ثم قال تعالى : { ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك } والمعنى ولولا أن الله خصك بالفضل وهو النبوة ، وبالرحمة وهي العصمة لهمت طائفة منهم أن يضلوك ، وذلك لأن قوم طعمة كانوا قد عرفوا أنه سارق ، ثم سألوا النبي عليه السلام أن يدفع ويجادل عنه ويبرئه عن السرقة ، وينسب تلك السرقة إلى اليهودي ، ومعنى يضلوك أي يلقوك في الحكم الباطل الخطأ .
ثم قال تعالى : { وما يضلون إلا أنفسهم } بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان ، فهم لما أقدموا على هذه الأعمال فهم الذين يعملون عمل الضالين .
{ وما يضرونك من شيء } فيه وجهان : الأول : قال القفال رحمه الله : وما يضرونك في المستقبل ، فوعده الله تعالى في هذه الآية بإدامة العصمة له مما يريدون من إيقاعه في الباطل . الثاني : أن المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل ، لأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال ، وأنت ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر .
ثم قال تعالى : { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة }
واعلم أن إن فسرنا قوله { وما يضرونك من شيء } بأن المراد أنه تعالى وعده بالعصمة في المستقبل كان قوله { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } مؤكدا لذلك الوعد ، يعني لما أنزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات ، وإن فسرنا تلك الآية بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان معذورا في بناء الحكم على الظاهر كان المعنى : وأنزل عليك الكتاب والحكمة وأوجب فيها بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر على الظاهر .
ثم قال تعالى : { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما }
قال القفال رحمه الله : هذه الآية تحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المراد ما يتعلق بالدين ، كما قال { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } وعلى هذا الوجه تقدير الآية : أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارهما وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالما بشيء منهما ، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك وإزلالك .
الوجه الثاني : أن يكون المراد : وعلمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين ، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه كيدهم ما تقدر به على الاحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم ، ثم قال { وكان فضل الله عليك عظيما } وهذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب وذلك لأن الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا القليل ، كما قال { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ونصيب الشخص الواحد من علوم جميع الخلق يكون قليلا ، ثم أنه سمى ذلك القليل عظيما حيث قال { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } وسمى جميع الدنيا قليلا حيث قال { قل متاع الدنيا قليل } وذلك يدل على غاية شرف العلم .
وأخيرا يمن الله على رسوله [ ص ] أن عصمه من الانسياق وراء المتأمرين المبيتين ؛ فأطلعه على مؤامراتهم التي يستخفون بها من الناس ولا يستخفون بها من الله - وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول - ثم يمتن عليه المنة الكبرى في إنزال الكتاب والحكمة وتعليمه ما لم يكن يعلم . . وهي المنة على البشرية كلها ، ممثلة ابتداء في شخص أكرمها على الله وأقربها لله :
( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك . وما يضلون إلا أنفسهم . وما يضرونك من شيء . وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة . وعلمك ما لم تكن تعلم . وكان فضل الله عليك عظيمًا ) .
إن هذه المحاولة ليست إلا واحدة من محاولات كثيرة ، شتى الألوان والأنواع ؛ مما بذله أعداء هذا الرسول الكريم ليضلوه عن الحق والعدل والصواب . ولكن الله - سبحانه - كان يتولاه بفضله ورحمته في كل مرة . وكان الكائدون المتأمرون هم الذين يضلون ويقعون في الضلالة . . وسيرة رسول الله [ ص ] حافلة بتلك المحاولات ؛ ونجاته وهدايته ؛ وضلال المتأمرين وخيبتهم .
والله - سبحانه - يمتن عليه بفضله ورحمته هذه ؛ ويطمئنه في الوقت ذاته أنهم لا يضرونه شيئا . بفضل من الله ورحمة .
وبمناسبة المنة في حفظه من هذه المؤامرة الأخيرة ؛ وصيانة أحكامه من أن تتعرض لظلم برىء وتبرئة جارم ، وكشف الحقيقة له وتعريفه بالمؤامرة . . تجى ء المنة الكبرى . . منة الرسالة :
وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم . وكان فضل الله عليك عظيمًا .
وهي منة الله على " الإنسان " في هذه الأرض . المنة التي ولد الإنسان معها ميلادا جديدا . ونشأ بها " الإنسان " كما نشأ أول مرة بنفخة الروح الأولى . .
المنة التي التقطت البشرية من سفح الجاهلية ، لترقى بها في الطريق الصاعد ، إلى القمة السامقة . عن طريق المنهج الرباني الفريد العجيب . .
المنة التي لا يعرف قدرها إلا الذي عرف الإسلام وعرف الجاهلية - جاهلية الغابر والحاضر - وذاق الإسلام وذاق الجاهلية . .
وإذا كانت منة يذكر الله بها رسوله [ ص ] فلأنه هو أول من عرفها وذاقها . وأكبر من عرفها وذاقها . وأعرف من عرفها وذاقها . .
