أما قوله تعالى : { فيه آيات بينات } ففيه قولان الأول : أن المراد ما ذكرناه من الآيات التي فيه وهي : أمن الخائف ، وانمحاق الجمار على كثرة الرمي ، وامتناع الطير من العلو عليه واستشفاء المريض به وتعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمة ، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا تخريبه فعلى هذا تفسير الآيات وبيانها غير مذكور .
وقوله { مقام إبراهيم } لا تعلق له بقوله { فيه ءايات بينات } فكأنه تعالى قال : { فيه ءايات بينات } ومع ذلك فهو مقام إبراهيم ومقره والموضع الذي اختاره وعبد الله فيه ، لأن كل ذلك من الخلال التي بها يشرف ويعظم .
القول الثاني : أن تفسير الآيات مذكور ، وهو قوله { مقام إبراهيم } أي : هي مقام إبراهيم .
فإن قيل : الآيات جماعة ولا يصح تفسيرها بشيء واحد ، أجابوا عنه من وجوه الأول : أن مقام إبراهيم بمنزلة آيات كثيرة ، لأن ما كان معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو دليل على وجود الصانع ، وعلمه وقدرته وإرادته وحياته ، وكونه غنيا منزها مقدسا عن مشابهة المحدثات فمقام إبراهيم وإن كان شيئا واحدا إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة كان بمنزلة الدلائل كقوله { إن إبراهيم كان أمة قانتا } [ النحل : 120 ] الثاني : أن مقام إبراهيم اشتمل على الآيات ، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية ، وغوصه فيها إلى الكعبين آية ، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية ، لأنه لان من الصخرة ما تحت قدميه فقط ، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية خاصة لإبراهيم عليه السلام وحفظه مع كثرة أعدائه من اليهود والنصارى والمشركين والملحدين ألوف سنين فثبت أن مقام إبراهيم عليه السلام آيات كثيرة الثالث : قال الزجاج إن قوله { ومن دخله كان ءامنا } من بقية تفسير الآيات ، كأنه قيل : فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله ، ولفظ الجمع قد يستعمل في الاثنين ، قال تعالى : { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما } [ التحريم : 4 ] وقال عليه السلام : « الاثنان فما فوقهما جماعة » ومنهم من تمم الثلاثة فقال : مقام إبراهيم ، وأن من دخله كان آمنا ، وأن لله على الناس حجه ، ثم حذف ( أن ) اختصارا ، كما في قوله { قل أمر ربي بالقسط } [ الأعراف : 29 ] أي أمر ربي بأن تقسطوا الرابع : يجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات ، كأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم ، وأمن من دخله ، وكثير سواهما الخامس : قرأ ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة { آية بينة } على التوحيد السادس : قال المبرد { مقام } مصدر فلم يجمع كما قال : { وعلى سمعهم } والمراد مقامات إبراهيم ، وهي ما أقامه إبراهيم عليه السلام من أمور الحج وأعمال المناسك ولا شك أنها كثيرة وعلى هذا فالمراد بالآيات شعائر الحج كما قال : { ومن يعظم شعائر الله } [ الحج : 32 ] .
ثم قال تعالى : { مقام إبراهيم } وفيه أقوال أحدها : أنه لما ارتفع بنيان الكعبة ، وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه والثاني : أنه جاء زائرا من الشام إلى مكة ، وكان قد حلف لامرأته أن لا ينزل بمكة حتى يرجع ، فلما وصل إلى مكة قالت له أم إسماعيل : انزل حتى نغسل رأسك ، فلم ينزل ، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على الجانب الأيمن ، فوضع قدمه عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه ، ثم حولته إلى الجانب الأيسر ، حتى غسلت الجانب الآخر ، فبقي أثر قدميه عليه والثالث : أنه هو الحجر الذي قام إبراهيم عليه عند الأذان بالحج ، قال القفال رحمه الله : ويجوز أن يكون إبراهيم قام على ذلك الحجر في هذه المواضع كلها .
ثم قال تعالى : { ومن دخله كان ءامنا } ولهذه الآية نظائر : منها قوله تعالى : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } [ البقرة : 125 ] وقوله { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا } [ العنكبوت : 67 ] وقال إبراهيم { رب اجعل هذا بلدا آمنا } [ إبراهيم : 35 ] وقال تعالى : { أطعمهم من جوع وءامنهم من خوف } [ قريش : 4 ] قال أبو بكر الرازي : لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله { إن أول بيت وضع للناس } موجودة في الحرم ثم قال : { ومن دخله كان ءامنا } وجب أن يكون مراده جميع الحرم ، وأجمعوا على أنه لو قتل في الحرم فإنه يستوفي القصاص منه في الحرم وأجمعوا على أن الحرم لا يفيد الأمان فيما سوى النفس ، إنما الخلاف فيما إذا وجب القصاص عليه خارج الحرم فالتجأ إلى الحرم فهل يستوفي منه القصاص في الحرم ؟ قال الشافعي : يستوفي ، وقال أبو حنيفة : لا يستوفي ، بل يمنع منه الطعام والشراب والبيع والشراء والكلام حتى يخرج ، ثم يستوفي منه القصاص ، والكلام في هذه المسألة قد تقدم في تفسير قوله { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية ، فقال : ظاهر الآية الإخبار عن كونه آمنا ، ولكن لا يمكن حمله عليه إذ قد لا يصير آمنا فيقع الخلف في الخبر ، فوجب حمله على الأمر ترك العمل به في الجنايات التي دون النفس ، لأن الضرر فيها أخف من الضرر في القتل ، وفيما إذا وجب عليه القصاص لجناية أتى بها في الحرم ، لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم ، فيبقى في محل الخلاف على مقتضى ظاهر الآية .
والجواب : أن قوله { كان ءامنا } إثبات لمسمى الأمن ، ويكفي في العمل به إثبات الأمن من بعض الوجوه ، ونحن نقول به وبيانه من وجوه الأول : أن من دخله للنسك تقربا إلى الله تعالى كان آمنا من النار يوم القيامة ، قال النبي عليه السلام : « من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا » وقال أيضا : « من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام » وقال : « من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » والثاني : يحتمل أن يكون المراد ما أودع الله في قلوب الخلق من الشفقة على كل من التجأ إليه ودفع المكروه عنه ، ولما كان الأمر واقعا على هذا الوجه في الأكثر أخبر بوقوعه على هذا الوجه مطلقا وهذا أولى مما قالوه لوجهين الأول : أنا على هذا التقدير لا نجعل الخبر قائما مقام الأمر وهم جعلوه قائما مقام الأمر والثاني : أنه تعالى إنما ذكر هذا لبيان فضيلة البيت وذلك إنما يحصل بشيء كان معلوما للقوم حتى يصير ذلك حجة على فضيلة البيت ، فأما الحكم الذي بينه الله في شرع محمد عليه السلام فإنه لا يصير ذلك حجة على اليهود والنصارى في إثبات فضيلة الكعبة .
الوجه الثالث : في تأويل الآية : أن المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع النبي صلى الله عليه وسلم كان آمنا لأنه تعالى قال : { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين } [ الفتح : 27 ] الرابع : قال الضحاك : من حج حجة كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك .
واعلم أن طرق الكلام في جميع هذه الأجوبة شيء واحد ، وهو أن قوله { كان ءامنا } حكم بثبوت الأمن وذلك يكفي في العمل به إثبات الأمن من وجه واحد وفي صورة واحدة فإذا حملناه على بعض هذه الوجوه فقد عملنا بمقتضى هذا النص فلا يبقى للنص دلالة على ما قالوه ، ثم يتأكد ذلك بأن حمل النص على هذا الوجه لا يفضي إلى تخصيص النصوص الدالة على وجوب القصاص وحمله على ما قالوه يفضي إلى ذلك فكان قولنا أولى والله أعلم .
قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } .
اعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل البيت ومناقبه ، أردفه بذكر إيجاب الحج وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { حج البيت } بكسر الحاء والباقون بفتحها ، قيل الفتح لغة الحجاز ، والكسر لغة نجد وهما واحد في المعنى ، وقيل هما جائزان مطلقا في اللغة ، مثل رطل ورطل ، وبزر وبزر ، وقيل المكسورة اسم للعمل والمفتوحة مصدر ، وقال سيبويه : يجوز أن تكون المكسورة أيضا مصدرا ، كالذكر والعلم .
المسألة الثانية : في قوله { من استطاع إليه سبيلا } وجوه الأول : قال الزجاج : موضع { من } خفض على البدل من { الناس } والمعنى : ولله على من استطاع من الناس حج البيت الثاني : قال الفراء إن نويت الاستئناف بمن كانت شرطا وأسقط الجزاء لدلالة ما قبله عليه ، والتقدير من استطاع إلى الحج سبيلا فلله عليه حج البيت الثالث : قال ابن الأنباري : يجوز أن يكون { من } في موضع رفع على معنى الترجمة للناس ، كأنه قيل : من الناس الذين عليهم لله حج البيت ؟ فقيل هم من استطاع إليه سبيلا .
