مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا} (108)

ثم قال تعالى { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا } الاستخفاء في اللغة معناه الاستتار ، يقال استخفيت من فلان ، أي تواريت منه واستترت . قال تعالى : { ومن هو مستخف بالليل } أي مستتر ، فقوله : { يستخفون من الناس } أي يستترون من الناس ولا يستترون من الله . قال ابن عباس : يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله . قال الواحدي : هذا معنى وليس بتفسير ، وذلك لأن الاستحياء من الناس يوجب الاستتار من الناس والاستخفاء منهم ، فأما أن يقال : الاستحياء هو نفس الاستخفاء فليس الأمر كذلك ، وقوله : { وهو معهم } يريد بالعلم والقدرة والرؤية ، وكفى هذا زاجرا للإنسان عن المعاصي ، وقوله : { إذ يبيتون ما لا يرضى من القول } أي يضمرون ويقدرون في أذهانهم وذكرنا معنى التبييت في قوله : { بيت طائفة منهم } والذي لا يرضاه الله من القول هو أن طعمة قال : أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع وأحلف أني لم أسرقها ، فيقبل الرسول يميني لأني على دينه ولا يقبل يمين اليهودي .

فإن قيل : كيف سمي التبييت قولا وهو معنى في النفس ؟

قلنا : مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو المعنى القائم بالنفس ، وعلى هذا المذهب فلا إشكال ، ومن أنكر كلام النفس فله أن يجيب بأن طعمة وأصحابه لعلهم اجتمعوا في الليل ورتبوا كيفية الحيلة والمكر ، فسمى الله تعالى كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه ، فأما قوله { وكان الله بما يعملون محيطا } فالمراد الوعيد من حيث إنهم وإن كانوا يخفون كيفية المكر والخداع عن الناس إلا أنها كانت ظاهرة في علم الله ، لأنه تعالى محيط بجميع المعلومات لا يخفى عليه سبحانه منها شيء .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا} (108)

105

ويعقب الوصف بالإثم والخيانة تصوير منفر لسلوك هؤلاء الخونة الآثمين :

( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله - وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول . . . )

وهي صورة زرية داعية إلى الاحتقار والسخرية . زرية بما فيها من ضعف والتواء ، وهم يبيتون ما يبيتون من الكيد والمؤامرة والخيانة ؛ ويستخفون بها عن الناس . والناس لا يملكون لهم نفعا ولا ضرا . بينما الذي يملك النفع والضر معهم وهم يبيتون ما يبيتون ؛ مطلع عليهم وهم يخفون نياتهم ويستخفون . وهم يزورون من القول مالا يرضاه ! فأي موقف يدعو إلى الزراية والاستهزاء أكثر من هذا الموقف ؟

( وكان الله بما يعملون محيطًا . . . )

إجمالا وإطلاقا . . فأين يذهبون بما يبيتون . والله معهم إذ يبيتون . والله بكل شيء محيط وهم تحت عينه وفي قبضته ؟

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا} (108)

{ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس } أي يستترون منهم حياءاً وخوفاً من ضررهم ، وأصل ذلك طلب الخفاء وضمير الجمع عائد على { الذين يَخْتَانُونَ } [ النساء : 107 ] على الأظهر ، والجملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب . وقيل : هي في موضع الحال من { مِنْ } { وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله } أي ولا يستحيون منه سبحانه وهو أحق بأن يستحى منه ويخاف من عقابه ، وإنما فسر الاستخفاء منه تعالى بالاستحياء لأن الاستتار منه عز شأنه محال فلا فائدة في نفيه ولا معنى للذم في عدمه ، وذكر بعض المحققين أن التعبير بذلك من باب المشالكة { وَهُوَ مَعَهُمْ } على الوجه اللائق بذاته سبحانه ، وقيل : المراد أنه تعالى عالم بهم وبأحوالهم فلا طريق إلى الاستخفاء منه تعالى سوى ترك ما يؤاخذ عليه ؛ والجملة في موضع الحال من ضمير يستخفون .

{ إِذْ يُبَيّتُونَ } أي يدبرون ولما كان أكثر التدبير مما يبيت عبر به عنه والظرف متعلق بما تعلق به قبله ، وقيل : متعلق ب { يَسْتَخْفُونَ } . { مَا لاَ يرضى مِنَ القول } من رمي البريء وشهادة الزور . قال النيسابوري : وتسمية التدبير وهو معنى في النفس قولاً لا إشكال فيها عند القائلين بالكلام النفسي ؛ وأما عند غيرهم فمجاز ، أو لعلهم اجتمعوا في الليل ورتبوا كيفية المكر فسمى الله تعالى كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه سبحانه ، وقد تقدم لك في المقدمات ما ينفعك ههنا فتذكر { وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ } أي بعملهم أو بالذي يعملونه من الأعمال الظاهرة والخافية { مُحِيطاً } أي حفيظاً كما قال الحسن أو عالماً لا يعزب عنه شيء ولا يفوت كما قال غيره وعلى القولين الإحاطة هنا مجاز ونظمها البعض في سلك المتشابه .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس } بكتمان رذائلهم وصفات نفوسهم { وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله } بإزالتها وقلعها { وَهُوَ مَعَهُمْ } محيط بظواهرهم وبواطنهم { إِذْ يُبَيّتُونَ } أي يدبرون في ظلمة عالم النفس والطبيعة { مَا لاَ يرضى مِنَ القول } من الوهميات والتخيلات الفاسدة { وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً } [ النساء : 108 ] فيجازيهم حسب أعمالهم