مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ} (100)

قوله تعالى : { أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين }

اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم من الآيات حال الكفار الذين أهلكهم الله بالاستئصال مجملا ومفصلا أتبعه ببيان أن الغرض من ذكر هذه القصص حصول العبرة لجميع المكلفين في مصالح أديانهم وطاعاتهم ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اختلف القراء فقرأ بعضهم { أولم يهد } بالياء المعجمة من تحتها ، وبعضهم بالنون ، قال الزجاج : إذا قرئ بالياء المعجمة من تحت كان قوله : { أن لو نشاء } مرفوعا بأنه فاعله بمعنى أو لم يهد للذين يخلفون أولئك المتقدمين ويرثون أرضهم وديارهم ، وهذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين ، إذا قرئ بالنون فهو منصوب ، كأنه قيل أولم نهد للوارثين هذا الشأن بمعنى أو لم نبين لهم أن قريشا أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم ؟

المسألة الثانية : المعنى أو لم نبين للذين نبعثهم في الأرض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها فنهلكهم بعدهم ؟ وهو معنى لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ، أي عقاب ذنوبهم ، وقوله : { ونطبع على قلوبهم } أي إن لم نهلكهم بالعقاب نطبع على قلوبهم { فهم لا يسمعون } أي لا يقبلون ، ولا يتعظون ، ولا ينزجرون وإنما قلنا : إن المراد إما الإهلاك وإما الطبع على القلب ، لأن الإهلاك لا يجتمع مع الطبع على القلب ، فإنه إذا أهلكه يستحيل أن يطبع على قلبه .

المسألة الثالثة : استدل أصحابنا على أنه تعالى قد يمنع العبد عن الإيمان بقوله : { ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون } والطبع والختم والرين والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد على ما قررناه في آيات كثيرة . قال الجبائي : المراد من هذا الطبع أنه تعالى يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن أصحابها لا يؤمنون ، وتلك العلامة غير مانعة من الإيمان . وقال الكعبي : إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله تعالى : { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } .

واعلم أن البحث عن حقيقة الطبع والختم قد مر مرارا كثيرة فلا فائدة في الإعادة .

المسألة الرابعة : قوله : { ونطبع } هل هو منقطع عما قبله أو معطوف على ما قبله . فيه قولان :

القول الأول : أنه منقطع عن الذي قبله ، لأن قوله : { أصبنا } ماض وقوله : { ونطبع } مستقبل وهذا العطف ليس بمستحسن ، بل هو منقطع عما قبله ، والتقدير : ونحن نطبع على قلوبهم .

والقول الثاني : أنه معطوف على ما قبله قال صاحب «الكشاف » : هو معطوف على ما دل عليه معنى { أو لم يهد } كأنه قيل يغفلون عن الهداية ، ونطبع على قلوبهم أو معطوف على قوله : { يرثون الأرض } ثم قال : ولا يجوز أن يكون معطوفا على { أصبناهم } لأنهم كانوا كفارا وكل كافر فهو مطبوع على قلبه ، فقوله بعد ذلك : { ونطبع على قلوبهم } يجري مجرى تحصيل الحاصل وهو محال ، هذا تقرير قول صاحب «الكشاف » على أقوى الوجوه وهو ضعيف ، لأن كونه مطبوعا عليه إنما يحصل حال استمراره وثباته عليه ، فهو يكفر أولا ، ثم يصير مطبوعا عليه في الكفر ، فلم يكن هذا منافيا لصحة العطف .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ} (100)

94

( أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ، ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ) . .

إن سنة الله لا تتخلف ؛ ومشيئة الله لا تتوقف . فما الذي يؤمنهم أن يأخذهم الله بذنوبهم كما أخذ من قبلهم ؟

وأن يطبع على قلوبهم فلا يهتدوا بعد ذلك ، بل لا يستمعوا إلى دلائل الهدى ، ثم ينالهم جزاء الضلال في الدنيا والآخرة . . ألا إن مصارع الخالين قبلهم ، ووراثتهم لهم ، وسنة الله الجارية . . كل أولئك كان نذيراً لهم أن يتقوا ويحذروا ؛ وأن يطرحوا عنهم الأمن الكاذب ، والاستهتار السادر ، والغفلة المردية ، وأن يعتبروا بما كان في الذين خلوا من قبلهم . عسى ألا يكون فيهم . لو كانوا يسمعون !

