قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } .
وقد بينا أن السورة للإرشاد بعد إرشاد فبعد الإرشاد إلى ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع الله تعالى ومع النبي صلى الله عليه وسلم ومع من يخالفهما ويعصيهما وهو الفاسق ، بين ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن ، وقد ذكرنا أن المؤمن إما أن يكون حاضرا وإما أن يكون غائبا ، فإن كان حاضرا فلا ينبغي أن يسخر منه ولا يلتفت إليه بما ينافي التعظيم ، وفي الآية إشارة إلى أمور ثلاثة مرتبة بعضها دون بعض وهي السخرية واللمز والنبز ، فالسخرية هي أن لا ينظر الإنسان إلى أخيه بعين الإجلال ولا يلتفت إليه ويسقطه عن درجته ، وحينئذ لا يذكر ما فيه من المعايب ، وهذا كما قال بعض الناس تراهم إذا ذكر عندهم عدوهم يقولون هو دون أن يذكر ، وأقل من أن يلتفت إليه ، فقال لا تحقروا إخوانكم ولا تستصغروهم ( الثاني ) هو اللمز وهو ذكر ما في الرجل من العيب في غيبته وهذا دون الأول ، لأن في الأول لم يلتفت إليه ولم يرض بأن يذكره أحد وإنما جعله مثل المسخرة الذي لا يغضب له ولا عليه ( الثالث ) هو النبز وهو دون الثاني ، لأن في هذه المرتبة يضيف إليه وصفا ثابتا فيه يوجب بغضه وحط منزلته ، وأما النبز فهو مجرد التسمية وإن لم يكن فيه وذلك لأن اللقب الحسن والاسم المستحسن إذا وضع لواحد وعلق عليه لا يكون معناه موجودا فإن من يسمى سعدا وسعيدا قد لا يكون كذلك ، وكذا من لقب إمام الدين وحسام الدين لا يفهم منه أنه كذلك وإنما هو علامة وزينة ، وكذلك النبز بالمروان ومروان الحمار لم يكن كذلك وإنما كان ذلك سمة ونسبة ، ولا يكون اللفظ مرادا إذا لم يرد به الوصف كما أن الأعلام كذلك ، فإنك إذا قلت لمن سمي بعبد الله أنت عبد الله فلا تعبد غيره ، وتريد به وصفه لا تكون قد أتيت باسم علمه إشارة ، فقال لا تتكبروا فتستحقروا إخوانكم وتستصغروهم بحيث لا تلتفتوا إليهم أصلا وإذا نزلتم عن هذا من النعم إليهم فلا تعيبوا هم طالبين حط درجتهم والغض عن منزلتهم ، وإذا تركتم النظر في معايبهم ووصفهم بما يعيبهم فلا تسموهم بما يكرهونه ولا تهولوا هذا ليس بعيب يذكر فيه إنما هو اسم يتلفظ به من غير قصد إلى بيان صفة وذكر في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله { لا يسخر قوم من قوم } القوم اسم يقع على جمع من الرجال ولا يقع على النساء ولا على الأطفال لأنه جمع قائم كصوم جمع صائم ، والقائم بالأمور هم الرجال فعلى هذا الأقوام الرجال لا النساء ( فائدة ) وهي أن عدم الالتفات والاستحقار إنما يصدر في أكثر الأمر من الرجال بالنسة إلى الرجال ، لأن المرأة في نفسها ضعيفة ، فإذا لم يلتفت الرجال إليها لا يكون لها أمر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «النساء لحم على وضم إلا ما رددت عنه » وأما المرأة فلا يوجد منها استحقار الرجل وعدم التفاتها إليه لاضطرارها في دفع حوائجها إليه ، وأما الرجال بالنسبة إلى الرجال والنساء بالنسبة إلى النساء فيوجد فيهم هذا النوع من القبح وهذا أشهر .
