مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَـٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَىٰةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (93)

قوله تعالى { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ، فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك ، هم الظالمون ، قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } .

اعلم أن الآيات المتقدمة إلى هذه الآية كانت في تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي توجيه الالزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب .

وأما هذه الآية فهي في بيان الجواب عن شبهات القوم فإن ظاهر الآية يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعي أن كل الطعام كان حلا ثم صار البعض حراما بعد أن كان حلا والقوم نازعوه في ذلك وزعموا أن الذي هو الآن حرام كان حراما أبدا .

وإذا عرفت هذا فنقول : الآية تحتمل وجوها الأول : أن اليهود كانوا يعولون في إنكار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على إنكار النسخ ، فأبطل الله عليهم ذلك بأن { كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } فذاك الذي حرمه على نفسه ، كان حلالا ثم صار حراما عليه وعلى أولاده فقد حصل النسخ ، فبطل قولكم : النسخ غير جائز ، ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال أنكروا أن يكون حرمة ذلك الطعام الذي حرم الله بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه ، بل زعموا أن ذلك كان حراما من لدن زمان آدم عليه السلام إلى هذا الزمان ، فعند هذا طلب الرسول عليه السلام منهم أن يحضروا التوراة فإن التوراة ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حرم بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه ، فخافوا من الفضيحة وامتنعوا من إحضار التوراة ، فحصل عند ذلك أمور كثيرة تقوي دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أحدها : أن هذا السؤال قد توجه عليهم في إنكار النسخ ، وهو لازم لا محيص عنه وثانيها : أنه ظهر للناس كذبهم وأنهم ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها تارة ، ويمتنعون عن الإقرار بما هو فيها أخرى وثالثها : أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رجلا أميا لا يقرأ ولا يكتب فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر السماء فهذا وجه حسن علمي في تفسير الآية وبيان النظم .

الوجه الثاني : أن اليهود قالوا له : إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم ، فلو كان الأمر كذلك فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراما في دين إبراهيم فجعلوا هذا الكلام شبهة طاعنة في صحة دعواه ، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الشبهة بأن قال : ذلك كان حلا لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ، إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب وبقيت تلك الحرمة في أولاده فأنكر اليهود ذلك ، فأمرهم الرسول عليه السلام بإحضار التوراة وطالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام فعجزوا عن ذلك وافتضحوا فظهر عند هذا أنهم كانوا كاذبين في ادعاء حرمة هذه الأشياء على إبراهيم عليه السلام .

الوجه الثالث : أنه تعالى لما أنزل قوله { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون } [ الأنعام : 146 ] وقال أيضا : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } [ النساء : 160 ] فدلت هذه الآية على أنه تعالى إنما حرم على اليهود هذه الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم وقبيح فعلهم وإنه لم يكن شيء من الطعام حراما غير الطعام الواحد الذي حرمه إسرائيل على نفسه ، فشق ذلك على اليهود من وجهين أحدهما : أن ذلك يدل على أن تلك الأشياء حرمت بعد أن كانت مباحة ، وذلك يقتضي وقوع النسخ وهم ينكرونه والثاني : أن ذلك يدل على أنهم كانوا موصوفين بقبائح الأفعال ، فلما حق عليهم ذلك من هذين الوجهين أنكروا كون حرمة هذه الأشياء متجددة ، بل زعموا أنها كانت محرمة أبدا ، فطالبهم النبي صلى الله عليه وسلم بآية من التوراة تدل على صحة قولهم فعجزوا عنه فافتضحوا ، فهذا وجه الكلام في تفسير هذه الآية وكله حسن مستقيم ، ولنرجع إلى تفسير الألفاظ .

أما قوله { كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » { كل الطعام } أي كل المطعومات أو كل أنواع الطعام وأقول : اختلف الناس في أن اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام هل يفيد العموم أم لا ؟ .

ذهب قوم من الفقهاء والأدباء إلى أنه يفيده ، واحتجوا عليه بوجوه أحدها : أنه تعالى أدخل لفظ { كل } على لفظ الطعام في هذه الآية ، ولولا أن لفظ الطعام قائم مقام لفظ المطعومات وإلا لما جاز ذلك وثانيها : أنه استثنى عنه ما حرم إسرائيل على نفسه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فلولا دخول كل الأقسام تحت لفظ الطعام وإلا لم يصح هذا الاستثناء وأكدوا هذا بقوله تعالى : { إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ءامنوا } [ العصر : 2 ، 3 ] وثالثها : أنه تعالى وصف هذا اللفظ المفرد بما يوصف به لفظ الجمع ، فقال : { والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد } [ ق : 10 ، 11 ] فعلى هذا من ذهب إلى هذا المذهب لا يحتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب «الكشاف » ، أما من قال إن الاسم المفرد المحلى بالألف واللام لا يفيد العموم ، وهو الذي نظرناه في أصول الفقه احتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب «الكشاف » .