وما يريد الله للناس بهذا التحذير في القرآن أن يعيشوا مفزعين قلقين ؛ يرتجفون من الهلاك والدمار أن يأخذهم في لحظة من ليل أو نهار . فالفزع الدائم من المجهول ، والقلق الدائم من المستقبل ، وتوقع الدمار في كل لحظة . . قد تشل طاقة البشر وتشتتها ؛ وقد تنتهي بهم إلى اليأس من العمل والنتاج وتنمية الحياة وعمارة الأرض . . إنما يريد الله منهم اليقظة والحساسية والتقوى ، ومراقبة النفس ، والعظة بتجارب البشر ، ورؤية محركات التاريخ الإنساني ، وإدامة الاتصال بالله ، وعدم الاغترار بطراءة العيش ورخاء الحياة .

والله يعد الناس الأمن والطمأنينة والرضوان والفلاح في الدنيا والآخرة ، إذا هم أرهفوا حساسيتهم به ، وإذا هم أخلصوا العبودية له ؛ وإذا هم اتقوه فاتقوا كل ما يلوث الحياة . فهو يدعوهم إلى الأمن في جوار الله لا في جوار النعيم المادي المغري . وإلى الثقة بقوة الله لا بقوتهم المادية الزائلة . وإلى الركون إلى ما عند الله لا إلى ما يملكون من عرض الحياة .

ولقد سلف من المؤمنين بالله المتقين لله سلف ما كان يأمن مكر الله . وما كان يركن إلى سواه . وكان بهذا وذاك عامر القلب بالإيمان ، مطمئناً بذكر الله ، قوياً على الشيطان وعلى هواه ، مصلحاً في الأرض بهدى الله ، لا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه .

وهكذا ينبغي أن نفهم ذلك التخويف الدائم من بأس الله الذي لا يدفع ، ومن مكر الله الذي لا يدرك . لندرك أنه لا يدعو إلى القلق إنما يدعو إلى اليقظة ، ولا يؤدي إلى الفزع إنما يؤدي إلى الحساسية ، ولا يعطل الحياة إنما يحرسها من الاستهتار والطغيان .

والمنهج القرآني - مع ذلك - إنما يعالج أطوار النفوس والقلوب المتقلبة ، وأطوار الأمم والجماعات المتنوعة ، ويطب لكل منها بالطب المناسب في الوقت الملائم . فيعطيها جرعة من الأمن والثقة والطمأنينة إلى جوار الله ، حين تخشى قوى الأرض وملابسات الحياة . ويعطيها جرعة من الخوف والحذر والترقب لبأس الله ، حين تركن إلى قوى الأرض ومغريات الحياة . وربك أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ} (100)

{ أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الارض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا } أي يخلفون من خلا قبلهم من الأمم ، والمراد بهم كما روي عن السدى المشركون وفسروا بأهل مكة ومن حولها ، وعليه لا يبعد أن يكون في الآية إقامة الظاهر مقام الضمير إذا كان المراد بأهل القرى سابقاً أهل مكة وما حولها ، وتعدية فعل الهداية باللام لأنها كما روي عن ابن عباس . ومجاهد بمعنى التبيين وهو على ما قيل : إما بطريق المجاز أو التضمين أو لتنزيله منزلة اللازم كأنه قيل : أغفلوا ولم يفعل الهداية لهم { أَن لَّوْ نَشَاء أصبناهم بِذُنُوبِهِمْ } أي بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم ، وإذا ضمن اصبنا معنى أهلكنا لا يحتاج إلى تقدير مضاف . وأن مخففة من الثقيلة وسمها ضمير شأن مقدر وخبره الجملة الشرطية والمصدر المؤول فاعل { يَهْدِ } ومفعوله على احتمال التضمين محذوف أي أو لم يتبين لهم مآل أمرهم أو نحو ذلك . وجوز أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى وأن يكون ضميراً عائداً على ما يفهم مما قبل ، أي أو لم يهد لهم ما جرى على الأمم السابقة . وقرأ عبد الرحمن السلمي . وقتادة ، وروي عن مجاهد . ويعقوب { *نهد } بالنون فالمصدر حينئذ مفعول ، ومن الناس من خص اعتبار التضمين أو المجاز بهذه القراءة واعتبار التنزيل منزلة اللازم بقراءة الياء ، وفيه بحث ، وقوله تعالى : { وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ } جملة معترضة تذييلية أي ونحن من شأننا وسنتنا أن نطبع على قلب من لم نرد منه الأيمان حتى لا يتعظ بأحوال من قبله ولا يلتفت إلى الأدلة ، ومن أراد من أهل القرى فيما تقدم أهل مكة جعله تأكيداً لما نعى عليهم من الغرة والأمن والخسران أي ونحن نطبع على قلوبهم فلذلك اقتفوا آثار من قبلهم ولم يعتبروا بالآيات وأمنوا من البيات لمستخلفيهم حذو النعل بالنعل . وجوز عطفه على مقدر دل عليه قوله تعالى : { أَوَ لَمْ يَهْدِ } وعطفه عليه أيضاً وهو وإن كان إنشاء إلا أن المقصود منه الأخبار بغفلتهم وعدم اهتدائهم أي لا يهتدون أو يغفلون عن الهداية أو عن التأمل والتفكر ونطبع الخ .