المسألة الثالثة : اتفق الأكثرون على أن الزاد والراحلة شرطان لحصول الاستطاعة ، روى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة ، وروى القفال عن جويبر عن الضحاك أنه قال : إذا كان شابا صحيحا ليس له مال فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه فقال له قائل : أكلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت ؟ فقال : لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه ؟ قال : لا بل ينطلق إليه ولو حبوا ، قال : فكذلك يجب عليه حج البيت ، عن عكرمة أيضا أنه قال : الاستطاعة هي صحة البدن ، وإمكان المشي إذا لم يجد ما يركبه .
واعلم أن كل من كان صحيح البدن قادرا على المشي إذا لم يجد ما يركب فإنه يصدق عليه أنه يستطيع لذلك الفعل ، فتخصيص هذه الاستطاعة بالزاد والراحلة ترك لظاهر اللفظ فلا بد فيه من دليل منفصل ، ولا يمكن التعويل في ذلك على الأخبار المروية في هذا الباب لأنها أخبار آحاد فلا يترك لأجلها ظاهر الكتاب لا سيما وقد طعن محمد بن جرير الطبري في رواة تلك الأخبار ، وطعن فيها من وجه آخر ، وهو أن حصول الزاد والراحلة لا يكفي في حصول الاستطاعة ، فإنه يعتبر في حصول الاستطاعة صحة البدن وعدم الخوف في الطريق ، وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن لا يكون شيء من ذلك معتبرا ، فصارت هذه الأخبار مطعونا فيها من هذا الوجه بل يجب أن يعول في ذلك على ظاهر قوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } [ الحج : 78 ] وقوله { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة : 185 ] .
المسألة الرابعة : احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع قالوا لأن ظاهر قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت } يعم المؤمن والكافر وعدم الإيمان لا يصلح معارضا ومخصصا لهذا العموم ، لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الإيمان بالله الذي هو شرط صحة الإيمان بمحمد عليه السلام غير حاصل والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة غير حاصل ، فلم يكن عدم الشرط مانعا من كونه مكلفا بالمشروط ، فكذا ههنا والله أعلم .
المسألة الخامسة : احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن الاستطاعة قبل الفعل ، فقالوا : لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من لم يحج مستطيعا للحج ، ومن لم يكن مستطيعا للحج لا يتناوله التكليف المذكور في هذه الآية فيلزم أن كل من لم يحج أن لا يصير مأمورا بالحج بسبب هذه الآية وذلك باطل بالاتفاق .
أجاب الأصحاب بأن هذا أيضا لازم لهم ، وذلك لأن القادر إما أن يصير مأمورا بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل أو بعد حصوله أما قبل حصول الداعي فمحال ، لأن قبل حصول الداعي يمتنع حصول الفعل ، فيكون التكليف به تكليف ما لا يطاق ، وأما بعد حصول الداعي فالفعل يصير واجب الحصول ، فلا يكون في التكليف به فائدة ، وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف المذكور في هذه الآية على أحد .
المسألة السادسة : روي أنه لما نزلت هذه الآية قيل : يا رسول الله أكتب الحج علينا في كل عام ، ذكروا ذلك ثلاثا ، فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم قال في الرابعة : « لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ولو لم تقوموا بها لكفرتم ألا فوادعوني ما وادعتكم وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا عنه فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة اختلافهم على أنبيائهم » ثم احتج العلماء بهذا الخبر على أن الأمر لا يفيد التكرار من وجهين الأول : أن الأمر ورد بالحج ولم يفد التكرار والثاني : أن الصحابة استفهموا أنه هل يوجب التكرار أم لا ؟ ولو كانت هذه الصيغة تفيد التكرار لما احتاجوا إلى الاستفهام مع كونهم عالمين باللغة .
المسألة السابعة : استطاعة السبيل إلى الشيء عبارة عن إمكان الوصول ، قال تعالى : { فهل إلى خروج من سبيل } [ غافر : 11 ] وقال : { هل إلى مرد من سبيل } [ الشورى : 44 ] وقال : { ما على المحسنين من سبيل } [ التوبة : 91 ] فيعتبر في حصول هذا الإمكان صحة البدن ، وزوال خوف التلف من السبع أو العدو ، وفقدان الطعام والشراب والقدرة على المال الذي يشتري به الزاد والراحلة وأن يقضي جميع الديون ويرد جميع الودائع ، وإن وجب عليه الإنفاق على أحد لم يجب عليه الحج إلا إذا ترك من المال ما يكفيهم في المجيء والذهاب وتفاصيل هذا الباب مذكور في كتب الفقهاء والله أعلم .
ثم قال تعالى : { ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في هذه الآية قولان :
القول الأول : أنها كلام مستقل بنفسه ووعيد عام في حق كل من كفر بالله ولا تعلق له بما قبله .
القول الثاني : أنه متعلق بما قبله والقائلون بهذا القول منهم من حمله على تارك الحج ومنهم من حمله على من لم يعتقد وجوب الحج ، أما الذين حملوه على تارك الحج فقد عولوا فيه على ظاهر الآية فإنه لما تقدم الأمر بالحج ثم أتبعه بقوله { ومن كفر } فهم منه أن هذا الكفر ليس إلا ترك ما تقدم الأمر به ثم إنهم أكدوا هذا الوجه بالأخبار ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا » وعن أبي أمامة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من مات ولم يحج حجة الإسلام ولم تمنعه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائز فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا » وعن سعيد بن جبير : لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه ، فإن قيل : كيف يجوز الحكم عليه بالكفر بسبب ترك الحج ؟
أجاب القفال رحمه الله تعالى عنه : يجوز أن يكون المراد منه التغليظ ، أي قد قارب الكفر وعمل ما يعمله من كفر بالحج ، ونظيره قوله تعالى : { وبلغت القلوب الحناجر } [ الأحزاب : 10 ] أي كادت تبلغ ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام : « من ترك صلاة متعمدا فقد كفر » وقوله عليه الصلاة والسلام : « من أتى امرأة حائضا أو في دبرها فقد كفر » وأما الأكثرون : فهم الذين حملوا هذا الوعيد على من ترك اعتقاد وجوب الحج ، قال الضحاك : لما نزلت آية الحج جمع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الأديان الستة المسلمين ، والنصارى واليهود والصابئين والمجوس والمشركين فخطبهم وقال : « إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا » فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس ، وقالوا : لا نؤمن به ، ولا نصلي إليه ، ولا نحجه ، فأنزل الله تعالى قوله { ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين } وهذا القول هو الأقوى .
المسألة الثانية : اعلم أن تكليف الشرع في العبادات قسمان ، منها ما يكون أصله معقولا إلا أن تفاصيله لا تكون معقولة مثل الصلاة فإن أصلها معقول وهو تعظيم الله أما كيفية الصلاة فغير معقولة ، وكذا الزكاة أصلها دفع حاجة الفقير وكيفيتها غير معقولة ، والصوم أصله معقول ، وهو قهر النفس وكيفيته غير معقولة ، أما الحج فهو سفر إلى موضع معين على كيفيات مخصوصة ، فالحكمة في كيفيات هذه العبادات غير معقولة وأصلها غير معلومة .
إذا عرفت هذا فنقول : قال المحققون إن الإتيان بهذا النوع من العبادة أدل على كمال العبودية والخضوع والانقياد من الإتيان بالنوع الأول ، وذلك لأن الآتي بالنوع الأول يحتمل أنه إنما أتى به لما عرف بعقله من وجوه المنافع فيه ، أما الآتي بالنوع الثاني فإنه لا يأتي به إلا لمجرد الانقياد والطاعة والعبودية ، فلأجل هذا المعنى اشتمل الأمر بالحج في هذه الآية على أنواع كثيرة من التوكيد أحدها : قوله { ولله على الناس حج البيت } والمعنى أنه سبحانه لكونه إلها ألزم عبيده هذه الطاعة فيجب الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أو لم يعرفوا وثانيها : أنه ذكر { الناس } ثم أبدل منه { من استطاع إليه سبيلا } وفيه ضربان من التأكيد ، أما أولا فلأن الإبدال تثنية للمراد وتكرير ، وذلك يدل على شدة العناية ، وأما ثانيا فلأنه أجمل أولا وفصل ثانيا وذلك يدل على شدة الاهتمام وثالثها : أنه سبحانه عبر عن هذا الوجوب بعبارتين إحداهما : لام الملك في قوله { ولله } وثانيتهما : كلمة { على } وهي للوجوب في قوله { ولله على الناس } ورابعها : أن ظاهر اللفظ يقتضي إيجابه على كل إنسان يستطيعه ، وتعميم التكليف يدل على شدة الاهتمام وخامسها : أنه قال { ومن كفر } مكان ، ومن لم يحج وهذا تغليظ شديد في حق تارك الحج وسادسها : ذكر الاستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان وسابعها : قوله { عن العالمين } ولم يقل عنه لأن المستغني عن كل العالمين أولى أن يكون مستغنيا عن ذلك الإنسان الواحد وعن طاعته ، فكان ذلك أدل على السخط وثامنها : أن في أول الآية قال : { ولله على الناس } فبين أن هذا الإيجاب كان لمجرد عزة الإلهية وكبرياء الربوبية ، لا لجر نفع ولا لدفع ضر ، ثم أكد هذا في آخر الآية بقوله { فإن الله غنى عن العالمين } ومما يدل من الأخبار على تأكيد الأمر بالحج ، قوله عليه الصلاة والسلام : « حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالث » وروي « حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه » قيل : معناه أنه يتعذر عليكم السفر في البر في مكة لعدم الأمن أو غيره ، وعن ابن مسعود «حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا هلكت » .