المسألة الثانية : قال في الدرجة العالية التي هي نهاية المنكر { عسى أن يكونوا خيرا منهم } كسرا له وبغضا لنكره ، وقال في المرتبة الثانية { لا تلمزوا أنفسكم } جعلهم كأنفسهم لما نزلوا درجة رفعهم الله درجة وفي الأول جعل المسخور منه خيرا ، وفي الثاني جعل المسخور منه مثلا ، وفي قوله { عسى أن يكونوا خيرا منهم } حكمة وهي أنه وجد منهم النكر الذي هو مفض إلى الإهمال وجعل نفسه خيرا منهم كما فعل إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم وقال : { أنا خير منه } فصار هو خيرا ، ويمكن أن يقال المراد من قوله { أن يكونوا } يصيروا فإن من استحقر إنسانا لفقره أو وحدته أو ضعفه لا يأمن أن يفتقر هو ويستغني الفقير ، ويضعف هو ويقوى الضعيف .
المسألة الثالثة : قال تعالى : { قوم من قوم } ولم يقل نفس من نفس ، وذلك لأن هذا فيه إشارة إلى منع التكبر والمتكبر في أكثر الأمر يرى جبروته على رؤوس الأشهاد ، وإذا اجتمع في الخلوات مع من لا يلتفت إليه في الجامع يجعل نفسه متواضعا ، فذكرهم بلفظ القوم منعا لهم عما يفعلونه .
المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم } فيه وجهان ( أحدهما ) أن عيب الأخ عائد إلى الأخ فإذا عاب عائب نفسا فكأنما عاب نفسه ( وثانيهما ) هو أنه إذا عابه وهو لا يخلو من عيب يحاربه المعيب فيعيبه فيكون هو بعيبه حاملا للغير على عيبه وكأنه هو العائب نفسه وعلى هذا يحمل قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } أي إنكم إذا قتلتم نفسا قتلتم فتكونوا كأنكم قتلتم أنفسكم ويحتمل وجها آخر ثالثا وهو أن تقول لا تعيبوا أنفسكم أي كل واحد منكم فإنكم إن فعلتم فقد عبتم أنفسكم ، أي كل واحد عاب كل واحد فصرتم عائبين من وجه معيبين من وجه ، وهذا الوجه هاهنا ظاهر ولا كذلك في قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } .
المسألة الخامسة : إن قيل قد ذكرتم أن هذا إرشاد للمؤمنين إلى ما يجب أن يفعله المؤمن عند حضوره بعد الإشارة إلى ما يفعله في غيبته ، لكن قوله تعالى : { ولا تلمزوا } قيل فيه بأنه العيب خلف الإنسان والهمز هو العيب في وجه الإنسان ، نقول ليس كذلك بل العكس أولى ، وذلك لأنا إذا نظرنا إلى قلب الحروف دللن على العكس ، لأن لمز قلبه لزم وهمز قلبه هزم ، ( والأول ) يدل على القرب ، ( والثاني ) على البعد ، فإن قيل اللمز هو الطعن والعيب في الوجه كان أولى مع أن كل واحد قيل بمعنى واحد .
المسألة السادسة : قال تعالى : { ولا تنابزوا } ولم يقل لا تنبزوا ، وذلك لأن اللماز إذا لمز فالملموز قد لا يجد فيه في الحال عيبا يلمزه به ، وإنما يبحث ويتبعه ليطلع منه على عيب فيوجد اللمز من جانب ، وأما النبز فلا يعجز كل واحد عن الإتيان به ، فإن من نبز غيره بالحمار وهو ينبزه بالثور وغيره ، فالظاهر أن النبز يفضي في الحال إلى التنابز ولا كذلك اللمز .
وقوله تعالى : { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } .
قيل فيه إن المراد { بئس } أن يقول للمسلم يا يهودي بعد الإيمان أي بعد ما آمن فبئس تسميته بالكافر ، ويحتمل وجها أحسن من هذا : وهو أن يقال هذا تمام للزجر ، كأنه تعالى قال : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ولا تلمزوا ولا تنابزوا فإنه إن فعل يفسق بعد ما آمن ، والمؤمن يقبح منه أن يأتي بعد إيمانه بفسوق فيكون قوله تعالى : { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ويصير التقدير بئس الفسوق بعد الإيمان ، وبئس أن تسموا بالفاسق بسبب هذه الأفعال بعد ما سميتموهم مؤمنين .