المسألة الثانية : الطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل ، وزعم بعض أصحاب أبي حنيفة رحمة الله عليه إنه اسم للبر خاصة ، وهذه الآية دالة على ضعف هذا الوجه ، لأنه استثنى من لفظ الطعام ما حرم إسرائيل على نفسه ، والمفسرون اتفقوا على أن ذلك الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان شيئا سوى الحنطة ، وسوى ما يتخذ منها ومما يؤكد ذلك قوله تعالى في صفة الماء { ومن لم يطعمه فإنه منى } [ البقرة : 249 ] وقال تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم } [ المائدة : 5 ] وأراد الذبائح ، وقالت عائشة رضي الله عنها : ما لنا طعام إلا الأسودان ، والمراد التمر والماء .

إذا عرفت هذا فنقول : ظاهر هذه الآية يدل على أن جميع المطعومات كان حلا لبني إسرائيل ثم قال القفال : لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام ، وكذا القول في الخنزير ، ثم قال فيحتمل أن يكون ذلك على الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم أنها كان محرمة على إبراهيم ، وعلى هذا التقدير لا تكون الألف واللام في لفظ الطعام للاستغراق ، بل للعهد السابق ، وعلى هذا التقدير يزول الإشكال ومثله قوله تعالى : { قل لا أجد في ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير } [ الأنعام : 145 ] فإنه إنما خرج هذا الكلام على أشياء سألوا عنها فعرفوا أن المحرم منها كذا وكذا دون غيره فكذا في هذه الآية .

المسألة الثالثة : الحل مصدر يقال : حل الشيء حلا كقولك : ذلت الدابة ذلا وعز الرجل عزا ، ولذلك استوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع قال تعالى : { لا هن حل لهم } [ الممتحنة : 10 ] والوصف بالمصدر يفيد المبالغة فههنا الحل والمحلل واحد ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في زمزم هي حل وبل رواه سفيان بن عيينة فسئل سفيان : ما حل ؟ فقال محلل .

أما قوله تعالى : { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : اختلفوا في الشيء الذي حرمه إسرائيل على نفسه على وجوه الأول : روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن يعقوب مرض مرضا شديدا فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب عليه ، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها » وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل والثاني : قيل إنه كان به عرق النسا ، فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئا من العروق الثالث : جاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر ، ونقل القفال رحمه الله عن ترجمة التوراة ، أن يعقوب لما خرج من حران إلى كنعان بعث بردا إلى عيصو أخيه إلى أرض ساعير ، فانصرف الرسول إليه ، وقال : إن عيصو هوذا يتلقاك ومعه أربعمائة رجل ، فذعر يعقوب وحزن جدا وصلى ودعا وقدم هدايا لأخيه وذكر القصة إلى أن ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل ، فدنا ذلك الرجل ووضع أصبعه على موضع عرق النسا ، فخدرت تلك العصبة وجفت فمن أجل هذا لا يأكل بنو إسرائيل العروق .

المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن إسرائيل حرم ذلك على نفسه ، وفيه سؤال : وهو أن التحريم والتحليل إنما يثبت بخطاب الله تعالى ، فكيف صار تحريم يعقوب عليه السلام سببا لحصوله الحرمة .

