملا ئكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى } ، وقيل : المراد بها الدعاء والأول يدل على مشروعية الصلاة في شريعتهم { فِى المحراب } أي في المسجد ، أو في موقف الإمام منه ، أو في غرفة مريم . والظرف متعلق/ بيصلي أو بقائم على تقدير كون { يُصَلّى } حالا من ضمير { قَائِمٌ } لأن العامل فيه وفي الحال شيء واحد فلا يلزم الفصل بالأجنبي كما يلزم على التقادير الباقية كذا قالوا : والذي يظهر أن المسألة من باب التنازع فإن كلا من { قَائِمٌ } و { يُصَلّى } يصح أن يتسلط على { فِى المحراب } على أي وجه تقدم من وجه الإعراب فتدبر .
ثم اعلم أن الصلاة في المحاريب المشهورة الموجودة الآن في مساجد المسلمين قد كرهها جماعة من الأئمة وإلى ذلك ذهب علي كرم الله وجهه وإبراهيم رحمه الله فيما أخرجه عنهما ابن أبي شيبة وهي من البدع التي لم تكن في العصر الأول ، فعن أبي موسى الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى " وعن عبد الله بن أبي الجعد قال : «كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون : إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد » وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «اتقوا هذه المذابح » يعني المحاريب ، والروايات في ذلك كثيرة ، وللإمام السيوطي «رسالة » مستقلة فيها .
{ أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } أي بأن الله ، وبعد إسقاط حرف الجر المطرد في أنّ وإن يجوز في المنسبك اعتبار النصب واعتبار الجر ، والأول : مذهب سيبويه ، والثاني : مذهب الخليل ، وقرأ نافع وابن عامر بكسر همزة { إن } وخرج على إضمار القول ، وهو مذهب البصريين ، أو على إجراء النداء مجرى القول لأنه نوع منه وهو مذهب الكوفيين وقرأ حمزة والكسائي { يُبَشّرُكِ } من الإبشار ، وقرأ { يبَشرُكِ } من الثلاثي . وأخرج ابن جرير عن معاذ الكوفي قال : من قرأ يبشر مثقلة فإنه من البشارة ، ومن قرأ يبشر مخففة بنصب الياء فإنه من السرور ويحيى اسم أعجمي على الصحيح ، وقيل : عربي منقول من الفعل والمانع له من الصرف على الأول العلمية والعجمة ، وعلى الثاني العلمية ووزن الفعل ، والقول بأنه لا قاطع لمنع صرفه ؛لاحتمال أن يكون مبنياً بجعل العلم جملة ؛ بأن يكون فيه ضمير كما في قوله :
نبئت أخوالي بني يزيد *** ليس بشيء لما في ذلك الاحتمال من التكلف المستغنى عنه ما يكاد يكون دليلاً قطعياً للقطع ، والقائلون بعربيته منهم من وجه تسميته بذلك بأن الله تعالى أحيا به عقر أمه ، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ومنهم من وجه ذلك بأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان ، وروي عن قتادة ، وقيل : سمي بيحيى لأنه علم الله سبحانه أن يستشهد والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، وقيل : لأنه يحيا بالعلم والحكمة اللتين يؤتاهما ، وقيل : لأن الله يحيي به الناس بالهدى ، قال القرطبي : «كان اسمه في الكتاب الأول حيا » ، ورأيت في «إنجيل متى » أنه عليه السلام كان يدعى يوحنا المعمداني لما أنه كان يعمد الناس في زمانه على ما يحكيه «كتب النصارى » ، وجمع يحيى يحيون رفعاً ، ويحيين جراً ونصباً ، وتثنيته كذلك يحييان ويحيين ، ويقال في النسب إليه يحي بحذف الألف ، ويحيوي بقلبها واواً ويحياوي بزيادة ألف قبل الواو المنقلبة عن الألف الأصلية ، وفي تصغيره يحيى بوزن فعيعل قال مولانا شيخ الإسلام : وينبغي أن يكون هذا الكلام إلى آخره محكياً بعبارة من الله عز وجل على منهاج ، { قُلْ ياعِبَادِي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله } [ الزمر : 53 ] الآية كما يلوح به مراجعته عليه السلام في الجواب إليه تعالى بالذات لا بواسطة الملك ، والعدول عن إسناد التبشير بنون العظمة حسبما وقع في سورة مريم للجري على سنن الكبرياء كما في قول الخلفاء : أمير المؤمنين يرسم لك كذا وللإيذان بأن ما حكى هناك من النداء والتبشير وما يترتب عليه من المحاورة ، كان كل ذلك بواسطة الملك بطريق الحكاية منه سبحانه لا بالذات كما هو المتبادر وبهذا يتضح اتحاد المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل ، انتهى . وكان الداعي إلى/ اعتبار ما هنا محكياً بعبارة من الله تعالى ظهور عدم صحة كون ما في سورة مريم من عبارة الملك غير محكي من الله تعالى ، وأن الظاهر اتحاد الدعاءين وإلا فما هنا مما لا يجب حمله على ما ذكر لولا ذلك ، والملوح غير موجب كما لا يخفى ولا بد في الموضعين من تقدير مضاف كالولادة إذ التبشير لا يتعلق بالأعيان ، ويؤل في المعنى إلى ما هناك أي إن الله يبشرك بولادة علام اسمه يحيى .
{ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } نصب على الحال المقدرة من ( يحيى ) ، والمراد بالكلمة عيسى عليه السلام وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعليه أجلة المفسرين وإنما سمي عيسى عليه السلام بذلك لأنه وجد بكلمة كن من دون توسط سبب عادي فشابه البديعيات التي هي عالم الأمر ، و { مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً متعلقة بمحذوف وقع صفة لكلمة ، أي بكلمة كائنة منه تعالى وأريد بهذا التصديق الإيمان وهو أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدق أنه كلمة الله تعالى وروح منه في المشهور . أخرج أحمد عن مجاهد قال : «قالت امرأة زكريا لمريم : إني أجد الذي في بطني يتحرك للذي في بطنك » . وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال : «كان يحيى وعيسى ابني خالة وكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك » فذلك تصديقه له وكان أكبر من عيسى بستة أشهر كما قال الضحاك وغيره ، وقيل : بثلاث سنين ، قيل : وعلى كل تقدير يكون بين ولادة يحيى وبين البشارة بها زمان مديد لأن مريم ولدت وهي بنت ثلاث عشرة سنة أو بنت عشر سنين ، واعترض بأن هذا إنما يتم لو كان دعاء زكريا عليه السلام زمن طفولية مريم قبل العشر أو الثلاث عشرة ، وليس في الآية سوى ما يشعر بأن زكريا عليه السلام لما تكرر منه الدخول على مريم ومشاهدته الرزق لديها وسؤاله لها وسماعه منها ذلك الجواب اشتاق إلى الولد فدعا بما دعا ، وهذا الدعاء كما يمكن أن يكون في مبادئ الأمر يمكن أن يكون في أواخره قبيل حمل مريم وكونه في الأواخر غير بعيد لما أن الرغبة حينئذ أوفر حيث شاهد عليه السلام دوام الأمر وثباته زمن الطفولية وبعدها ، وهذا قلما يوجد في الأطفال إذ الكثير منهم قد يلقي الله تعالى على لسانه في صغره ما قد يكون عنه بمراحل في كبره فليس عندنا ما يدل صريحاً على أن بين الولادة والتبشير مدة مديدة ولا بين الدعاء والتبشير أيضاً ، نعم عندنا ما يدل على أن يحيى أكبر من عيسى عليهما السلام وهو مما اتفق عليه المسلمون وغيرهم ، ففي »إنجيل متى » ما يصرح بأنه ولد قبله وقتله هيردوس قبل رفعه وأنه عمد المسيح ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال .
وحكي عن أبي عبيدة أن معنى { بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } بكتاب منه ، والمراد به الإنجيل وإطلاق الكلمة عليه كإطلاقها على القصيدة في قولهم كلمة الحويدرة للعينية المعروفة بالبلاغة .
{ وَسَيّدًا } عطف على ( مصدقاً ) ، وفسره ابن عباس بالكريم ، وقتادة بالحليم ، والضحاك بالحسن الخلق ، وسالم بالتقي ، وابن زيد بالشريف ، وابن المسيب بالفقيه العالم ، وأحمد بن عاصم بالراضي بقضاء الله تعالى ، والخليل بالمطاع الفائق أقرانه ، وأبو بكر الوراق بالمتوكل ، والترمذي بالعظيم الهمة ، والثوري بمن لا يحسد ، وأبو إسحق بمن يفوق بالخير قومه ، وبعض أهل اللغة بالمالك الذي تجب طاعته ، إلى غير ذلك من الأقوال وكل ما فيها من الأوصاف مما يصلح ليحيى عليه السلام لأنها صفات كمال ، وأحق الناس بصفات الكمال النبيون إلا أن التحقيق أن أصل معنى السيد من يسود قومه يكون له أتباع ثم أطلق على كل فائق في دين أو دنيا ، ويجوز أن يراد به هنا الفائق في الدين حيث إنه عليه السلام لم يهم بمعصية أصلا كما ورد ذلك من طرق عديدة . / وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا » وجوز أن يراد ما هو أصل معناه فإنه عليه السلام كان سيد قومه وله أتباع منهم ، غاية الأمر أن تلك رياسة شرعية والاتيان به إثر قوله تعالى : { مُصَدّقاً } للإشارة إلى أنه نبي كعيسى عليه السلام وليس من أمته كما يفهمه ظاهراً قوله سبحانه : { مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } .
{ وَحَصُورًا } عطف على ما قبله ومعناه الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك قاله ابن عباس في إحدى الروايات عنه وفي بعضها إنه العنين الذي لا ذكر له يتأتى به النكاح ولا ينزل ، وروى الحفاظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ما معه عليه السلام كان كالأنملة ، وفي بعض الروايات كالقذاة ، وفي أخرى كالنواة وفي بعض كهدبة الثوب ، قيل : والأصح الأول ، إذ العنة عيب لا يجوز على الأنبياء ، وبتسليم أنها ليست بعيب فلا أقل أنها ليست بصفة مدح ، والكلام مخرج مخرج المدح ، وما أخرجه الحافظ على تقدير صحته يمكن أن يقال : إنه من باب التمثيل والإشارة إلى عدم انتفاعه عليه السلام بما عنده لعدم ميله للنكاح لما أنه في شغل شاغل عن ذلك .
ومن هنا قيل : إن التبتل لنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح استدلالاً بحال يحيى عليه السلام ومن ذهب إلى خلافه احتج بما أخرجه الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة ، رجل جعله الله تعالى ذكراً فأنث نفسه وتشبه بالنساء ، وامرأة جعلها الله تعالى أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال ، والذي يضل الأعمى ، ورجل حصور ولم يجعل الله تعالى حصوراً إلا يحيى بن زكريا " وفي رواية «لعن الله تعالى والملائكة رجلاً تحصر بعد يحيى بن زكريا » ويجوز أن يراد بالحصور المبالغ في حصر النفس وحبسها عن الشهوات مع القدرة وقد كان حاله عليه السلام أيضاً كذلك . أخرج عبد الرزاق عن قتادة موقوفاً وابن عساكر عن معاذ بن جبل مرفوعاً أنه عليه السلام مرّ في صباه بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال : ما للعب خلقت .
{ وَنَبِيّا } عطف على ما قبله مترتب على ما عدد من الخصال الحميدة { مّنَ الصالحين } أي ناشئاً منهم أو معدوداً في عدادهم فمن على الأول للابتداء ، وعلى الثاني للتبعيض قيل : ومعناه على الأول ذو نسب ، وعلى الثاني معصوم ، وعلى التقديرين لا يلغو ذكره بعد نبياً وقد يقال : المراد من الصلاح ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة ألبتة من أقاصي مراتبه وعليه مبنى دعاء سليمان عليه السلام : { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ في عِبَادِكَ الصالحين } [ النمل : 19 ] ولعله أولى مما قبل .
وهذا ومن باب البطون : في الآيات { فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ } على ساق الخدمة { يُصَلّى في المحراب } وهو محل المراقبة ومحاربة النفس { أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } وسمي به لأن من شاهد الحق في جمال نبوته يحيا قلبه من موت الفترة ، أو لأنه هو يحيا بالنبوة والشهادة { مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } وهو ما ينزل به الملك على القلوب المقدسة { وَسَيّدًا } وهو الذي غلب عليه نور هيبة عزة الحق ، وقال الصادق : هو المباين للخلق وصفا وحالا وخلقا ؛ وقال الجنيد : هو الذي جاد بالكونين طلباً لربه ، وقال ابن عطاء : هو المتحقق بحقيقة الحق ، وقال ابن منصور : هو من خلا عن أوصاف البشرية وحلى بنعوت الربوبية ، وقال محمد بن علي : هو من استوت أحواله عند المنع والإعطاء والرد والقبول { وَحَصُورًا } وهو الذي حصر ومنع عن جميع الشهوات وعصم بالعصمة الأزلية ، وقال الاسكندراني : هو المنزه عن الأكوان وما فيها { وَنَبِيّا } أي مرتفع القدر بهبوط الوحي عليه ومعدوداً { مّنَ الصالحين } [ آل عمران : 39 ] وهم أهل الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة المشاهدة للحق في مرايا الخلق .