قال تعالى : { ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } وهذا يحتمل وجهين ( أحدهما ) أن يقال هذه الأشياء من الصغائر فمن يصر عليه يصير ظالما فاسقا وبالمرة الواحدة لا يتصف بالظلم والفسق فقال ومن لم يترك ذلك ويجعله عادة فهو ظالم ( وثانيهما ) أن يقال قوله تعالى : { لا يسخر قوم } { ولا تلمزوا } { ولا تنابزوا } منع لهم عن ذلك في المستقبل ، وقوله تعالى : { ومن لم يتب } أمرهم بالتوبة عما مضى وإظهار الندم عليها مبالغة في التحذير وتشديدا في الزجر ، والأصل في قوله تعالى : { ولا تنابزوا } لا تتنابزوا أسقطت إحدى التاءين ، كما أسقط في الاستفهام إحدى الهمزتين فقال : { سواء عليهم أأنذرتهم } والحذف هاهنا أولى لأن تاء الخطاب وتاء الفاعل حرفان من جنس واحد في كلمة وهمزة الاستفهام كلمة برأسها وهمزة أنذرتهم أخرى واحتمال حرفين في كلمتين أسهل من احتماله في كلمة ، ولهذا وجب الإدغام في قولنا : مد ، ولم يجب في قولنا امدد ، و في قولنا : مر ، دون قوله : أمر ربنا .
( يا أيها الذين آمنوا ، لا يسخر قوم من قوم ، عسى أن يكونوا خيرا منهم ؛ ولا نساء من نساء ، عسى أن يكن خيرا منهن . ولا تلمزوا أنفسكم ، ولا تنابزوا بالألقاب . بئس الاسم : الفسوق بعد الإيمان . ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) . .
إن المجتمع الفاضل الذي يقيمه الإسلام بهدى القرآن مجتمع له أدب رفيع ، ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس . وهي من كرامة المجموع . ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس ، لأن الجماعة كلها وحدة ، كرامتها واحدة .
والقرآن في هذه الآية يهتف للمؤمنين بذلك النداء الحبيب : يا أيها الذين آمنوا . وينهاهم أن يسخر قوم بقوم ، أي رجال برجال ، فلعلهم خير منهم عند الله ، أو أن يسخر نساء من نساء فلعلهن خير منهن في ميزان الله .
وفي التعبير إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة التي يراها الرجال في أنفسهم ويراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية ، التي يوزن بها الناس . فهناك قيم أخرى ، قد تكون خافية عليهم ، يعلمها الله ، ويزن بها العباد . وقد يسخر الرجل الغني من الرجل الفقير . والرجل القوي من الرجل الضعيف ، والرجل السوي من الرجل المؤوف . وقد يسخر الذكي الماهر من الساذج الخام . وقد يسخر ذو الأولاد من العقيم . وذو العصبية من اليتيم . . . وقد تسخر الجميلة من القبيحة ، والشابة من العجوز ، والمعتدلة من المشوهة ، والغنية من الفقيرة . . ولكن هذه وأمثالها من قيم الأرض ليست هي المقياس ، فميزان الله يرفع ويخفض بغير هذه الموازين !
ولكن القرآن لا يكتفي بهذا الإيحاء ، بل يستجيش عاطفة الأخوة الإيمانية ، ويذكر الذين آمنوا بأنهم نفس واحدة من يلمزها فقد لمزها : ( ولا تلمزوا أنفسكم ) . . واللمز : العيب . ولكن للفظة جرسا وظلا ؛ فكأنما هي وخزة حسية لا عيبة معنوية !
ومن السخرية واللمز التنابز بالألقاب التي يكرهها أصحابها ، ويحسون فيها سخرية وعيبا . ومن حق المؤمن على المؤمن ألا يناديه بلقب يكرهه ويزري به . ومن أدب المؤمن ألا يؤذي أخاه بمثل هذا . وقد غير رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أسماء وألقابا كانت في الجاهلية لأصحابها ، أحس فيها بحسه المرهف ، وقلبه الكريم ، بما يزري بأصحابها ، أو يصفهم بوصف ذميم .
والآية بعد الإيحاء بالقيم الحقيقية في ميزان الله ، وبعد استجاشة شعور الأخوة ، بل شعور الاندماج في نفس واحدة ، تستثير معنى الإيمان ، وتحذر المؤمنين من فقدان هذا الوصف الكريم ، والفسوق عنه والانحراف بالسخرية واللمز والتنابز : ( بئس الاسم : الفسوق بعد الإيمان ) . فهو شيء يشبه الارتداد عن الإيمان ! وتهدد باعتبار هذا ظلما ، والظلم أحد التعبيرات عن الشرك : ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) . . وبذلك تضع قواعد الأدب النفسي لذلك المجتمع الفاضل الكريم .
{ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ } أي منكم { مِن قَوْمٍ } آخرين منكم أيضاً ، فالتنكير في الموضعين للتبعيض ، والسخر الهزؤ كما في «القاموس » ، وفي «الزواجر » النظر إلى المسخور منه بعين النقص ، وقال القرطبي : السخرية الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص بوجه يضحك منه وقد تكون بالمحاكاة بالفعل والقول أو الإشارة أو الإيماء أو الضحك على كلام المسخور منه إذا تخبط فيه أو غلط أو على صنعته أو قبح صورته ، وقال بعض : هو ذكر الشخص بما يكره على وجه مضحك بحضرته ، واختير أنه احتقاره قولاً أو فعلاً بحضرته على الوجه المذكور ، وعليه ما قيل المعنى : لا يحتقر بعض المؤمنين بعضاً . والآية على ما روي عن مقاتل نزلت في قوم من بني تميم سخروا من بلال . وسلمان . وعمار . وخباب . وصهيب . وابن نهيرة . وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله تعالى عنهم ، ولا يضر فيه اشتمالها على نهي النساء عن السخرية كما لا يضر اشتمالها على نهي الرجال عنها فيما روي أن عائشة وحفصة رأتا أم سلمة ربطت حقويها بثوب أبيض وسدلت طرفه خلفها فقالت عائشة لحفصة تشير إلى ما تجر خلفها : كأنه لسان كلب فنزلت ، وما روي عن عائشة أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت قصيرة فنزلت ، وقيل : نزلت بسبب عكرمة بن أبي جهل كان يمشي بالمدينة فقال له قوم : هذا ابن فرعون هذه الأمة فعز ذلك عليه وشكاهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ، وقيل غير ذلك ؛ وقوله عز وجل : { عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ } تعليل للنهي أو لموجبه أي عسى أن يكون المسخور منهم خيراً عند الله تعالى من الساخرين فرب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله تعالى لأبره ، وجوز أن يكون المعنى لا يحتقر بعض بعضاً عسى أن يصير المحتقر اسم مفعول عزيز أو يصير المحتقر ذليلاً فينتقم منه ، فهو نظير قوله :
لا تهين الفقير علك أن *** تركع يوماً والدهر قد رفعه
والقوم جماعة الرجال ولذلك قال سبحانه : { وَلاَ نِسَاء } أي ولا يسخر نساء من المؤمنات { مّن نّسَاء } منهن { عسى أَن يَكُنَّ } أي المسخورات { خَيْراً مّنْهُنَّ } أي من الساخرات ، وعلى هذا جاء قول زهير :
وما أدري وسوف أخال أدري *** أقوم آل حصن أم نساء
وهو إما مصدر كما في قول بعض العرب : إذا أكلت طعاماً أحببت نوماً وأبغضت قوماً أي قياماً نعت به فشاع في جماعة الرجال ، وأما اسم جمع لقائم كصوم لصائم وزور لزائر ، وأطلق عليه بعضهم الجمع مريداً به المعنى اللغوي وإلا ففعل ليس من أبنية الجموع لغلبته في المفردات ، ووجه الاختصاص بالرجال أن القيام بالأمور وظيفتهم كما قال تعالى : { الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء } [ النساء : 34 ] وقد يراد به الرجال والنساء تغليباً كما قيل في قوم عاد وقوم فرعون أن المراد بهم الذكور والإناث ؛ وقيل : المراد بهم الذكور أيضاً ودل عليهن بالالتزام العادي لعدم الانفكاك عادة ، والنساء على ما قال الراغب وغيره وكذا النسوان والنسوة جمع المرأة من غير لفظها ، وجيء بما يدل على الجمع في الموضعين دون المفرد كأن يقال : لا يسخر رجل من رجل ولا امرأة من امرأة مع أنه الأصل الأشمل الأعم قيل جرياً على الأغلب من وقوع السخرية في مجامع الناس فكم من متلذذ بها وكم من متألم منها فجعل ذلك بمنزلة تعدد الساخر والمسخور منه ، وقيل : لأن النهي ورد على الحالة الواقعة بين الجماعة كقوله تعالى : { لا تَأْكُلُوا الربا أضعافا مضاعفة } [ آل عمران : 130 ] وعموم الحكم لعموم علته ، و { عَسَى } في نحو هذا التكريب من كل ما أسندت فيه إلى أن والفعل قيل تامة لا تحتاج إلى خبر وأن وما بعدها في محل رفع على الفاعلية ، وقيل : إنها ناقصة وسد ما بعدها مسد الجزأين وله محلان باعتبارين أو محله الرفع ، والتحكم مندفع بأنه الأصل في منصوبها بناء على أنها من نواسخ المبتدأ والخبر .
