مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا} (10)

قوله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } .

اعلم أنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلما ، وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك ، كقوله : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا } ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم ، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة ، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله ، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى . وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم ، وإلا لم يكن لهذا التخصيص فائدة ، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف .

المسألة الثانية : قوله : { إنما يأكلون في بطونهم نارا } فيه قولان : الأول : أن يجري ذلك على ظاهره قال السدي : إذا أكل الرجل مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومسامعه وأذنيه وعينيه ، يعرف كل من رآه أنه أكل مال اليتيم . وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ليلة أسرى بي رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من النار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء : فقال : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما » .

والقول الثاني : أن ذلك توسع ، والمراد : أن أكل مال اليتيم جار مجرى أكل النار من حيث أنه يفضي إليه ويستلزمه ، وقد يطلق اسم أحد المتلازمين على الآخر ، كقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } قال القاضي : وهذا أولى من الأول لأن قوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا } الإشارة فيه إلى كل واحد ، فكان حمله على التوسع الذي ذكرناه أولى .

المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة قوله : { إنما يأكلون في بطونهم نارا } .

وجوابه : أنه كقوله : { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } والقول لا يكون إلا بالفهم ، وقال : { ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } والقلب لا يكون إلا في الصدر ، وقال : { ولا طائر يطير بجناحيه } والطيران لا يكون إلا بالجناح ، والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة .

المسألة الرابعة : أنه تعالى وإن ذكر الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع الإتلافات ، فإن ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل ، أو بطريق آخر ، وإنما ذكر الأكل وأراد به كل التصرفات المتلفة لوجوه : أحدها : أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب ألبانها . فخرج الكلام على عادتهم . وثانيها : أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله في وجوه مراداته خيرا كانت أو شرا ، أنه يقال : إنه أكل ماله . وثالثها : أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات .

المسألة الخامسة : قالت المعتزلة : الآية دالة على وعيد كل من فعل هذا الفعل ، سواء كان مسلما أو لم يكن ؛ لأن قوله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } عام يدخل فيه الكل فهذا يدل على القطع بالوعيد وقوله : { وسيصلون سعيرا } يوجب القطع على أنهم إذا ماتوا على غير توبة يصلون هذا السعير لا محالة ، والجواب عنه قد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة ، ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون هذا الوعيد مخصوصا بالكفار لقوله تعالى : { والكافرون هم الظالمون } ثم قالت المعتزلة : ولا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد أكل اليسير من ماله لأن الوعيد مشروط بأن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم من تلك المعصية ، وإذا كان كذلك ، فالذي يقطع على أنه من أهل الوعيد من تكون معصيته كبيرة ولا يكون معها توبة ، فلا جرم وجب أن يطلب قدر ما يكون كثيرا من أكل ماله ، فقال أبو علي الجبائي : قدره خمسة دراهم لأنه هو القدر الذي وقع الوعيد عليه في آية الكنز في منع الزكاة ، هذا جملة ما ذكره القاضي ، فيقال له : فأنت قد خالفت ظاهر هذا العموم من وجهين أحدهما : أنك زدت فيه شرط عدم التوبة . والثاني : أنك زدت فيه عدم كونه صغيرا ، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : ما وجدنا دليلا يدل على حصول العفو ، لكنا نجيب عنه من وجهين : أحدهما : أنا لا نسلم عدم دلائل العفو ، بل هي كثيرة على ما قررناه في سورة البقرة . والثاني : هب أنكم ما وجدتموها لكن عدم الوجدان لا يفيد القطع بعدم الوجود ، بل يبقى الاحتمال ، وحينئذ يخرج التمسك بهذه الآية من إفادة القطع والجزم ، والله أعلم .

المسألة السادسة : أنه تعالى ذكر وعيد مانعي الزكاة بالكي فقال : { يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } وذكر وعيد آكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار ، ولا شك أن هذا الوعيد أشد ، والسبب فيه أن في باب الزكاة الفقير غير مالك لجزء من النصاب ، بل يجب على المالك أن يملكه جزأ من ماله ، أما ههنا اليتيم مالك لذلك المال فكان منعه من اليتيم أقبح ، فكان الوعيد أشد ، ولأن الفقير قد يكون كبيرا فيقدر على الاكتساب ، أما اليتيم فإنه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد .

ثم قال تعالى : { وسيصلون سعيرا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم { وسيصلون } بضم الياء ، أي يدخلون النار على ما لم يسم فاعله ، والباقون بفتح الياء قال أبو زيد يقال : صلى الرجل النار يصلاها صلى وصلاء ، وهو صالي النار ، وقوم صالون وصلاء قال تعالى : { إلا من هو صال الجحيم } وقال : { أولى بها صليا } وقال : { جهنم يصلونها } قال الفراء : الصلي : اسم الوقود وهو الصلاء إذا كسرت مدت ، وإذا فتحت قصرت ، ومن ضم الياء فهو من قولهم : أصلاه الله حر النار إصلاء . قال : { فسوف نصليه نارا } وقال تعالى : { سأصليه سقر } قال صاحب «الكشاف » : قرئ { سيصلون } بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها .

المسألة الثانية : السعير : هو النار المستعرة يقال : سعرت النار أسعرها سعرا فهي مسعورة وسعير ، والسعير معدول عن مسعورة كما عدل كف خضيب عن مخضوبة ، وإنما قال : { سعيرا } لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى .

المسألة الثالثة : روي أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية ، فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى : { وإن تخالطوهم فإخوانكم } ومن الجهال من قال : صارت هذه الآية منسوخة بتلك ، وهو بعيد لأن هذه الآية في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخا ، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الإثم كما في هذه الآية ، وإن كان على سبيل التربية والإحسان فهو من أعظم أبواب البر ، كما في قوله : { وإن تخالطوهم فإخوانكم } ، والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا} (10)

1

( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً )

أما اللمسة الثانية ، فهي صورة مفزعة : صورة النار في البطون . . وصورة السعير في نهاية المطاف . . إن هذا المال . . نار . . وإنهم ليأكلون هذه النار . وإن مصيرهم لإلى النار فهي النار تشوي البطون وتشوي الجلود . هي النار من باطن وظاهر . هي النار مجسمة حتى لتكاد تحسها البطون والجلود ، وحتى لتكاد تراها العيون ، وهي تشوي البطون والجلود !

ولقد فعلت هذه النصوص القرآنية ، بإيحاءاتها العنيفة العميقة فعلها في نفوس المسلمين . خلصتها من رواسب الجاهلية . هزتها هزة عنيفة ألقت عنها هذه الرواسب . وأشاعت فيها الخوف والتحرج والتقوى والحذر من المساس - أي مساس - بأموال اليتامى . . كانوا يرون فيها النار التي حدثهم الله عنها في هذه النصوص القوية العميقة الإيحاء . فعادوا يجفلون أن يمسوها ويبالغون في هذا الإجفال !

من طريق عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لما نزلت : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) . . الآية . . انطلق من كان عنده يتيم ، فعزل طعامه من طعامه ، وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل الشيء ، فيحبس له ، حتى يأكله أو يفسد . فاشتد ذلك عليهم . فذكروا ذلك لرسول الله [ ص ] فأنزل الله : ( ويسألونك عن اليتامى . قل : إصلاح لهم خير ، وإن تخالطوهم فإخوانكم . والله يعلم المفسد من المصلح ، ولو شاء الله لأعنتكم . . )الآية فخلطوا طعامهم بطعامهم ، وشرابهم بشرابهم . .

وكذلك رفع المنهج القرآني هذه الضمائر ، إلى ذلك الأفق الوضيء ؛ وطهرها من غبش الجاهلية ذلك التطهير العجيب . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا} (10)

{ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } استئناف جيء به لتقرير ( مضمون ) ما فصل من الأوامر والنواهي و { ظُلْماً } إما حال أي ظالمين ، أو مفعول لأجله وقيل : منصوب على المصدرية أي أكل ظلم على معنى أكلا على وجهه ، وقيل : على التمييز وإنما علق الوعيد على الأكل بذلك لأنه قد يأكل مال اليتيم على وجه الاستحقاق كالأجرة والقرض مثلاً فلا يكون ظلماً ولا الآكل ظالماً . وقيل : ذكر الظلم للتأكيد والبيان لأن أكل مال اليتيم لا يكون إلا ظلماً ومن أخذ مال اليتيم قرضاً أو أجرة فقد أكل مال نفسه ولم يأكل مال اليتيم وفيه منع ظاهر .

{ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ } أي ملء بطونهم ، وشاع هذا التعبير في ذلك ، وكأنه مبني على أن حقيقة الظرفية المتبادر منها الإحاطة بحيث لا يفضل الظرف عن المظروف فيكون الأكل في البطن ملء البطن ، وفي بعض البطن دونه ، وهو المراد في قوله :

كلو في بعض بطنكم تعفوا *** فإن زمانكم زمن خميص

ولا ينافي هذا قول الأصوليين : إن الظرف إذا جر بفي لا يكون بتمامه ظرفاً بخلاف المقدرة فيه ، فنحو سرت يوم الخميس لتمامه وفي يوم الخميس لغيره ، فقد قال عصام الملة : إن هذا مذهب الكوفين ، والبصريون لا يفرقون بينهما كما بين في النحو ، وقال شهاب الدين : الظاهر إن ما ذكره أهل الأصول فيما يصح جره بفي ونصبه على الظرفية ، وهذا ليس كذلك لأنه لا يقال : أكل بطنه بمعنى في بطنه فليس مما ذكره أهل الأصول في شيء ، وهو مثل جعلت المتاع في البيت فهو صادق بملئه وبعدمه لكن الأصل الأول كما ذكروه .

