ثم بين إنعامه عليه قبل قتل القبطي . وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في المدينة فالجمهور على أنها هي المدينة التي كان يسكنها فرعون ، وهي قرية على رأس فرسخين من مصر ، وقال الضحاك : هي عين شمس .
المسألة الثانية : اختلفوا في معنى قوله : { على حين غفلة من أهلها } على أقوال . فالقول الأول : أن موسى عليه السلام لما بلغ أشده واستوى وآتاه الله الحكم والعلم في دينه ودين آبائه ، علم أن فرعون وقومه على الباطل ، فتكلم بالحق وعاب دينهم ، واشتهر ذلك منه حتى آل الأمر إلى أن أخافوه وخافهم ، وكان له من بني إسرائيل شيعة يقتدون به ويسمعون منه ، وبلغ في الخوف بحيث ما كان يدخل مدينة فرعون إلا خائفا ، فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها ، ثم الأكثرون على أنه عليه السلام دخلها نصف النهار وقت ما هم قائلون ، وعن ابن عباس يريد بين المغرب والعشاء والأول أولى ، لأنه تعالى أضاف الغفلة إلى أهلها ، وإذا دخل المرء مستترا لأجل خوف ، لا تضاف الغفلة إلى القوم . القول الثاني : قال السدي : إن موسى عليه السلام حين كبر كان يركب مراكب فرعون ، ويلبس مثل ما يلبس ، ويدعى موسى ابن فرعون ، فركب يوما في أثره فأدركه المقيل في موضع ، فدخلها نصف النهار ، وقد خلت الطرق ، فهو قوله : { على حين غفلة } . القول الثالث : قال ابن زيد : ليس المراد من قوله : { على حين غفلة من أهلها } حصول الغفلة في تلك الساعة ، بل المراد الغفلة من ذكر موسى وأمره ، فإن موسى حين كان صغيرا ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته ، فأراد فرعون قتله ، فجيء بجمر فأخذه وطرحه في فيه ، فمنه عقدة لسانه ، فقال فرعون : لا أقتله ، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد ، فأخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر ، والقوم نسوا ذكره وذلك قوله : { على حين غفلة } ولا مطمع في ترجيح بعض هذه الروايات على بعض ، لأنه ليس في القرآن ما يدل على شيء منها .
المسألة الثالثة : قال تعالى : { فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه } قال الزجاج : قال : هذا وهذا وهما غائبان على وجه الحكاية ، أي وجد فيها رجلين يقتتلان ، إذا نظر الناظر إليهما قال هذا من شيعته وهذا من عدوه ، ثم اختلفوا ، فقال مقاتل : الرجلان كانا كافرين ، إلا أن أحدهما من بني إسرائيل ، والآخر من القبط ، واحتج عليه بأن موسى عليه السلام قال له في اليوم الثاني { إنك لغوي مبين } والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلما ، لأنه لا يقال فيمن يخالف الرجل في دينه وطريقه : إنه من شيعته ، وقيل إن القبطي الذي سخر الإسرائيلي كان طباخ فرعون ، استسخره لحمل الحطب إلى مطبخه ، وقيل الرجلان المقتتلان : أحدهما السامري وهو الذي من شيعته ، والآخر طباخ فرعون ، والله أعلم بكيفية الحال ، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ، أي سأله أن يخلصه منه واستنصره عليه ، فوكزه موسى عليه السلام ، الوكز الدفع بأطراف الأصابع ، وقيل بجمع الكف . وقرأ ابن مسعود : ( فلكزه موسى ) ، وقال بعضهم : الوكز في الصدر واللكز في الظهر ، وكان عليه السلام شديد البطش ، وقال بعض المفسرين : فوكزه بعصاه ، قال المفضل هذا غلط ، لأنه لا يقال وكزه بالعصا { فقضى عليه } أي أماته وقتله .
المسألة الرابعة : احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء عليه السلام من وجوه . أحدها : أن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك ، فإن كان الأول فلم قال : { هذا من عمل الشيطان } ولم قال : { رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له } ولم قال في سورة أخرى { فعلتها إذا وأنا من الضالين } ؟ وإن كان الثاني وهو أن ذلك القبطي لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنبا . وثانيها : أن قوله : { وهذا من عدوه } يدل على أنه كان كافرا حربيا فكان دمه مباحا فلم استغفر عنه ، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز ، لأنه يوهم في المباح كونه حراما ؟ وثالثها : أن الوكز لا يقصد به القتل ظاهرا ، فكان ذلك القتل قتل خطأ ، فلم استغفر منه ؟ والجواب : عن الأول لم لا يجوز أن يقال إنه كان لكفره مباح الدم .