وقرأ عبد الله . وأبي { عسى أَن يَكُونُواْ } . { عسى أَن يَكُنَّ } فعسى عليها ذات خبر على المشهور من أقوال النحاة ، وفيه الأخبار عن الذات بالمصدر أو يقدر مضاف مع الاسم أو الخب ، ر وقيل : هو في مثل ذلك بمعنى قارب وأن وما معها مفعول أو قرب وهو منصوب على إسقاط الجار { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } لا يعب بعضكم بعضاً بقول أو إشارة لأن المؤمنين كنفس واحدة فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنه عاب نفسه ، فضمير { تَلْمِزُواْ } للجميع بتقدير مضاف ، و { أَنفُسَكُمْ } عبارة عن بعض آخر من جنس المخاطبين وهم المؤمنين جعل ما هو من جنسهم بمنزلة أنفسهم وأطلق الأنفس على الجنس استعارة كما في قوله تعالى : { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } [ التوبة : 128 ] وقوله سبحانه : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } [ النساء : 29 ] وهذا غير النهي السابق وإن كان كل منهما مخصوصاً بالمؤمنين بناء على أن السخرية احتقار الشخص مطلقاً على وجه مضحك بحضرته ، واللمز التنبيه على معايبه سواء كان على مضحك أم لا ؟ وسواء كان بحضرته أم لا كما قيل في تفيسره ، وجعل عطفه عليه من قبيل عطف العام على الخاص لإفادة الشمول كشارب الخمر وكل فاسق مذموم ، ولا يتم إلا إذا كان التنبيه المذكور احتقاراً ، ومنهم يقول ؛ السخرية الاحتقار واللمز التنبيه على المعايب أو تتبعها والعطف من قبيل عطف العلة على المعلول وقيل : اللمز مخصوص بما كان من السخرية على وجه الخفية كالإشارة فهو من قبيل عطف الخاص على العام لجعل الخاص كجنس آخر مبالغة ، واختار الزمخشري أن المعنى وخصوا أنفسكم أيها المؤمنون بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم ، ففي الحديث " اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس " وتعقب بأنه لا دليل على الاختصاص .
/ وقال الطيبي : هو من دليل الخطاب لكن إن في هذا الوجه تعسفاً والوجه الآخر يعني ما تقدم أوجه لموافقته { لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ } و { إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 10 ] و { وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } [ الحجرات : 12 ] وفي «الكشف » أخذ الاختصاص من العدول عن الأصل وهو لا يلمز بعضكم بعضاً كأنه قيل : ولا تلمزوا من هو على صفتكم من الايمان والطاعة فيكون من باب ترتب الحكم على الوصف ، وتعقب قول الطيبي بأن الكلام عليه يفيد العلية والاختصاص معاً فيوافق ما سبق ويؤذن بالفرق بين السخرية واللمز وهو مطلوب في نفسه وكأنه قيل : لا تلمزوا المؤمنين لأنهم أنفسكم ولا تعسف فيه بوجه إلى آخر ما قال فليتأمل ، والانصاف أن المتبادر ما تقدم ، وقيل : المعنى لا تفعلوا ما تلمزون به فإن فعل من فعل ما يستحق به اللمز فقد لمز نفسه فأنفسكم على ظاهره والتجوز في { تَلْمِزُواْ } أطلق فيه المسبب على السبب والمراد لا ترتكبوا أمراً تعابون به ، وهو بعيد عن السياق وغير مناسب لقوله تعالى : { وَلاَ تَنَابَزُواْ } وكونه من التجوز في الإسناد إذا أسند فيه ما للمسبب إلى السبب تكلف ظاهر ، وكذا كونه كالتعليل للنهي السابق لا يدفع كونه مخالفاً للظاهر ، وكذا كون المراد به لا تتسببوا إلى الطعن فيكم بالطعن على غيركم كما في الحديث { مِنْ } وفسر بأنه إن شتم والدي غيره شتم الغير والديه أيضاً .