وجوز أن يكون عطفا على يرثون ، واعترض بأنه صلة والمعطوف على الصلة صلة ففيه الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي وهو { أَن لَّوْ نَشَاء } سواء كانت فاعلاً أو مفعولاً ، ونقل أبو حيان عن الأنباري أنه قال : يجوز أن يكون معطوفاً على { أصبنا } إذا كان بمعنى نصيب فوضع الماضي موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال كما في قوله تعالى : { تَبَارَكَ الذى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلك } [ الفرقان : 10 ] أي إن يشأ ، يدل عليه { وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } [ الفرقان : 10 ] فجعل لو شرطية بمعنى إن ولم يجعلها التي هي لما كان سيقع لوقوع غيره وجعل أصبنا بمعنى نصيب ، وقد يرتكب التأويل في جانب المعطوف فيؤول { نَطْبَعُ } بطبعنا ، ورد الزمخشري هذا العطف بأنه لا يساعد عليه المعنى لأن القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها وذلك يؤدي إلى خلوهم عن هذه الصفة وأن الله تعالى لو شاء لاتصفوا بها ، وتعقبه ابن المنير بأنه لا يلزم أن يكون المخاطبون موصوفين بالطبع ولا بد وهم وإن كانوا كفاراً ومقترفين للذنوب فليس الطبع من لوازم الاقتراف البتة إذ هو التمادي على الكفر والإصرار والغلو في التصميم حتى يكون الموصوف به مأيوساً من قبوله للحق ولا يلزم أن يكون كل كافر بهذه المثابة بلى إن الكافر يهدد لتماديه على الكفر بأن يطبع الله تعالى على قلبه فلا يؤمن أبدا وهو مقتضى العطف على { *أصبنا } فتكون الآية قد هددتهم بأمرين الإصابة بذنوبهم والطبع على قلوبهم والثاني أشد من الأول وهو أيضاً نوع من الإصابة بالذنوب والعقوبة عليها ولكنه أنكى أنواع العذاب وأبلغ صنوف العقاب ، وكثيراً ما يعاقب الله تعالى على الذنب بالإيقاع في ذنب أكبر منه ، وعلى الكفر بزيادة التصميم عليه والغلو فيه كما قال سبحانه :

{ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } [ التوبة : 125 ] كما زادت المؤمنين إيماناً إلى إيمانهم وهذا النوع من الثواب والعقاب مناسب لما كان سبباً فيه وجزاء عليه فثواب الإيمان إيمان وثواب الكفر كفر ، وإنما الزمخشري يحاذر من هذا الوجه دخول الطبع في مشيئة الله تعالى وذلك عنده محال لأنه بزعمه فبيح والله سبحانه عنه متعال ، وفي التقريب نحو ذلك فإنه نظر فيما ذكره الزمخشري بأن المذكور كونهم مذنبين دون الطبع وأيضاً جاز أن يراد لو شئنا زدنا في طبعهم أو لأمناه ، والحق كما قال غير واحد من المحققين أن منعه من هذا العطف ليس بناء على أنه لا يوافق رأيه فقط بل لأن النظم لا يقتضيه فإن قوله سبحانه { فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } أي سماع تفهم واعتبار يدل على أنهم مطبوع على قلوبهم لأن المراد استمرار هذه الحال لا أنه داخل في حكم المشيئة لأن عدم السماع كان حاصلاً ولو كان كذلك لوجب أن يكون منفياً ، وأيضاً التحقيق لا يناسب الغرض ، و { كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين } [ الأعراف : 101 ] ظاهر الدلالة على أن الوارثين والموروثين كل من أهل الطبع وكذا قوله سبحانه : { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } [ الأعراف : 101 ] يدل على أن حالهم منافية للإيمان وأنه لا يجىء منه البتة وأيضاً إدامة الطبع أو زيادته لا يصلح عقوبة للكافرين بل قد يكون عقوبة ذنب المؤمن كما ورد في الصحيح وما يورد من الدغدغة على هذا مما لا يلتفت إليه .