وفيه علامات بينة على أنه مقام إبراهيم . . [ ويقال : إن المقصود هو الحجر الأثري الذي كان إبراهيم - عليه السلام - يقف عليه في أثناء البناء . وكان ملصقا بالكعبة فأخره عنها الخليفة الراشد عمر - رضي الله عنه - حتى لا يشوش الذين يطوفون به على المصلين عنده .
وقد أمر المسلمون أن يتخذوه مصلى بقوله تعالى : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) . . ]
ويذكر من فضائل هذا البيت أن من دخله كان آمنا . فهو مثابة الأمن لكل خائف . وليس هذا لمكان آخر في الأرض . وقد بقي هكذا مذ بناه إبراهيم وإسماعيل . وحتى في جاهلية العرب ، وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن دين إبراهيم ، وعن التوحيد الخالص الذي يمثله هذا الدين . . حتى في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية ، كما قال الحسن البصري وغيره : " كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ، ويدخل الحرم ، فيلقاه ابن المقتول ، فلا يهيجه حتى يخرج " . . وكان هذا من تكريم الله سبحانه لبيته هذا ، حتى والناس من حوله في جاهلية ! وقال - سبحانه - يمتن على العرب به : ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ؟ )وحتى إنه من جملة تحريم الكعبة حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره ، وحرمة قطع شجرها . . وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله [ ص ] يوم فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة . وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار . فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاه . . . إلخ "
فهذا هو البيت الذي اختاره الله للمسلمين قبلة . . هو بيت الله الذي جعل له هذه الكرامة . وهو أول بيت أقيم في الأرض للعبادة . وهو بيت أبيهم إبراهيم ، وفيه شواهد على بناء إبراهيم له . والإسلام هو ملة إبراهيم . فبيته هو أولى بيت بأن يتجه إليه المسلمون . وهو مثابة الأمان في الأرض . وفيه هدى للناس ، بما أنه مثابة هذا الدين .
ثم يقرر أن الله فرض على الناس أن يحجوا إلى هذا البيت ما تيسر لهم ذلك . وإلا فهو الكفر الذي لا يضر الله شيئا :
( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا . ومن كفر فإن الله غني عن العالمين )
ويلفت النظر - في التعبير - هذا التعميم الشامل في فرضية الحج : ( على الناس ) . . ففيه أولا إيحاء بأن هذا الحج مكتوب على هؤلاء اليهود الذين يجادلون في توجه المسلمين إليه في الصلاة . على حين أنهم هم أنفسهم مطالبون من الله بالحج إلى هذا البيت والتوجه إليه ، بوصفه بيت أبيهم إبراهيم ، وبوصفه أول بيت وضع للناس للعبادة . فهم - اليهود - المنحرفون المقصرون العاصون ! وفيه ثانيا إيحاء بأن الناس جميعا مطالبون بالإقرار بهذا الدين ، وتأدية فرائضه وشعائره ، والاتجاه والحج إلى بيت الله الذي يتوجه إليه المؤمنون به . . هذا وإلا فهو الكفر . مهما ادعى المدعون أنهم على دين ! والله غني عن العالمين . فما به من حاجة - سبحانه - إلى إيمانهم وحجهم . إنما هي مصلحتهم وفلاحهم بالإيمان والعبادة . .
والحج فريضة في العمر مرة ، عند أول ما تتوافر الاستطاعة . من الصحة وإمكان السفر وأمن الطريق . . ووقت فرضها مختلف فيه . فالذين يعتمدون رواية أن هذه الآيات نزلت في عام الوفود - في السنة التاسعة - يرون أن الحج فرض في هذه السنة . ويستدلون على هذا بأن حجة رسول الله [ ص ] كانت فقط بعد هذا التاريخ . . وقد قلنا عند الكلام على مسألة تحويل القبلة في الجزء الثاني من الظلال : إن حجة الرسول [ ص ] لا دليل فيها على تأخر فرضية الحج . فقد تكون لملابسات معينة . منها أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عرايا ، ما يزالون يفعلون هذا بعد فتح مكة . فكره رسول الله [ ص ] أن يخالطهم ، حتى نزلت سورة براءة في العام التاسع ، وحرم على المشركين الطواف بالبيت . . ثم حج [ ص ] حجته في العام الذي يليه . . ومن ثم فقد تكون فرضية الحج سابقة على ذلك التاريخ ، ويكون نزول هذه الآية في الفترة الأولى من الهجرة بعد غزوة أحد أو حواليها .
وقد تقررت هذه الفريضة على كل حال بهذا النص القاطع ، الذي يجعل لله - سبحانه - حق حج البيت على " الناس " من استطاع إليه سبيلا .
والحج مؤتمر المسلمين السنوي العام . يتلاقون فيه عند البيت الذي صدرت لهم الدعوة منه . والذي بدأت منه الملة الحنيفية على يد أبيهم إبراهيم . والذي جعله الله أول بيت في الأرض لعبادته خالصا . فهو تجمع له مغزاه ، وله ذكرياته هذه ، التي تطوف كلها حول المعنى الكريم ، الذي يصل الناس بخالقهم العظيم . . معنى العقيدة . استجابة الروح لله الذي من نفخة روحه صار الإنسان إنسانا . وهو المعنى الذي يليق بالأناسي أن يتجمعوا عليه ، وأن يتوافدوا كل عام إلى المكان المقدس الذي انبعث منه النداء للتجمع على هذا المعنى الكريم . .
{ فِيهِ ءايات بينات } كإهلاك من قصده من الجبابرة بسوء كأصحاب الفيل وغيرهم وعدم تعرض ضواري السباع للصيود فيه وعدم نفرة الطير من الناس هناك ، وإن أيّ ركن من البيت وقع الغيث في مقابلته كان الخصب فيما يليه من البلاد فإذا وقع في مقابلة الركن اليماني كان الخصب باليمن ، وإذا كان في مقابلة الركن الشامي كان الخصب بالشام ؛ وإذا عم البيت كان في جميع البلدان وكقلة الجمرات على كثرة الرماة إلى غير ذلك وعدوا منه انحراف الطير عن موازاته على مدى الأعصار ، وفيه كلام للمحدثين لأن منها ما يعلوه ، وقيل : لا يعلوه إلا ما به علة للاستشفاء ، واعترض بأن العقاب علته لأخذ الحية ، وقيل : إن الطير المهدر دمها تعلوه والحمام مع كثرته لا يعلوه وبه جمع بعضهم بين الكلامين ومع هذا في القلب منه شيء فقد نقل بعض الناس أنه شاهد أن الطير مطلقاً تعلوه في بعض الأحايين والضمير المجرور عائد على { البيت } [ آل عمران : 96 ] ، والظرفية مجازية وإلا لما صح عدّ هذه الآيات ، والجملة إما مستأنفة جىء بها بياناً وتفسيراً للهدى ، وإما حال أخرى ولا بأس في ترك الواو في الجملة الاسمية الحالية على ما أشار إليه عبد القاهر وغيره ، وجوز أن تكون حالاً من الضمير في العالمين والعامل فيه هدى ، أو من الضمير في { مُبَارَكاً } [ آل عمران : 96 ] وهو العامل فيها ، أو يكون صفة لهدى كما أن العالمين كذلك .