وقرأ الحسن . والأعرج ، وعبيد عن أبي عمرو { لا تَلْمِزُواْ } بضم الميم { وَلاَ تَنَابَزُواْ بالالقاب } أي لا يدع بعضكم بعضاً باللقب ، قال في «القاموس » : التنابز التعاير والتداعي بالألقاب ويقال نبزه ينبزه نبزاً بالفتح والسكون لقبه كنبزه والنبز بالتحريك وكذا النزب اللقب وخص عرفاً بما يكرهه الشخص من الألقاب .
وعن الرضي أن لفظ اللقب في القديم كان في الذم أشهر منه في المدح ، والنبز في الذم خاصة ، وظاهر تفسير التنابز بالتداعي بالألقاب اعتبار التجريد في الآية لئلا يستدرك ذكر الألقاب ، ومن الغريب ما قيل . التنابز الترامي أي لا تتراموا بالألقاب ويراد به ما تقدم ، والمنهي عنه هو التلقيب بما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصيراً به وذماً له وشيناً .
قال النووي : اتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره سواء كان صفة له أو لأبيه أو لأمه أو غيرهما فقد روى أن الآية نزلت في ثابت بن قيس وكان به وقر فكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع فأتى يوماً وهو يقول : تفسحوا حتى انتهى إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال لرجل : تنح فلم يفعل فقال : من هذا ؟ فقال الرجل : أنا فلان فقال : بل أنت ابن فلانة يريد أما كان يعير بها في الجاهلية فخجل الرجل فنزلت فقال ثابت : لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبداً .
وأخرج البخاري . وأبو داود . والترمذي . والنسائي . وابن ماجه . وجماعة عن ابن جبيرة بن الضحاك قال : فينا نزلت في بني سلمة { وَلاَ تَنَابَزُواْ بالالقاب } قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فكان إذا دعا أحداً منهم باسم من تلك الأسماء قالوا : يا رسول الله إنه يكرهه فنزلت { وَلاَ تَنَابَزُواْ بالالقاب } وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال : التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيآت ثم تاب منها وراجع الحق فنهى الله تعالى أن يعير بما سلف من عمله ، وعن ابن مسعود هو أن يقال لليهودي أو النصراني أو المجوسي إذا أسلم يا يهودي أو يا نصراني أو يا مجوسي ، وعن الحسن نحوه ، ولعل مأخذه ما روى أنها نزلت في صفية بنت حيي أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين فقال لها : هلا قلت : إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد صلى الله عليه وسلم .
وأنت تعلم أن النهي عما ذكر داخل في عموم { لا * تَنَابَزُواْ بالالقاب } على ما سمعت فلا يختص التنابز بقول يا يهودي ويافاسق ونحوهما ، ومعنى قوله تعالى : { بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الايمان } بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب التنابز أن يذكروا بالفسق بعد اتصافهم بالايمان ، وهو ذم على اجتماع الفسق وهو ارتكاب التنابز والايمان على معنى لا ينبغي أن يجتمعا فإن الايمان يأبى الفسق كقولهم : بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة يريدون استقباح الجمع بين الصبوة وما يكون في حال الشباب من الميل إلى الجهل وكبر السن .
و { الاسم } هنا بمعنى الذكر من قولهم : طار اسمه في الناس بالكرم أو اللؤم فلا تأبى هذه الآية حمل ما تقدم على النهي عن التنابز مطلقاً ، وفيها تسميته فسوقاً ، وقيل : { بَعْدَ الايمان } أي بدله كما في قولك للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة : بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة ، وفيه تغليظ يجعل التنابز فسقاً مخرجاً عن الايمان ، وهذا خلاف الظاهر . وذكر الزمخشري له مبنى على مذهبه من أن مرتكب الكبيرة فاسق غير مؤمن حقيقة ، وقيل : معنى النهي السابق لا ينسبن أحدكم غيره إلى فسق كان فيه بعد اتصافه بضده ، ومعنى هذا بئس تشهير الناس وذكرهم بفسق كانوا فيه بعدما اتصفوا بضده ، فيكون الكلام نهياً عن أن يقال ليهودي أسلم يا يهودي أو نحو ذلك ، والأول أظهر لفظاً وسياقاً ومبالغة ، والجملة على كل متعلقة بالنهي عن التنابز على ما هو الظاهر ، وقيل : هي على الوجه السابق متعلقة بقوله تعالى : { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } أو بجميع ما تقدم من النهي ، وعلى هذا اقتصر ابن حجر في «الزواجر » .