أجاب المفسرون عنه من وجوه الأول : أنه لا يبعد أن الإنسان إذا حرم شيئا على نفسه فإن الله يحرمه عليه ألا ترى أن الإنسان يحرم امرأته على نفسه بالطلاق ، ويحرم جاريته بالعتق ، فكذلك جائز أن يقول تعالى إن حرمت شيئا على نفسك فأنا أيضا أحرمه عليك الثاني : أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتهد فأدى اجتهاده إلى التحريم ، فقال بحرمته وإنما قلنا : إن الاجتهاد جائز من الأنبياء لوجوه الأول : قوله تعالى : { فاعتبروا يا أولى الأبصار } [ الحشر : 2 ] ولا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رؤساء أولي الأبصار والثاني : قال : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [ النساء : 83 ] مدح المستنبطين والأنبياء أولى بهذا المدح والثالث : قال تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام { عفا الله عنك لم أذنت لهم } [ التوبة : 43 ] فلو كان ذلك الإذن بالنص ، لم يقل : لم أذنت ، فدل على أنه كان بالاجتهاد الرابع : أنه لا طاعة إلا وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها أعظم نصيب ولا شك أن استنباط أحكام الله تعالى بطريق الاجتهاد طاعة عظيمة شاقة ، فوجب أن يكون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها نصيب لا سيما ومعارفهم أكثر وعقولهم أنور وأذهانهم أصفي وتوفيق الله وتسديده معهم أكثر ، ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد على الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته والأظهر الأقوى أن إسرائيل صلوات الله عليه إنما حرم ذلك على نفسه بسبب الاجتهاد إذ لو كان ذلك بالنص لقال إلا ما حرم الله على إسرائيل فلما أضاف التحريم إلى إسرائيل دل هذا على أن ذلك كان بالاجتهاد وهو كما يقال : الشافعي يحل لهم الخيل وأبو حنيفة يحرمه بمعنى أن اجتهاده أدى إليه فكذا ههنا .

الثالث : يحتمل أن التحريم في شرعه كالنذر في شرعنا ، فكما يجب علينا الوفاء بالنذر كان يجب في شرعه الوفاء بالتحريم .

واعلم أن هذا لو كان فإنه كان مختصا بشرعه أما في شرعنا فهو غير ثابت قال تعالى : { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } [ التحريم : 1 ] الرابع : قال الأصم : لعل نفسه كانت مائلة إلى أكل تلك الأنواع فامتنع من أكلها قهرا للنفس وطلبا لمرضاة الله تعالى ، كما يفعله كثير من الزهاد فعبر من ذلك الامتناع بالتحريم الخامس : قال قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله تعالى أن يقول لعبده : احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب ، وللمتكلمين في هذه المسألة منازعات كثيرة ذكرناها في أصول الفقه .

المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية يدل على أن الذي حرمه إسرائيل على نفسه فقد حرمه الله على بني إسرائيل ، وذلك لأنه تعالى قال : { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل } فحكم بحل كل أنواع المطعومات لبني إسرائيل ، ثم استثنى عنه ما حرمه إسرائيل على نفسه ، فوجب بحكم الاستثناء أن يكون ذلك حراما على بني إسرائيل والله أعلم .

أما قوله تعالى : { من قبل أن تنزل التوراة } فالمعنى أن قبل نزول التوراة كان حلا لبني إسرائيل كل أنواع المطعومات سوى ما حرمه إسرائيل على نفسه ، أما بعد التوراة فلم يبق كذلك بل حرم الله تعالى عليهم أنواعا كثيرة ، روي أن بني إسرائيل كانوا إذا أتوا بذنب عظيم حرم الله عليهم نوعا من أنواع الطعام ، أو سلط عليهم شيئا لهلاك أو مضرة ، دليله قوله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } [ النساء : 160 ] .

ثم قال تعالى : { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } وهذا يدل على أن القوم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إما لأنهم ادعوا أن تحريم هذه الأشياء كان موجودا من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان ، فكذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وإما لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ادعى كون هذه المطعومات مباحة في الزمان القديم ، وأنها إنما حرمت بسبب أن إسرائيل حرمها على نفسه ، فنازعوه في ذلك ، فطلب الرسول عليه السلام إحضار التوراة ليستخرج منها المسلمون من علماء أهل الكتاب آية موافقة لقول الرسول ، وعلى كلا الوجهين ، فالتفسير ظاهر ، ولمنكري القياس أن يحتجوا بهذه الآية ، وذلك لأن الرسول عليه السلام طالبهم فيما ادعوه بكتاب الله ، ولو كان القياس حجة لكان لهم أن يقولوا : لا يلزم من عدم هذا الحكم في التوراة عدمه ، لأنا نثبته بالقياس ، ويمكن أن يجاب عنه بأن النزاع ما وقع في حكم شرعي ، وإنما وقع في أن هذا الحكم ، هل كان موجودا في زمان إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السلام أم لا ؟ ومثل هذا لا يمكن إثباته إلا بالنص ، فلهذا المعنى طالبهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، بنص التوراة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَـٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَىٰةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (93)

يتألف هذا الجزء من بقية سورة آل عمران ، ومن أوائل سورة النساء ، إلى قوله تعالى : ( والمحصنات من النساء . . . ) .