وقوله تعالى : { مَّقَامِ إبراهيم } مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف المبتدأ أي منها أو أحدها مقام إبراهيم ، واختار الحلبي الأخير ، وقيل : بدل البعض من الكل وإليه ذهب أبو مسلم ، وجوز بعضهم أن يكون عطف بيان وصح بيان الجمع بالمفرد بناءاً على اشتمال المقام على آيات متعددة ؛ لأن أثر القدمين في الصخرة الصماء آية وغوصهما فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض هذا النوع دون بعض آية وإبقاؤه على ممر الزمان آية وحفظه من الأعداء آية ، أو على أن هذه الآية الواحدة لظهور شأنها وقوة دلالتها على قدرة الله تعالى ونبوة إبراهيم عليه السلام منزلة منزلة آيات كثيرة ، وأيد ذلك بما أخرجه ابن الأنباري عن مجاهد أنه كان يقرأ فيه آية بينة بالتوحيد ، وفيه أن هذا وإن ساغ معنى إلا أنه يرد عليه أن { ءايات } نكرة ، و { مَّقَامِ إبراهيم } معرفة ، وقد صرح أبو حيان أنه لا يجوز التخالف في عطف البيان بإجماع البصريين والكوفيين ، ثم إن سبب هذا الأثر في هذا المقام ما ورد في الأثر عن سعيد بن جبير أنه لما ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه وقد تقدم غير ذلك في ذلك أيضاً .
{ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } الضمير المنصوب عائد إلى { مَّقَامِ إبراهيم } بمعنى الحرم كله على ما قاله ابن عباس لا موضع القدمين فقط ، ويمكن أن يكون هناك استخدام ، وقال الجصاص : «أورد الآيات المذكورات في الحرم ، ثم قال : { وَمَن دَخَلَهُ } الخ فيجب أن يكون المراد جميع الحرم » ، والجملة إما ابتدائية وليست بشرطية وإما شرطية عطف كما قال غير واحد من حيث المعنى ، على { مَّقَامِ } لأنه في المعنى أمْنُ مَنْ دخله أي ومنها ، أو ثانيها أمْنُ مَن دخله أو فيه آيات مقام إبراهيم وَأمْنُ مَن دخله وعلى هذا لا حاجة إلى ما تكلف في توجيه الجمعية لأن الآيتين نوع من الجملة كالثلاثة والأربعة ، ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات ، ومثل هذا الطي واقع في الأحاديث النبوية والأشعار العربية ، فالأول : كرواية «حبب إليَّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة » على ما هو الشائع وإن صححوا عدم ذكر ثلاث ، وأما الثاني : فمنه قول جرير :
كانت حنيفة ( أثلاثاً ) فثلثهم *** من العبيد ( وثلث من مواليها )
و { منْ } إما للعقلاء أو لهم ولغيرهم على سبيل التغليب لأنه يأمن فيه الوحش والطير بل والنبات ، فحينئذٍ يراد بالأمن ما يصح نسبته إلى الجميع بضرب من التأويل ، وعلى التقدير الأول يحتمل أن يراد بالأمن الأمن في الدنيا من نحو القتل والقطع وسائر العقوبات ، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية أنه قال : كان الرجل في الجاهلية يقتل الرجل ثم يدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول أو أبوه فلا يحركه . وأخرج ابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال : لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه . وأخرج ابن جرير عن ابنه أنه قال : لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته ؛ وعن ابن عباس لو وجدت قاتل أبي في الحرم لم أتعرض له ، ومذهبه في ذلك أن من قتل أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فإنه لا يجالس ولا يكلم/ ولا يؤذى ولكنه يناشد حتى يخرج فيؤخذ فيقام عليه ما جرّ فإن قتل أو سرق في الحرم أقيم عليه في الحرم والروايات عنه في ذلك كثيرة وقد تقدم تفصيل الأقوال في المسألة ، وأما أن يراد به كما ذهب إليه الصادق رضي الله تعالى عنه الأمن في الآخرة من العذاب ، فقد أخرج عبد بن حميد وغيره عن يحيى بن جعدة أن من دخله كان آمناً من النار ، وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دخل البيت دخل في حسنة ، وخرج من سيئة مغفوراً له "
، وروي من غير طريق عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة » ، وفي رواية عن ابن عمر قال : من قبر بمكة مسلماً بعث آمناً يوم القيامة ، ويجوز إرادة العموم بأن يفسر بالأمن في الدنيا والآخرة ولعله الظاهر من إطلاق اللفظ .
{ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } جملة ابتدائية ، المبتدأ فيها { حَجَّ } والخبر لله وعلى الناس متعلق بما تعلق به الخبر أو بمحذوف وقع حالاً من المستتر في الجار والمجرور والعامل فيه الاستقرار . وجوز أن يكون { عَلَى الناس } خبراً ، ولله متعلق بما تعلق به ، ولا يجوز أن يكون حالاً من المستكن في الناس لأن العامل في الحال حينئذٍ يكون معنى ، والحال لا يتقدم على العامل المعنوي عند الجمهور ، وجوزه ابن مالك إذا كان الحال ظرفاً أو حرف جر وعامله كذلك بخلاف الظرف وحرف الجر فإنهما لا يتقدمان على عاملهما المعنوي ، وجوز أن يرتفع الحج بالجار الأول أو الثاني وهو في اللغة مطلق القصد أو كثرته إلى من يعظم ، والمراد به هنا قصد مخصوص غلب فيه حتى صار حقيقة شرعية ، وأل في البيت للعهد ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { حَجَّ } بالكسر كعلم وهو لغة نجد .
{ مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } بدل من الناس ، بدل البعض من الكل والضمير في البدل مقدر أي منهم ، وقيل : بدل الكل من الكل ، والمراد من { الناس } خاص ولا يحتاج إلى ضمير ، وقيل : خبر لمحذوف أي هم من استطاع أو الواجب عليه من استطاع ، وجوز أن يكون منصوباً بإضمار فعل أعني وأن يكون فاعل المصدر وهو مضاف إلى مفعوله أي ولله على الناس أن يحج من استطاع منهم البيت وفيه مناقشة مشهورة ، و { مِنْ } على هذه الأوجه موصولة . وجوز أن تكون شرطية والجزاء محذوف يدل عليه ما تقدم ، أو هو نفسه على الخلاف المقرر بين البصريين والكوفيين ولا بد من ضمير يعود من جملة الشرط { عَلَى الناس } والتقدير من استطاع منهم إليه سبيلاً فللَّه عليه أن يحج ، ويترجح هذا بمقابلته بالشرط بعده ، والضمير المجرور للبيت أو للحج لأنه المحدث عنه ، وهو متعلق بالسبيل لما فيه من معنى الإفضاء وقدم عليه للاهتمام بشأنه .
والاستطاعة في الأصل استدعاء طواعية الفعل وتأتيه ، والمراد بالاستدعاء الإرادة ، وهي تقتضي القدرة فأطلقت على القدرة مطلقاً أو بسهولة فهي أخص منها وهو المراد هنا ، وسيأتي تحقيقه قريباً إن شاء الله تعالى ، والقدرة إما بالبدن أو بالمال أو بهما ، وإلى الأول : ذهب الإمام مالك فيجب الحج عنده على من قدر على المشي والكسب في الطريق ، وإلى الثاني : ذهب الإمام الشافعي ، ولذا أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه ، وإلى الثالث : ذهب إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه ، ويؤيده ما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : السبيل أن يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به .
