مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (33)

قوله تعالى : { أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير * ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } .

وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة ما يدل على وجود الإله القادر الحكيم المختار ، ثم فرع عليه فرعين : ( الأول ) إبطال قول عبدة الأصنام ( والثاني ) إثبات النبوة وذكر شبهاتهم في الطعن في النبوة ، وأجاب عنها ، ولما كان أكثر إعراض كفار مكة عن قبول الدلائل بسبب اغترارهم بالدنيا واستغراقهم في استيفاء طيباتهم وشهواتها ، وبسبب أنه كان يثقل عليهم الانقياد لمحمد والاعتراف بتقدمه عليهم ضرب لذلك مثلا وهم قوم عاد فإنهم كانوا أكمل في منافع الدنيا من قوم محمد فلما أصروا على الكفر أبادهم الله وأهلكهم ، فكان ذلك تخويفا لأهل مكة بإصرارهم على إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم لما قرر نبوته على الإنس أردفه بإثبات نبوته في الجن ، وإلى هاهنا قد تم الكلام في التوحيد وفي النبوة ، ثم ذكر عقيبهما تقرير مسألة المعاد ومن تأمل في هذا البيان الذي ذكرناه علم أن المقصود من كل القرآن تقرير التوحيد والنبوة والمعاد ، وأما القصص فالمراد من ذكرها ما يجري مجرى ضرب الأمثال في تقرير هذه الأصول .

المسألة الثانية : المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على كونه تعالى قادرا على البعث ، والدليل عليه أنه تعالى أقام الدلائل في أول هذه السورة على أنه { هو الذي خلق السموات والأرض } ولا شك أن خلقها أعظم وأفخم من إعادة هذا الشخص حيا بعد أن صار ميتا ، والقادر على الأقوى الأكمل لا بد وأن يكون قادرا على الأقل والأضعف ، ثم ختم الآية بقوله { إنه على كل شيء قدير } والمقصود منه أن تعلق الروح بالجسد أمر ممكن إذ لو لم يكن ممكنا في نفسه لما وقع أولا ، والله تعالى قادر على كل الممكنات ، فوجب كونه قادرا على تلك الإعادة ، وهذه الدلائل يقينية ظاهرة .

المسألة الثالثة : في قوله تعالى : { بقادر } إدخاله الباء على خبر إن ، وإنما جاز ذلك لدخول حرف النفي على أن وما يتعلق بها ، فكأنه قيل أليس الله بقادر ، قال الزجاج لو قلت ما ظننت أن زيدا بقائم جاز ، ولا يجوز ظننت أن زيدا بقائم ، والله أعلم .

المسألة الرابعة : يقال عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه ومنه { أفعيينا بالخلق الأول } .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (33)

21

( أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى ? بلى . إنه على كل شيء قدير ) . .

وهي لفتة إلى كتاب الكون المنظور ، الذي ورد ذكره في أول السورة . وكثيرا ما يتضمن السياق القرآني مثل هذا التناسق بين قول مباشر في السورة ، وقول مثله يجيء في قصة ، فيتم التطابق بين مصدرين على الحقيقة الواحدة .

وكتاب الكون يشهد بالقدرة المبدعة ابتداء لهذا الخلق الهائل : السماوات والأرض . ويوحي للحس البشري بيسر الإحياء بعد الموت . وهذا الإحياء هو المقصود . وصياغة القضية في أسلوب الاستفهام والجواب أقوى

وآكد في تقرير هذه الحقيقة . ثم يجيء التعقيب الشامل : ( إنه على كل شيء قدير ) . . فتضم الإحياء وغيره في نطاق هذه القدرة الشاملة لكل شيء كان أو يكون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (33)

{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } الهمزة للإنكار والواو على أحد القولين عطف على مقدر دخله الاستفهام يستدعيه المقام . والرئية قلبية أي ألم يتفكروا ولم يعلموا { أَنَّ الله خَلَقَ السموات والارض وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ } أي لم يتعب بذلك أصلا من عيى كفعل بكسر العين ، ويجوز فيه الادعام بمعنى تعب كأعيا ، وقال الكسائي : أعييت من التعب وعييت من انقطاع الحيلة والعجز والتحير في الأمر ؛ وأنشدوا :

عيوا بأمرهم كما *** عيت ببيضتها الحمامة

أي لم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه ، واختار بعضهم عدم الفرق ، وقرأ الحسن { وَلَمْ يَعْىَ } بكسر العين وسكون الياء ، ووجهه أنه في الماضي فتح عين الكلمة كما قالوا في بقي بقي بفتح القاف وألف بعدها وهي لغة طيء ، ولما بنى الماضي على فعل مفتوح العين بني مضارعه على يفعل مكسورها فجاء يعيي فلما دخل الجازم حذف الياء فبقي يعي بنقل حركة الياء إلى العين فسكنت الياء ، وقوله تعالى :

{ بِقَادِرٍ } في حيز الرفع لأنه خبر أن والباء زائدة فيه ، وحسن زيادتها كون ما قبلها في حيز النفي ، وقد أجاز الزجاج ما ظننت أن أحداً بقائم قياساً على هذا ، قال أبو حيان : والصحيح قصر ذلك على السماع فكأنه قيل هنا : أو ليس الله بقادر { على أَن يُحْيِىَ الموتى } ولذلك أجيب عنه بقوله تعالى : { بلى إِنَّهُ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } تقريراً للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود ، ولذا قيل : إن هذا مشير إلى كبرى لصغرى سهلة الحصول فكأنه قيل : إحياء الموتى شيء وكل شيء مقدور له فينتج إن أحياء الموتء مقدور له ، ويلزمه أنه تعالى : { قَادِرٌ على أَن يُحْيِىَ الموتى } .

وقرأ الجحدري . وزيد بن علي . وعمرو بن عبيد . وعيسى . والأعرج بخلاف عنه ويعقوب { يُقَدّرُ } بدل { بِقَادِرٍ } بصيغة المضارع الدال على الاستمرار وهذه القراءة على ما قيل موافقة أيضاً للرسم العثماني .