وهذه البقية من سورة آل عمران تتألف من أربعة مقاطع رئيسية ، تكمل خط سير السورة ، الذي أفضنا في الحديث عنه في مطلعها - في الجزء الثالث - بما لا مجال لإعادته هنا ، فيرجع إليه هناك . .

93

( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - قل : فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين . فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ) .

لقد كان اليهود يتصيدون كل حجة ، وكل شبهة ، وكل حيلة ، لينفذوا منها إلى الطعن في صحة الرسالة المحمدية ، وإلى بلبلة الأفكار وإشاعة الاضطراب في العقول والقلوب . . فلما قال القرآن : إنه مصدق لما في التوراة برزوا يقولون : فما بال القرآن يحلل من الأطعمة ما حرم على بني إسرائيل ؟ وتذكر الروايات أنهم ذكروا بالذات لحوم الإبل وألبانها . . وهي محرمة على بني إسرائيل . وهناك محرمات أخرى كذلك أحلها الله للمسلمين .

وهنا يردهم القرآن إلى الحقيقة التاريخية التي يتجاهلونها للتشكيك في صحة ما جاء في القرآن من أنه مصدق للتوراة ، وأنه مع هذا أحل للمسلمين بعض ما كان محرما على بني إسرائيل . . هذه الحقيقة هي أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل - إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة - وإسرائيل هو يعقوب - عليه السلام - وتقول الروايات إنه مرض مرضا شديدا ، فنذر لله لئن عافاه ليمتنعن - تطوعا - عن لحوم الإبل وألبانها وكانت أحب شيء إلى نفسه . فقبل الله منه نذره . وجرت سنة بني إسرائيل على اتباع أبيهم في تحريم ما حرم . . كذلك حرم الله على بني إسرائيل مطاعم أخرى عقوبة لهم على معصيات ارتكبوها . وأشير إلى هذه المحرمات في آية " الأنعام " : ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) . .

وكانت قبل هذا التحريم حلالا لبني إسرائيل .

يردهم الله سبحانه إلى هذه الحقيقة ، ليبين أن الأصل في هذه المطاعم هو الحل ، وأنها إنما حرمت عليهم لملابسات خاصة بهم . فإذا أحلها للمسلمين فهذا هو الأصل الذي لا يثير الاعتراض ، ولا الشك في صحة هذا القرآن ، وهذه الشريعة الإلهية الأخيرة .

ويتحداهم أن يرجعوا إلى التوراة ، وأن يأتوا بها ليقرأوها ، وسيجدون فيها أن أسباب التحريم خاصة بهم ، وليست عامة .

( قل : فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَـٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَىٰةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (93)

{ كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسرائيل } روى الواحدي عن الكلبي أنه حين قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أنا على ملة إبراهيم قالت اليهود : كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كان ذلك حلالاً لإبراهيم عليه السلام فنحن نحله فقالت اليهود : كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرماً على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيباً لهم » والطعام بمعنى المطعوم ، ويراد به هنا المطعومات مطلقاً أو المأكولات وهو لكونه مصدراً منعوتاً به معنى يستوي فيه الواحد المذكور وغيره وهو الأصل المطرد فلا ينافيه قول الرضيّ : إنه يقال : رجل عدل ورجلان عدلان لأنه رعاية لجانب المعنى ، وذكر بعضهم أن هذا التأويل يجعل كلا للتأكيد لأن الاستغراق شأن الجمع المعرف باللام ، والحل مصدر أيضاً أريد منه حلالاً ، والمراد الإخبار عن أكل الطعام بكونه حلالاً لا نفس الطعام لأن الحل كالحرمة مما لا يتعلق بالذوات ولا يقدر نحو الانفاق وإن صح أن يكون متعلق الحل وربما توهم بقرينة ما قبله لأنه خلاف الغرض المسوق له الكلام . و { إسراءيل } هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام ، وعن أبي مجلز أن ملكاً سماه بذلك بعد أن صرعه وضرب على فخذه .

{ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ } قال مجاهد : حرم لحوم الأنعام ، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه حرم زائدتي الكبد والكليتين والشحم إلا ما كان على الظهر ، وعن عطاء أنه حرم لحوم الإبل وألبانها . وسبب تحريم ذلك كما في الحديث الذي أخرجه الحاكم وغيره بسند صحيح عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام كان به عرق النسا فنذر إن شفي لم يأكل أحب الطعام إليه وكان ذلك أحب إليه ، وفي رواية سعيد بن جبير عنه أنه كان به ذلك الداء فأكل من لحوم الإبل فبات بليلة يزقو فحلف أن لا يأكله أبداً ، وقيل : حرمه على نفسه تعبداً وسأل الله تعالى أن يجيز له ، فحرم سبحانه على ولده ذلك ، ونسب هذا إلى الحسن ، وقيل : إنه حرمه وكف نفسه عنه كما يحرم المستظهر في دينه من الزهاد اللذائذ على نفسه . وذهب كثير إلى أن التحريم كان بنص ورد عليه ، وقال بعض : كان ذلك عن اجتهاد ويؤيده ظاهر النظم ، وبه استدل على جوازه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والاستثناء متصل ، لأن المراد على كل تقدير أنه حرمه على نفسه وعلى أولاده ، وقيل : منقطع ، والتقدير ولكن حرم إسرائيل على نفسه خاصة ولم يحرمه عليهم وصحح الأول .

{ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ } الظاهر أنه متعلق بقوله تعالى : { الطعام كَانَ حِلاًّ } ولا يضر الفصل بالاستثناء ؛ إذ هو فصل جائز ، وذلك على مذهب الكسائي وأبي الحسن في جواز أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً أو حالاً ، وقيل : متعلق بحرم ، وتعقبه أبو حيان بأنه بعيد ؛ إذ هو من الإخبار بالواضح المعلوم ضرورة ولا فائدة فيه ، واعتذر عنه بأن فائدة ذلك بيان أن التحريم مقدم عليها وأن التوراة مشتملة على محرمات أخر حدثت عليهم حرجاً وتضييقاً ، واختار بعضهم أنه متعلق بمحذوف ، والتقدير : كان حلان قبل أن تنزل التوراة في جواب سؤال نشأ من سابق المستثنى كأنه قيل : متى كان حلاً ؟ فأجيب به والذي دعاه إلى ذلك عدم ظهور فائدة تقييد التحريم ولزوم قصر الصفة قبل تمامها على تقدير جعله قيداً للحل .

ولا يخفى ما فيه ، والمعنى على الظاهر أن كل الطعام ما عدا المستثنى كان حلالاً لبني إسرائيل قبل نزول التوراة مشتملة على تحريم ما حرم عليهم لظلمهم ، وفي ذلك رد لليهود في دعواهم البراءة فيما نعى عليهم قوله تعالى : { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ } [ النساء : 160 ] وقوله سبحانه : { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا } [ الأنعام : 146 ] الآيتين ، وتبكيت لهم في منع النسخ ضرورة أن تحريم ما كان حلالاً لا يكون إلا به ودفع الطعن في دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم موافقته لأبيه إبراهيم عليه السلام على ما دل عليه سبب النزول . وذهب السدي إلى أنه لم يحرم عليهم عند نزول التوراة إلا ما كان يحرمونه قبل نزولها اقتداءاً بأبيهم يعقوب عليه السلام ، وقال الكلبي : لم يحرم سبحانه عليهم ما حرم في التوراة ، وإنما حرمه بعدها بظلمهم وكفرهم ، فقد كانت بنو إسرائيل إذا أصابت ذنباً عظيماً حرم الله تعالى عليهم طعاماً طيباً وصب عليهم رجزاً ، وعن الضحاك أنه لم يحرم الله تعالى عليهم شيئاً من ذلك في التوراة ولا بعدها ، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم اتباعاً لأبيهم وإضافة تحريمه إلى الله تعالى مجاز وهذا في غاية البعد .

{ قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها } أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يحاجهم بكتابهم الناطق بصحة ما يقول في أمر التحليل والتحريم ، وإظهار اسم التوراة لكون الجملة كلاماً مع اليهود منقطعاً عما قبله ، وقوله تعالى : { إِن كُنتُمْ صادقين } أي في دعواكم شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه أي إن كنتم صادقين فأتوا بالتوراة فاتلوها ، روي أنهم لم يجسروا على الإتيان بها فبهتوا وألقموا حجراً . وفي ذلك دليل ظاهر على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم إذ علم بأن ما في التوراة يدل على كذبهم وهو لم يقرأها ولا غيرها من زبر الأولين ومثله لا يكون إلا عن وحي .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسرائيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل على نَفْسِهِ } [ آل عمران : 93 ] قيل : فائدة الإخبار بذلك تعليم أهل المحبة أن يتركوا ما حبب إليهم من الأطعمة الشهية واللذائذ الدنيوية رغبة فيما عند الله تعالى .