واستدل الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بما أخرجه الدارقطني عن جابر بن عبد الله قال : «لما نزلت هذه الآية { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } قام رجل فقال : يا رسول الله ما السبيل ؟ قال : " الزاد والراحلة " وروي هذا من طرق شتى وهو ظاهر فيما ذهب إليه الشافعي حيث قصر الاستطاعة على المالية دون البدنية ، وهو مخالف لما ذهب إليه الإمام مالك مخالفة ظاهرة ، وأما إمامنا فيؤول ما وقع فيه بأنه بيان لبعض شروط الاستطاعة بدليل أنه لو فقد أمن الطريق مثلاً لم يجب الحج عليه ، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرض لصحة البدن لظهور الأمر ، كيف لا والمفسر في الحقيقة هو السبيل الموصل لنفس المستطيع إلى البيت وذا لا يتصور بدون الصحة ، ومما يؤيد أن ما في الحديث بيان لبعض الشروط أنه ورد في بعض الروايات الاقتصار على واحد مما فيه ، فقد أخرج الدارقطني أيضاً عن علي كرم الله تعالى وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السبيل فقال : " أن تجد ظهر بعير ولم يذكر الزاد "
هذا واستدل بالآية على أن الاستطاعة قبل الفعل وفساد القول بأنها معه ، ووجه الاستدلال ظاهر ، وأجيب بأن الاستطاعة التي ندعي أنها مع الفعل هي حقيقة القدرة التي يكون بها الفعل وتطلق الاستطاعة على معنى آخر هو سلامة الأسباب والآلات والجوارح أي كون المكلف بحيث سلمت أسبابه وآلاته وجوارحه ولا نزاع لنا في أن هذه الاستطاعة قبل الفعل وهي مناط صحة التكليف وما في الآية بهذا المعنى ، كذا قالوا . وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما قالوا : إن المشهور عن الأشعري أن القدرة مع الفعل ، بمعنى أنها توجد حال حدوثه وتتعلق به في هذه الحال ولا توجد قبله فضلاً عن تعلقها به ، ووافقه على ذلك كثير من المعتزلة كالنجار ومحمد بن عيسى وابن الراوندي وأبي عيسى الوراق وغيرهم ، وقال أكثر المعتزلة : القدرة قبل الفعل وتتعلق به حينئذٍ ويستحيل تعلقها به قبل حدوثه ، ثم اختلفوا في بقاء القدرة فمنهم من قال : ببقائها حال وجود الفعل وإن لم تكن القدرة الباقية قدرة عليه ومنهم من نفاه ، ودليلهم على ذلك وجوه :
الأول : أن تعلق القدرة بالفعل معناه الإيجاد ، وإيجاد الموجود محال لأنه تحصيل الحاصل بل يجب أن يكون الإيجاد قبل الوجود ولهذا صح أن يقال : أوجده فوجد ، وأجيب بأن هذا مبني على أن القدرة الحادثة مؤثرة وهو ممنوع وعلى تقدير تسليمه يقال : إيجاد الموجود بذلك الوجود الذي هو أثر ذلك الإيجاد جائز ، بمعنى أن يكون ذلك الوجود الذي هو به موجود في زمان الإيجاد مستنداً إلى الموجد ومتفرعاً على إيجاده ، والمستحيل هو إيجاد الموجود بوجود آخر وتحقيقه أن التأثير مع حصول الأثر بحسب الزمان ، وإن كان متقدماً عليه بحسب الذات وهذا التقدم هو المصحح لاستعمال الفاء بينهما .
الثاني : إن جاز تعلق القدرة حال الحدوث يلزم القدرة على الباقي حال بقائه والتالي باطل ، بيان الملازمة أن المانع من تعلق القدرة به ليس إلا كونه متحقق الوجود والحادث حال حدوثه متحقق الوجود أيضاً ، وأجيب بأنا نلتزمه لدوام وجوده بدوام تعلق القدرة به أو نفرق بما يبطل به الملازمة من احتياج الموجود عن عدمه إلى المقتضى دون الباقي فلو لم تتعلق القدرة بالأول لبقي على عدمه وقد فرض وجوده هذا خلف ، ولو لم تتعلق بالثاني لبقي على الوجود وهو المطابق للواقع ، أو ننقض الدليل أولاً : بتأثير العلم أو العالمية بالاتفاق فإن ذلك مشروط حال حدوث الفعل دون بقائه ، وثانياً : بتأثير الفعل فيكون الفاعل فاعلاً فإنّ الفعل مؤثّر في ذلك حال الحدوث وبتقدير كون الفعل باقياً لا يؤثر حال البقاء ، وثالثاً : بمقارنة الإرادة إذ يوجبونها حال الحدوث دون البقاء فكذا الحال في القدرة .
/ الثالث : إن كون القدرة مع الفعل يوجب حدوث قدرة الله تعالى أو قدم مقدوره وكلاهما باطلان ، بل قدرته أزلية وتعلقها في الأزل بمقدوراته فقد ثبت تعلق القدرة بمقدوراتها قبل الحدوث ولو كان ممتنعاً في القدرة الحادثة لكان ممتنعاً في القدرة القديمة وليس ، فليس ، وأجيب بأن القدرة القديمة الباقية مخالفة في الماهية للقدرة الحادثة التي لا يجوز بقاؤها عندنا فلا يلزم من جواز تقدمها على الفعل ، جواز تقدم الحادثة عليه ثم إن القديمة متعلقة في الأزل بالفعل تعلقاً معنوياً لا يترتب عليه وجود الفعل ولها تعلق آخر به حال حدوثه موجب لوجوده فلا يلزم من قدمها مع تعلقها المعنوي قدم آثارها .
الرابع : إنه يلزم على ذلك التقدير أن لا يكون الكافر في زمان كفره مكلفاً بالإيمان لأنه غير مقدور له في تلك الحالة المتقدمة عليه بل نقول : يلزم أن لا يتصور عصيان من أحد ؛ إذ مع الفعل لا عصيان وبدونه لا قدرة فلا تكليف ، فلا عصيان ، وأيضاً أقوى أعذار المكلف التي يجب قبولها لدفع المؤاخذة عنه ، هو كون ما كلف به غير مقدور له فإذا لم يكن قادراً على الفعل قبله وجب رفع المؤاخذة عنه بعدم الفعل المكلف به وهو باطل بإجماع الأمة ، وأيضاً لو جاز تكليف الكافر بالإيمان مع كونه غير مقدور له فليجز تكليفه بخلق الجواهر والأعراض ، وأجيب بأنه يجوز تكليف المحال عندنا فيلتزم جواز التكليف بالخلق المذكور ، ولنا أن نفرق بأن ترك الإيمان إنما هو بقدرته بخلاف عدم الجواهر والأعراض فإنه ليس مقدوراً له أصلاً فلا يلزم من جواز التكليف بالإيمان جواز التكليف بخلقها ، وبالجملة فكون الشيء مقدوراً الذي هو شرط التكليف عندنا أن يكون الشيء أو ضده متعلقاً للقدرة ، وهذا حاصل في الإيمان لأن تركه لتلبسه بضده مقدور له حال كفره بخلاف إحداث الجواهر والأعراض فإنه غير مقدور له أصلاً لا فعلاً ولا تركاً فلا يجوز التكليف به ، وأما ما ذكر من قضية الأعذار ووجوب قبولها فمبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وقد أقيمت الأدلة على بطلانهما في محله كذا في «المواقف » و «شرحه » .
ودليل ما شاع عن الأشعري قيل : هو أن القدرة عرض يخلقه الله تعالى في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية فيجب أن تكون مقارنة للفعل بالزمان لا سابقة عليه وإلا لزم وقوع الفعل بلا قدرة لما برهن عليه من امتناع بقاء الأعراض ؛ واعترض عليه بما في أدلة امتناع بقاء الأعراض من النظر القوي وأنه قد يقال على تقدير تسليم الامتناع المذكور لا نزاع في إمكان تجدد الأمثال عقيب الزوال فمن أين يلزم وقوع الفعل بدون القدرة ؟ وأجيب بأنا إنما ندعي لزوم ذلك إذا كانت القدرة التي بها الفعل هي القدرة السابقة ، وأما إذا جعلتموها المثل المتجدد المقارن فقد اعترفتم بأن القدرة التي بها الفعل لا تكون إلا مقارنة ، ثم إن ادعيتم أنه لا بد لها من أمثال تقع حتى لا يمكن الفعل بأول ما يحدث من القدرة فعليكم البيان . وفيه أن هذا قول بأن نفي وجود المثل السابق ليس داخلاً في دعوى الأشعري وهو خلاف ما علم مما تقدم في تقرير مذهبه ، وذكر في «المواقف » دليلاً آخر للأشعري على ما ادعاه ونظر فيه أيضاً .
هذا كلامهم ، والحق عندي في هذه المسألة ، أن شرط التكليف هو القوة التي تصير مؤثرة بإذن الله تعالى عند انضمام الإرادة التابعة لإرادة الله تعالى لقوله سبحانه : { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] وإيضاحه ، أنه تعالى كما أنه غني بالذات عن العالمين كذلك حكيم جواد وكما أن غناه الذاتي أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد كذلك مقتضى جوده ورحمته مراعاة ما اقتضته حكمته سبحانه كما أشار إليه العضد في «عيون الجواهر » ، وأطال الكلام فيه أبو عبد الله الدمشقي في «شفاء العليل » . / ومن المعلوم أن الحكمة لا تقتضي أن يؤمر بالفعل من لا يقدر على الامتثال وينهى عنه من لا يقدر على الاجتناب فلا بد بمقتضى الحكمة التي رعاها سبحانه فيما خلق وأمر فضلاً ورحمة أن يكون التكليف بحسب الوسع وإذا كان كذلك كان شرط التكليف هو القوة التي تصير مؤثرة إذا انضم إليها الإرادة وهذه قبل الفعل ، والقدرة التي هي مع الفعل هي القدرة المستجمعة لشرائط التأثير التي من جملتها انضمام الإرادة إليها ، وبهذا جمع الإمام الرازي كما في «المواقف " بين مذهب الأشعري القائل بأن القدرة مع الفعل ، والمعتزلة القائلين بأنها قبله ، وقال : لعل الأشعري أراد بالقدرة القوة المستجمعة لشرائط التأثير فلذلك حكم بأنها مع الفعل وأنها لا تتعلق بالضدين ، والمعتزلة أرادوا بالقدرة ، مجرد القوة العضلية فلذلك قالوا بوجودها قبل الفعل وتعلقها بالأمور المتضادة وهو جمع صحيح ، وقول السيد قدس سره في توجيه البحث الذي ذكره صاحب «المواقف » فيه بأن القدرة الحادثة ليست مؤثرة عند الشيخ فكيف يصح أن يقال : إنه أراد بالقدرة ، القوة المستجمعة لشرائط التأثير ، مدفوع بما تبين في «الإبانة » التي هي آخر مصنفاته .