ويستثنى من النهي الأخير دعاء الرجل الرجل بلقب قبيح في نفسه لا على قصد الاستخفاف به والإيذاء له كما إذا دعت له الضرورة لتوقف معرفته كقول المحدثين : سليمان الأعمش وواصل الأحدب ، وما نقل عن ابن مسعود أنه قال لعلقمة : تقول أنت ذلك يا أعور ظاهر في أن الاستثناء لا يتوقف على دعاء الضرورة ضرورة أنه لا ضرورة في حال مخاطبته علقمة لقوله يا أعور ، ولعل الشهرة مع عدم التأذي وعدم قصد الاستخفاف كافية في الجواز ، ويقال ما كان من ابن مسعود من ذلك ، والأولى أن يقال في الرواية عمن اشتهر بذلك كسليمان المتقدم روى عن سلميان الذي يقال له الأعمش ، هذا وغوير بين صيغتي { تَلْمِزُواْ } لأن الملموز قد لا يقدر في الحال على عيب يلمز به لامزه فحيتاج إلى تتبع أحواله حتى يظفر ببعض عيوبه بخلاف النبز فإن من لقب بما يكره قادر على تلقيب الآخر بنظير ذلك حالاً فوقع التفاعل كذا في «الزواجر » ، وقيل : قيل { وَلاَ تَنَابَزُواْ } لأن النهي ورد على الحالة الواقعة بين القوم ، ويعلم من الآية أن التلقيب ليس محرماً على الإطلاق بل المحرم ما كان بلقب السوء ، وقد صرحوا بأن التلقيب بالألقاب الحسنة مما لا خلاف في جوازه ، وقد لقب أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالعتيق لقوله عليه الصلاة والسلام له : " أنت عتيق الله من النار " وعمر رضي الله تعالى عنه بالفاروق لظهور الإسلام يوم إسلامه ، وحمزة رضي الله تعالى عنه بأسد الله لما أن إسلامه كان حمية فاعتز الإسلام به ، وخالد بسيف الله لقوله صلى الله عليه وسلم : " نعم عبد الله خالد بن الوليد سيف من سيوف الله " إلى غير ذلك من الألقاب الحسنة ، وألقاب علي كرم الله تعالى وجهه أشهر من أن تذكر ، وما زالت الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير ، ولا فرق بين اللقب والكنية في أن الدعاء بالقبيح المكروه منها حرام ، وربما يشعر به قول الراغب : اللقب اسم يسمى به الإنسان سوى اسمه الأول ويراعى فيه المعنى بخلاف العلم ، ولذلك قال الشاعر :
وقلما أبصرت عيناك ذا لقب *** إلا ومعناه إن فتشت في لقبه
بدخولها في مفهومه لكن الشائع غير ذلك ، وفي الحديث { وَلاَ أولادكم } قال عطاء : مخافة الألقاب وقال عمر رضي الله تعالى عنه : أشيعوا الكنى فإنها سنة ، ولنا في الكنى كلام نفيس ذكرناه في الطراز المذهب فمن أراده فليرجع إليه { وَمَن لَّمْ يَتُبْ } عما نهى عنه من التنابز أو من الأمور الثلاثة السابقة أو مطلقاً ويدخل ما ذكر { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب ، والأفراد أولاً والجمع ثانياً مراعاة للفظ ومراعاة للمعنى .
ومن باب الإشارة : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ } [ الحجرات : 11 ] يشير إلى ترك الإعجاب بالنفس والنظر إلى أحد بعين الاحتقار فإن الظاهر لا يعبأ به والباطن لا يطلع عليه فرب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله تعالى لأبره