{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ } بإعلامك بما هم عليه بالوحي وتنبيهك على الحق ، وقيل : لولا فضله بالنبوة ورحمته بالعصمة ، وقيل : لولا فضله بالنبوة ورحمته بالوحي ؛ وقيل : المراد لولا حفظه لك وحراسته إياك . { لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } أي من الذين يختانون ، والمراد بهم أسير بن عروة وأصحابه ، أو الذابون عن طعمة المطلعون على كنه القصة العالمون بحقيقتها ، ويجوز أن يكون الضمير راجعاً إلى الناس ، والمراد بالطائفة الذين انتصروا للسارق أو المودع الخائن ، وقيل : المراد بهم وفد ثقيف ، فقد روي عن جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا محمد جئناك نبايعك على أن لا نكسر أصنامنا بأيدينا وعلى أن نتمتع بالعزى سنة ، فلم يجبهم صلى الله عليه وسلم وعصمه الله تعالى من ذلك فنزلت » . وعن أبي مسلم أنهم المنافقون هموا بما لم ينالوا من إهلاك النبي صلى الله عليه وسلم فحفظه الله تعالى منهم وحرسه بعين عنايته .
{ أَن يُضِلُّوكَ } أي بأن يضلوك عن القضاء بالحق ، أو عن اتباع ما جاءك في أمر الأصنام ، أو بأن يهلكوك ، وقد جاء الإضلال بهذا المعنى ، ومنه على ما قيل : قوله تعالى : { وَقَالُواْ * أَءذَا ضَلَلْنَا فِى الارض } [ السجدة : 10 ] والجملة جواب { لَوْلاَ } وإنما نفى همهم مع أن المنفي إنما هو تأثيره فقط إيذاناً بانتفاء تأثيره بالكلية ، وقيل : المراد هو الهم المؤثر ولا ريب في انتفائه حقيقة . وقال الراغب : إن القوم كانوا مسلمين ولم يهموا بإضلاله صلى الله عليه وسلم أصلاً وإنما كان ذلك صواباً عندهم وفي ظنهم ؛ وجوز أبو البقاء أن يكون الجواب محذوفاً والتقدير ولولا فضل الله عليك ورحمته لأضلوك ثم استأنف بقوله سبحانه : { لَهَمَّتْ } أي لقد همت بذلك { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } أي ما يزيلون عن الحق إلا أنفسهم ، أو ما يهلكون إلا إياها لعود وبال ذلك وضرره عليهم ، والجملة اعتراضية ، وقوله تعالى : { وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } عطف عليه وعطف على { أَن يُضِلُّوكَ } وهم محض ؛ و { مِنْ } صلة ، والمجرور في محل النصب على المصدرية أي وما يضرونك شيئاً من الضرر لما أنه تعالى عاصمك عن الزيغ في الحكم ، وأما ما خطر ببالك فكان عملاً منك بظاهر الحال ثقة بأقوال القائلين من غير أن يخطر لك أن الحقيقة على خلاف ذلك ، أو لما أنه سبحانه عاصمك عن المداهنة والميل إلى آراء الملحدين والأمر بخلاف ما أنزل الله تعالى عليك ، أو لما أنه جل شأنه وعدك العصمة من الناس وحجبهم عن التمكن منك .
{ وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة } أي القرآن الجامع بين العنوانين ، وقيل : المراد بالحكمة السنة ، وقد تقدم الكلام في تحقيق ذلك ، والجملة على ما قال الأجهوري : في موضع التعليل لما قبلها ، وإلى ذلك أشار الطبرسي وهو غير مسلم على ما ذهب إليه أبو مسلم .
{ وَعَلَّمَكَ } بأنواع الوحي { مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } أي الذي لم تكن تعلمه من خفيات الأمور وضمائر الصدور ، ومن جملتها وجوه إبطال كيد الكائدين ، أو من أمور الدين وأحكام الشرع كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو من الخير والشر كما قال الضحاك أو من أخبار الأولين والآخرين كما قيل أو من جميع ما ذكر كما يقال . ومن الناس من فسر الموصول بأسرار الكتاب والحكمة أي أنه سبحانه أنزل عليك ذلك وأطلعك على أسراره وأوقفك على حقائقه فتكون الجملة الثانية كالتتمة للجملة الأولى ، واستظهر في «البحر » العموم . { وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً } لا تحويه عبارة ولا تحيط به إشارة ، ومن ذلك النبوة العامة والرياسة التامة والشفاعة العظمى يوم القيامة .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ } أي توفيقه وإمداده لسلوك طريقه { وَرَحْمَتُهُ } حيث وهب لك الكمال المطلق { لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ } لعود ضرره عليهم ، وحفظك في قلاع استعدادك عن أن ينالك شيء من ذلك { وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب } الجامع لتفاصيل العلم { والحكمة } التي هي أحكام تلك التفاصيل مع العمل { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } من علم عواقب الخلق وعلم ما كان وما سيكون { وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً } [ النساء : 113 ] حيث جعلك أهلاً لمقام قاب قوسين أو أدنى ومنّ عليك بما لا يحيط به سوى نطاق الوجود