والمعتمد من كتبه كما صرح به ابن عساكر والمجد بن تيمية وغيرهما أن الشيخ قائل بالتأثير للقدرة المستجمعة للشرائط ، لكن لا استقلالاً كما يقوله المعتزلة بل بإذن الله تعالى وهو معنى الكسب عنده ، وأما قوله في شرح المواقف » : إن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها ليس لقدرتهم تأثير فيها بل الله تعالى أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما فيكون فعل العبد مخلوقاً لله تعالى إبداعاً وإحداثاً ومكسوباً للعبد ، والمراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير ومدخل في وجوده سوى كونه محلاً له ، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري ، ففيه بحث من وجوه :
أما أولاً : فلأن هذا ليس مذهب الشيخ المذكور في آخر تصانيفه التي استقر عليها الاعتماد وذكره في غيره إن سلم ، لا يعول عليه لكونه مرجوحاً مرجوعاً عنه وأما ثانياً : فلأن التكليف في صرائح الكتاب والسنة إنما تعلق أمراً أو نهياً بالأفعال الاختيارية أنفسها لا بمقارنة القدرة والإرادة لها فمكسوب العبد نفس الفعل الاختياري ، والمراد بكسبه إياه تحصيله إياه بتأثير قدرته بإذن الله تعالى لا مستقلاً ، فالقول بأن المراد بكسب العبد للفعل هو مقارنة الفعل لقدرته وإرادته من غير تأثير لا يوافق ما اقتضاه صرائح الكتاب والسنة ونصوص «الإبانة » ، ويزيده وضوحاً حديث أبي هريرة «أنه لما نزل { وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } [ البقرة : 284 ] اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب فقالوا : يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها » الحديث فإنه صريح بأن الذي كلفوا به ما يطيقونه من نفس الأعمال وهو نفس الصلاة وأخواتها لا مقارنتها لقدرتهم وإرادتهم وأقرهم صلى الله عليه وسلم على ذلك وأما ثالثاً : فلأن مقارنة الفعل لقدرة العبد وإرادته لو كانت هي الكسب ، لكانت هي المكلف بها ولو كانت كذلك لكان التكليف بما لا يطاق واقعاً لأن المقارنة أمر يترتب على فعل الله تعالى أي على إيجاد الله تعالى الفعل الاختياري مقارناً لهما وما يترتب على فعل الله تعالى ليس مقدوراً للعبد أصلاً لأن معنى كون الشيء مقدوراً له أن يكون ممكن الإيقاع بقدرته عند تعلق مشيئته به الموافقة لمشيئة الله تعالى كما هو واضح من حديث : " من كظم غيظه وهو قادر على أن ينفذه " وما يترتب على فعل الله تعالى لا يكون مقدوراً للعبد بهذا المعنى إذ لو كان مقدوراً له ابتداءاً لزم أن لا يكون مترتباً على فعل الله تعالى ، أو بواسطة لزم أن يكون فعل الله تعالى المترتب عليه هذا مقدوراً للعبد واللازم باطل بشقيه بعد القول بنفي التأثير أصلاً فكذا الملزوم وأما رابعاً : فلأن المقارنة لكونها مترتبة على فعل الله تعالى لا تختلف بالنسبة إلى العبد صعوبة وسهولة فلو كانت هي المكلف بها لاستوى بالنسبة إلى العبد التكليف بأشق الأعمال والتكليف بأسهلها مع أن نص الكتاب التكليف بحسب الوسع ونص السنة أن المملوك لا يكلف إلا ما يطيق ، شاهدان على التفاوت كما أن البديهة تشهد بذلك ، واعترض هذا من وجوه الأول : أن القول بأن من المعلوم أن الحكمة لا تقتضي أن يؤمر بالفعل من لا يقدر على الامتثال يقتضي أن أفعال الله تعالى وأحكامه لا بدّ فيها من حكمة ومصلحة وهو مسلم ، لكن لا نسلم أنه لا بدّ أن تظهر هذه المصلحة لنا ، إذ الحكيم لا يلزمه اطلاع من دونه على وجه الحقيقة كما قاله القفال في «محاسن الشريعة » وحينئذٍ فما المانع من أن يقال هناك مصلحة لم نطلع عليها ، ويجاب بأنا لم ندع سوى أن الله تعالى قد راعى الحكمة فيما أمر وخلق تفضلاً ورحمة لا وجوباً وهذا ثابت بقوله تعالى : { صُنْعَ الله الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء } [ النمل : 88 ] وقوله سبحانه : { أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ } [ السجدة : 7 ] وبالإجماع المعصوم عن الخطأ بفضل الله تعالى وإن مقتضى الحكمة أن لا يطلب حصول شيء إلا ممن يتمكن منه ويقدر عليه كما تشهد له النصوص ولم ندع وجوب ظهور وجه الحكمة في جميع أفعاله وأحكامه ولا ما يستلزم ذلك ، وبيان وجه الحكمة لحكم واحد لا يستلزم دعوى الكلية ويؤول هذا إلى أن الله تعالى أطلعنا على الحكمة في هذا مع عدم وجوب الاطلاع عليه .
والثاني : أن القول بأن التكليف في صرائح الكتاب والسنة إنما تعلق الخ فيه أنه ليس المراد مطلق المقارنة بل المقارنة على جهة التعلق فالكسب عبارة عن تعلق القدرة الحادثة بالمقدور من غير تأثير كما في عبارة غير واحد ، فالأوامر والنواهي متعلقة بالأفعال التي هي اختيارية في الظاهر باعتبار هذا التعلق الذي لا تأثير معه وادعاء أنها صرائح في التعلق مع التأثير ، ممنوع بل هي محتملة ولو سلم أنها ظاهرة في التأثير ، فالظاهر قد يعدل عنه لدليل خلافه ، والقول بأنا لا نفهم من تعلق القدرة إلا تأثيرها وإلا فليست بقدرة ، فكيف يثبت للقدرة تعلق بلا تأثير سؤال مشهور وجوابه : ما في «شرح المواقف » وغيره من أن التأثير من توابع القدرة ، وقد ينفك عنها ويجاب بأن تفسير الكسب بالتعلق الذي لا تأثير معه مراداً به التحصيل بحسب ظاهر الأمر فقط ، مصادم للنصوص الناطقة بأن العبد متمكن من إيجاد أفعاله الاختيارية بإذن الله تعالى ، ولا دليل على خلافه يوجب العدول ، و
{ الله خالق كُلّ شَىْء } [ الرعد : 16 ] لا ينافي التأثير بالإذن على أن تعلق القدرة تابع للإرادة وتعلقها على القول بنفي التأثير بالكلية غير صحيح كما يشير إليه كلام الجلال الدواني في بيان مبادىء الأفعال الاختيارية ، ويوضحه كلام حجة الإسلام الغزالي في كتاب التوحيد والتوكل من «الإحياء » ، وأما ما في «شرح المواقف » وغيره من أن التأثير قد ينفك عن القدرة فنحن نقول به ؛ إذ ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن وإنما الإنكار على نفي التأثير بالكلية عن القدرة الحادثة والاستدلال بما ذكره حجة الإسلام في «الاقتصاد » من أن القدرة الأزلية متعلقة في الأزل بالحادث ولا حادث ، فصح التعلق ولا تأثير ، ويجوز أن تكون القدرة الحادثة كذلك مجاب عنه بأن القدرة لا تؤثر إلا على وفق الإرادة ، والإرادة تعلقت أزلاً بإيجاد الأشياء بالقدرة في أوقاتها اللائقة بها في الحكمة فعدم تأثيرها قبل الوقت لكونها مؤثرة على وفق الإرادة لا مطلقاً فلا يجب تأثيرها قبل الوقت ويجب تأثيرها فيه والقدرة الحادثة على القول بنفي تأثيرها بالكلية لا يصدق عليها أنها تؤثر وفق الإرادة فلا يصح قياسها على القديمة . / والحاصل : إن كل تعلق للقديمة على وفق الإرادة لا ينفك عنه التأثير في وقته بخلاف الحادثة فإنه لا تأثير لها أصلاً على القول بنفي التأثير عنها كليّاً فلا تعلق لها بالتأثير على وفق الإرادة .