أما قوله : { هذا من عمل الشيطان } ففيه وجوه . أحدها : لعل الله تعالى وإن أباح قتل الكافر إلا أنه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر ، فلما قتل فقد ترك ذلك المندوب فقوله : { هذا من عمل الشيطان } معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان . وثانيها : أن قوله ( هذا ) إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه فقوله : { هذا من عمل الشيطان } أي عمل هذا المقتول من عمل الشيطان ، المراد منه بيان كونه مخالفا لله تعالى مستحقا للقتل . وثالثها : أن يكون قوله ( هذا ) إشارة إلى المقتول ، يعني أنه من جند الشيطان وحزبه ، يقال فلان من عمل الشيطان ، أي من أحزابه .
ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ، فوجد فيها رجلين يقتتلان : هذا من شيعته وهذا من عدوه ؛ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ؛ فوكزه موسى فقضى عليه . قال : هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين . قال : رب إني ظلمت نفسي ، فاغفر لي ، فغفر له ، إنه هو الغفور الرحيم . قال : رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين . .
ودخل المدينة . . والمفهوم أنها العاصمة وقتئذ . . فمن أي مكان جاء فدخلها ? وهل كان من القصر في عين شمس ? أم إنه كان قد اعتزل القصر والعاصمة ، ثم دخل إليها على حين غفلة من أهلها ، في وقت الظهيرة مثلا حين تغفو العيون ?
لقد دخل المدينة على كل حال ( فوجد فيها رجلين يقتتلان . هذا من شيعته وهذا من عدوه . فاستغاثة الذي من شيعته على الذي من عدوه ) . .
وقد كان أحدهما قبطيا - يقال إنه من حاشية فرعون ، ويقال إنه طباخ القصر . والآخر إسرائيلي . وكانا يقتتلان . فاستغاث الإسرائيلي بموسى مستنجدا به على عدوهما القبطي . فكيف وقع هذا ? كيف استغاث الإسرائيلي بموسى ربيب فرعون على رجل من رجال فرعون ? إن هذا لا يقع إذا كان موسى لا يزال في القصر ، متبنى ، أو من الحاشية . إنما يقع إذا كان الإسرائيلي على ثقة من أن موسى لم يعد متصلا بالقصر ، وأنه قد عرف أنه من بني إسرائيل . وأنه ناقم على الملك والحاشية ، منتصر لقومه المضطهدين . وهذا هو الأنسب لمن في مقام موسى - عليه السلام - فإنه بعيد الاحتمال أن تطيق نفسه البقاء في مستنقع الشر والفساد . .
والوكز الضرب بجمع اليد . والمفهوم من التعبير أنها وكزة واحدة كان فيها حتف القبطي . مما يشي بقوة موسى وفتوته ، ويصور كذلك انفعاله وغضبه ؛ ويعبر عما كان يخالجه من الضيق بفرعون ومن يتصل به .
ولكن يبدو من السياق أنه لم يكن يقصد قتل القبطي ، ولم يعمد إلى القضاء عليه . فما كاد يراه جثة هامدة بين يديه حتى استرجع وندم على فعلته ، وعزاها إلى الشيطان وغوايته ؛ فقد كانت من الغضب ، والغضب شيطان ، أو نفخ من الشيطان :
{ ودخل المدينة } : مدينة فرعون وهي مُنْفُ بعد أن غاب عنها مدة .
{ على حين غفلة من أهلها } : لأن الوقت كان وقت القيلولة .
{ هذا من شيعته } : أي على دينه الإِسلامي .
{ وهذا من عدوه } : على دين فرعون والأقباط .
{ فوكزه موسى فقضى عليه } : أي ضربه بجمع كفه فقضى عليه أي قتله .
{ هذا من عمل الشيطان } : أي هذا الفعل من عمل الشيطان لأنه المهيج غضبي .
{ أنه عدو مضل مبين } : أي الشيطان عدو لابن آدم مضل له عن الهدى ، مبين ظاهر الإِضلال .
وقوله تعالى : { ودخل المدينة } أي موسى دخل مدينة مُنْفُ التي هي مدينة فرعون وكان غائباً فترة . { على حين غفلة من أهلها } لأن الوقت كان وقت القيلولة . { فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته } على دين موسى وبني إسرائيل وهو الإِسلام { وهذا من عدوه } لأنه على دين فرعون والأقابط وهو الكفر . { فاستغاثه الذي من شيعته } أي طلب غوثه على الذي من عدوه { فوكزه موسى } أي ضربه بجمع كفه { فقضى عليه } أي فقتله ودفنه في الرمال . وقوله تعالى : { قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين } أي هذا قول موسى عليه السلام اعترف بأن ضربه القبطي كان من تهيج الشيطان لغضبه فقال : { هذا من عمل الشيطان إنه عدو } للإنسان { مضل } له عن طريق الخير والهدى { مبين } أي ظاهر العداوة للإِنسان والإِضلال .