وجوز أن يكون ذكر البطون للتأكيد والمبالغة كما في قوله تعالى : { يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } [ آل عمران : 167 ] والقول لا يكون إلا بالفم ، وقوله تعالى : { ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور } [ الحج : 46 ] والقلب لا يكون إلا في الصدر ، وقوله سبحانه : { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] والطير لا يطير إلا بجناح ، فقد قالوا : إن الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة ، ثم المظروف هنا المفعول أي المأكول لا الفاعل ، وتحقيق ذلك على ما نقل عن التمرتاشي في الأيمان أنه إذا ذكر ظرف بعد فعل له فاعل ومفعول كما إذا قلت : إن ضربت زيداً في الدار ، أو في المسجد فكذا فإن كانا معاً فيه فالأمر ظاهر ، وإن كان الفاعل فيه دون المفعول ، أو بالعكس فإن كان الفعل مما يظهر أثره في المفعول كالضرب والقتل والجرح فالمعتبر كون المفعول فيه وإن كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم فالمعتبر كون الفاعل فيه ، ولذا قال بعض الفقهاء : لو قال : إن شتمته في المسجد أو رميت إليه فشرط حنثه كون الفاعل فيه ، ولو قال : إن ضربته أو جرحته أو قتلته أو رميته فشرطه كون المفعول فيه ، وإنما كان الرمي في الأول مما لا يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم من القوس بنيته ؛ وذلك مما لا يظهر له أثر في المحل ولا يتوقف على وصول فعل الفاعل ، وفي الثاني مما يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم ، أو ما يضاهيه على وجه يصل إلى المرمى إليه فيجرحه أو يوجعه ويؤلمه ، ولا شك أن ما نحن فيه من قبيل هذا القسم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام على ذلك .

والجار والمجرور متعلق بيأكلون وهو الظاهر ، وقيل : إنه حال من قوله تعالى : { نَارًا } أي ما يجرّ إليها فالنار مجاز مرسل من ذكر المسبب وإرادة السبب ، وجوز في ذلك الاستعارة على تشبيه ما أكل من أموال اليتامى بالنار لمحق ما معه ، واستبعده بعض المحققين ، وذهب بعضهم إلى جواز حمله على ظاهره ، فعن عبيد الله بن جعفر أنه قال : من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فمه جمراً ويقال له كل ما أكلته في الدنيا ثم يدخل السعير الكبرى . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال : حدثني النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال : " نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار فيقذف في أجوافهم حتى تخرج من أسافلهم ولهم خوار وصراخ فقلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً "

{ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } أي سيدخلون ناراً هائلة مبهمة الوصف ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم ياء المضارعة ، والباقون بفتحها ، وقرىء { وَسَيَصْلَوْنَ } بتشديد اللام ، وفي «الصحاح » يقال : صليت اللحم وغيره أصليه صلياً مثل رميته رمياً إذا شويته ، وصليت الرجل ناراً إذا أدخلته وجعلته يصلاها فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد ازحراق قلت : أصليته بالألف وصليته تصلية ، ويقال : صلى بالأمر إذا قاسى حره وشدته ، قال الطهوي :

ولاتبلي بسالتهم وإن هم *** ( صلوا ) بالحرب حيناً بعد حين

وقال بعض المحققين : إن أصل الصلى القرب من النار وقد استعمل هنا في الدخول مجازاً ، وظاهر كلام البعض أنه متعد بنفسه ، وقيل : إنه يتعدى بالباء فيقال : صلى بالنار ، وذكر الراغب أنه يتعدى بالباء تارة أو بنفسه أخرى ولعله بمعنيين كما يشير إليه ما في «الصحاح » ، والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار إذا أوقدتها وألهبتها . وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جبير أن السعير واد من فيح جهنم ، وظاهر الآية أن هذا الحكم عام لكل من يأكل مال اليتيم مؤمناً كان أو مشركاً ، وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه قال : هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم أي اليتامى ويأكلون أموالهم ، ولا يخفى أنه إذا أراد أن حكم الآية خاص بأهل الشرك فقط فغير مسلم ، وإن أراد أنها نزلت فيهم فلا بأس به إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وفي بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس واحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى : { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } ( البقرة ؛ 220 ) الآية .