والثالث : أن القول في الاعتراض الثالث أنه لو كانت كذلك لكان التكليف بما لا يطاق واقعاً الخ يقال عليه : نلتزم وقوعه عند الأشعري ولا محذور فيه ، ويجاب بأنه قد حقق في موضعه أن الإمام الأشعري لم ينص على ذلك ولا يصح أخذه من كلامه فالتزام وقوعه عنده التزام ما لم يقل به لا صريحاً ولا التزاماً . والقول بأنه لا محذور فيه إنما يصح بالنظر إلى الغنى الذاتي وأما بالنظر إلى أنه تعالى جواد حكيم فالتزامه مصادمة للنص وأي محذور أشنع من هذا .
والرابع : أن القول هناك أيضاً أن المقارنة لو كانت هي الكسب لكانت هي المكلف بها ، غير لازم ، فإن الكسب يطلق على المعنى المصدري ويطلق على المفعول أي المكسوب وهو نفس الأمر لا الكسب بمعنى المقارنة أو تعلق القدرة الحادثة بالفعل فمعنى كسب ، تعلقت قدرته بالفعل ، وإن شئت قلت : قارنت قدرته الفعل فكان الفعل مكسوباً وهو المكلف به ، ويجاب بأن الكسب الحقيقي الوارد في الكتاب والسنة معناه تحصيل العبد ما تعلقت به إرادته التابعة لإرادة الله تعالى بقدرته المؤثرة بإذنه وإن مكسوبه ما حصله بقدرته المذكورة فمعنى كون الفعل المكسوب مكلفاً به ، هو أن العبد المكلف مطلوب منه تحصيله بالكسب بالمعنى المصدري ، لأن المكسوب هو الحاصل بالمصدر فإذا كان المكسوب مكلفاً به كان الكسب بالمعنى المصدري مكلفاً به قطعاً لامتناع حصول المكسوب من غير قيام المعنى المصدري بالمكلف ضرورة انتفاء الحاصل بالمصدر عند انتفاء قيام المصدر بالمكلف فظهرت الملازمة في الشرطية .
والخامس : إن القول في الاعتراض أن المقارنة لكونها أمراً مترتباً على فعل الله تعالى لا تختلف الخ ، فيه أمران : الأول : أنا لا نسلم التلازم بين كون المقارنة هي المكلف بها وبين عدم الاختلاف ، وأيّ مانع من أن تكون مختلفة باعتبار أحوال الشخص عندها فتارة يخلق الله تعالى فيه صبراً وعزماً وتارة جزعاً وفتوراً إلى غير ذلك مما يرجع إلى سلامة البنية ومقابله أو غيرهما من الأعراض والأحوال التي يخلقها الله تعالى ويصرف عبده فيها كيف شاء مما يوجب ألماً أو لذة . الثاني : إن ما ذكرتموه مشترك الإلزام ؛ إذ يقال إذا كانت قدرة العبد مؤثرة بإذن الله تعالى فبأي وجه وقع الاختلاف حتى كان هذا سهلاً وهذا صعباً وكلاهما مقدور وهما متساويان في الإمكان .
ويجاب ، أما عن الأول : بأن التلازم بين كونها مترتبة على فعل الله تعالى وبين عدم اختلافها متحقق لأنها إذا كانت الكسب بالمعنى المصدري كانت تحصيلاً للمكسوب والتحصيل لكونه قائماً بالمكلف تتفاوت درجاته صعوبة وسهولة قطعاً ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : «صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب » والمقارنة لكونها أمراً مرتباً على فعل الله تعالى ليست قائمة بالعبد فلا تتفاوت بالنسبة إليه أصلاً ، والإيراد بتجويز اختلافها بكون بعضها بخلق الله تعالى عنده صبراً في العبد الخ خارج عن المقصود لأن العبارة صريحة في أن المقصود عدم اختلافها بالنسبة إلى العبد صعوبة وسهولة لا مطلق الاختلاف ، وأما عن الثاني : فبأنه قد دلت النصوص على تفاوت درجات القوة والبطش كقوله تعالى : { كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً } [ غافر : 82 ] وقوله سبحانه : { كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ } [ غافر : 21 ] وقوله عز شأنه :
{ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً } [ الزخرف : 8 ] وباختلاف درجات ذلك في الأقوياء التابع لاستعداداتهم الذاتية الغير المجعولة ، وقع الاختلاف في الأعمال صعوبة وسهولة ، هذا ما ظفرنا به من تحقيق الحق من كتب ساداتنا قدس الله تعالى أسرارهم وجعل أعلى الفردوس قرارهم ، وإنما استطردت هذا المبحث هنا مع تقدم إشارات جزئية إلى بعض منه ؛ لأنه أمر مهم جداً لا تنبغي الغفلة عنه فاحفظه فإنه من بنات الحقاق لا من حوانيت الأسواق ، والله تعالى الموفق لا رب غيره .
{ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ * العالمين } يحتمل أن يراد بمن كفر من لم يحج وعبر عن ترك الحج بالكفر تغليظاً وتشديداً على تاركه كما وقع مثل ذلك فيما أخرجه سعيد بن منصور وأحمد وغيرهما عن أبي أمامة من قوله صلى الله عليه وسلم : " من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حالة شاء يهودياً أو نصرانياً " ومثله ما روي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال : لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة فلم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين ، ويحتمل إبقاء الكفر على ظاهره بناءاً على ما أخرج ابن جرير وعبد بن حميد وغيرهما عن عكرمة «أنه لما نزلت { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا } [ آل عمران : 85 ] الآية قال اليهود : فنحن مسلمون فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى فرض على المسلمين حج البيت فقالوا لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا فنزل { وَمَن كَفَرَ } » الآية . ومن طريق الضحاك أنه لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الملل مشركي العرب والنصارى واليهود والمجوس والصابئين فقال : إن الله تعالى قد فرض عليكم الحج فحجوا البيت فلم يقبله إلا المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا : لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نستقبله فأنزل الله سبحانه { وَمَن كَفَرَ } الخ وإلى إبقائه على ظاهره ذهب ابن عباس ، فقد أخرج البيهقي عنه أنه قال في الآية : { وَمَن كَفَرَ } بالحج فلم ير حجه براً ولا تركه مأثماً ، وروى ابن جرير أن الآية لما نزلت قام رجل من هذيل فقال : يا رسول الله من تركه كفر ؟ قال : " من تركه لا يخاف عقوبته ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذاك " ، وعلى كلا الاحتمالين لا تصلح الآية دليلاً لمن زعم أن مرتكب الكبيرة كافر ، و { مِنْ } تحتمل أن تكون شرطية وهو الظاهر وأن تكون موصولة ، وعلى الاحتمالين استغنى فيما بعد الفاء عن الرابط بإقامة الظاهر مقام المضمر إذ الأصل فإن الله غني عنهم .
ويجوز أن يبقى الجمع على عمومه ويكتفى عن الضمير الرابط بدخول المذكورين فيه دخولاً أولياً والاستغناء في هذا المقام كناية عن السخط على ما قيل ، ولهذا صح جعله جزاءاً وإن أبيت فهو دليله .
وفي الآية كما قالوا فنون من الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج والتشديد على تاركه ما لا مزيد عليه ، وعدوا من ذلك إيثار صيغة الخبر وإبرازها في صورة الجملة الاسمية الدالة على الثبات والدوام على وجه يفيد أنه حق واجب لله تعالى في ذمم الناس وتعميم الحكم أولاً وتخصيصه ثانياً وتسمية ترك الحج كفراً من حيث إنه فعل الكفرة وذكر الاستغناء والعالمين . وذكر الطيبي أن في تخصيص اسم الذات الجامع وتقديم الخبر ، الدلالة على أن ذلك عبادة لا ينبغي أن تختص إلا بمعبود جامع للكمالات بأسرها وأن في إقامة المظهر وهو البيت مقام المضمر بعد سبقه منكراً ، المبالغة في وصفه أقصى الغاية كأنه رتب الحكم على الوصف المناسب ؛ وكذا في ذكر الناس بعد ذكره معرفاً ، الإشعار بعلية الوجوب وهو كونهم ناساً ، وفي تذييل { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين } لأنها في المعنى تأكيد الإيذان بأن ذلك هو الإيمان على الحقيقة وهو النعمة العظيمة وأن مباشره مستأهل لأن الله تعالى بجلالته وعظمته يرضى عنه رضاً كاملاً كما كان ساخطاً على تاركه سخطاً عظيماً ، وفي تخصيص هذه العبادة وكونها مبينة لملة إبراهيم عليه السلام بعد الرد على أهل الكتاب فيما سبق من الآيات والعود إلى ذكرهم بعد ، خطب جليل وشأن خطير لتلك العبادة العظيمة ، واستأنس بعضهم لكونه عبادة عظيمة بأنه من الشرائع القديمة بناءاً على ما روي أن آدم عليه السلام حج أربعين سنة من الهند ماشياً وأن جبريل قال له : إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة ؛ وادعى ابن إسحق أنه لم يبعث الله تعالى نبياً بعد إبراهيم إلا حج ، والذي صرح به غيره أنه ما من نبي إلا حج خلافاً لمن استثنى هوداً وصالحاً عليهما الصلاة والسلام ، وفي وجوبه على من قبلنا وجهان قيل : الصحيح أنه لم يجب إلا علينا واستغرب ، وادعى جمع أنه أفضل العبادات لاشتماله على المال والبدن ، وفي وقت وجوبه خلاف فقيل : قبل الهجرة ، وقيل : أول سنيها وهكذا إلى العاشرة وصحح أنه في السادسة ، نعم حج صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها وقبل الهجرة حججاً لا يدرى عددها والتسمية مجازية باعتبار الصورة بل قيل ذلك في حجة الصديق رضي الله تعالى عنه أيضاً في التاسعة لكن الوجه خلافه ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يؤمر إلا بحج شرعي ، وكذا يقال في الثامنة التي أمر فيها عتاب بن أسيد أمير مكة وبعد ذلك حجة الوداع لا غير .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فِيهِ ءايات بينات مَّقَامُ إبراهيم } المشتمل على الرضا والتسليم والانبساط واليقين والمكاشفة والمشاهدة والخلة والفتوة أو المعرفة والتوحيد والفناء والبقاء والسكر والصحو ، أو جميع ذلك { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } من غوائل نفسه لأنه مقام التمكين وتطبيق ذلك على ما في الأنفس أن البيت إشارة إلى القلب الحقيقي ، ويحمل ما ورد أن البيت أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض وخلق قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض تحته على ذلك وظهوره على الماء حينئذٍ تعلقه بالنطفة عند خلق سماء الروح الحيوان وأرض البدن ، وخلقه قبل الأرض إشارة إلى قدمه وحدوث البدن ، وتقييد ذلك بألفي عام إشارة إلى تقدمه على البدن بطورين : طور النفس وطور القلب تقدماً بالرتبة ؛ ؛ إذ الألف رتبة تامة ، وكونه زبدة بيضاء إشارة إلى صفاء جوهره ، ودحو الأرض تحته إشارة إلى تكون البدن من تأثيره وكون أشكاله وصور أعضائه تابعة لهيئاته ، ولا يخفى أن محل تعلق الروح بالبدن واتصال القلب الحقيقي به أولا هو القلب الصنوبري وهو أول ما يتكون من الأعضاء وأول عضو يتحرك وأخر عضو يسكن فيكون ( أول بيت وضع للناس للذي ببكة ) الصدر صورة ، أو أول متعبد وضع لهم للقلب الحقيقي الذي هو ببكة الصدر المعنوي الذي هو أشرف مقام في النفس وموضع ازدحام القوى إليه ، ومعنى كونه ( مباركاً ) أنه ذو بركة إلهية بسبب فيض الخير عليه ، وكونه ( هدى ) أنه يهتدي به إلى الله تعالى والآيات التي فيه هي العلوم والمعارف والحكم والحقائق ، و ( مقام إبراهيم ) إشارة إلى العقل الذي هو مقام قدم إبراهيم الروح يعني محل اتصال نوره من القلب ولا شك أن من دخل ذلك ( كان آمناً ) من أعداء سعالى المتخيلة وعفاريت أحاديث النفس واختطاف شياطين الوهم وجن الخيالات واغتيال سباع القوى النفسانية وصفاتها .
{ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } ( آل عمران ؛ 97 ) وهم أهل معرفته عز شأنه ، وأما الجاهلون به فلا قاموا ولا قعدوا .
يحكى عن بعضهم أنه قال : قلت للشبلي : إني حججت فقال : كيف فعلت ؟ فقلت : اغتسلت وأحرمت وصليت ركعتين ولبيت فقال لي : عقدت به الحج ؟ فقلت : نعم ، قال : فسخت بعقدك كل عقد عقدت منذ خلقت مما يضاد هذا العقد ؟ قلت : لا ، قال : فما عقدت ، ثم قال نزعت ثيابك ؟ قلت : نعم قال : تجردت عن كل فعل فعلت ؟ قلت : لا ، قال : ما نزعت ، فقال : تطهرت ؟ قال : نعم قال : أزلت عنك كل علة ؟ فقلت : لا قال فما تطهرت ، قال لبيت ؟ قلت : نعم قال : وجدت جواب التلبية مثلاً بمثل ؟ قلت : لا قال : ما لبيت ، قال دخلت الحرم ؟ قلت : نعم قال : اعتقدت بدخولك ترك كل محرم ؟ قلت : لا قال : ما دخلت ، قال : أشرفت على مكة ؟ قلت : نعم قال : أشرف عليك حال من الله تعالى ؟ قلت لا قال : ما أشرفت ، قال : دخلت المسجد الحرام ؟ قلت : نعم قال : دخلت الحضرة ؟ قلت : لا قال : ما دخلت المسجد الحرام ، قال : رأيت الكعبة ؟ قلت : نعم قال : رأيت ما قصدت له ؟ قلت : لا قال ما رأيت الكعبة ، قال رملت وسعيت ؟ قلت : نعم قال : هربت من الدنيا ووجدت أمناً مما هربت ؟ قلت : لا قال : ما فعلت شيئاً ، قال : صافحت الحجر ؟ قلت : نعم قال : من صافح الحجر فقد صافح الحق ومن صافح الحق ظهر عليه أثر الأمن أفظهر عليك ذلك ؟ قلت : لا قال : ما صافحت ؛ قال : أصليت ركعتين بعد ؟ قلت : نعم قال : أوجدت نفسك بين يدي الله تعالى ؟ قلت : لا قال : ما صليت . قال : خرجت إلى الصفا ؟ قلت : نعم قال : أكبرت ؟ قلت : نعم فقال : أصفا سرك وصغرت في عينك الأكوان ؟ قلت : لا قال : ما خرجت ولا كبرت . قال : هرولت في سعيك ؟ قلت : نعم قال : هربت منه إليه ؟ قلت : لا قال : ما هرولت ، قال : وقفت على المروة ؟ قلت : نعم قال : رأيت نزول السكينة عليك وأنت عليها : قلت لا قال : ما وقفت على المروة ، قال : خرجت إلى منى ؟ قلت : نعم قال : أعطيت ما تمنيت ؟ قلت : لا قال : ما خرجت ، قال : دخلت مسجد الخيف ؟ قلت : نعم قال : تجدد لك خوف ؟ قلت : لا قال : ما دخلت ، قال : مضيت إلى عرفات ؟ قلت : نعم قال : عرفت الحال الذي خلقت له والحال الذي تصير إليه ؟ وهل عرفت من ربك ما كنت منكراً له ؟ وهل تعرف الحق إليك بشيء ؟ قلت : لا قال : ما مضيت ، قال : نفرت إلى المشعر الحرام ؟ قلت : نعم قال : ذكرت الله تعالى فيه ذكراً أنساك ذكر ما سواه ؟ قلت لا قال : ما نفرت ، قال : ذبحت ؟ قلت : نعم قال : أفنيت شهواتك وإراداتك في رضاء الحق ؟ قلت : لا قال : ما ذبحت ، قال : رميت ؟ قلت : نعم قال : رميت جهلك منك بزيادة علم ظهر عليك ؟ قلت : لا قال : ما رميت ، قال : زرت ؟ قلت : نعم قال : كوشفت عن الحقائق ؟ قلت : لا قال : ما زرت ، قال : أحللت ؟ قلت : نعم قال : عزمت على الأكل من الحلال قدر ما تحفظ به نفسك ؟ قلت : لا قال : ما أحللت ، قال : ودعت ؟ قلت نعم قال : خرجت من نفسك وروحك بالكلية ؟ قلت : لا قال : ما ودعت ولا حججت وعليك العود إن أحببت وإذا حججت فاجتهد أن تكون كما وصفت لك انتهى .
/ فهذا الذي ذكره الشبلي هو الحج الذي يستأهل أن يقال له حج ، ولله تعالى عباد أهّلهمْ لذلك وأقدرهم على السلوك في هاتيك المسالك فحجهم في الحقيقة منه إليه وله فيه فمطافهم حظائر القربة على بساط الحشمة وموقفهم عرفة العرفان على ساق الخدمة ليس لهم غرض في الجدران والأحجار وهيهات هيهات ما غرض المجنون من الديار إلا الديار ، ومن كفر وأعرض عن المولى بهوى النفس { فإن الله غني عن العالمين } [ آل عمران : 97 ] فهو سبحانه غني عنه لا يلتفت إليه