الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ} (15)

قوله تعالى ذكره{[53374]} : { دخل المدينة على حين غفلة من أهلها{[53375]} إلى قوله : { من المصلحين }[ 18 ] ، أي ودخل موسى منفا{[53376]} من مصر على حين غفلة من أهلها ، وهو نصف النهار .

وقيل{[53377]} : بين المغرب والعشاء .

قال السدي{[53378]} : كان موسى حين كبر ، يركب{[53379]} مراكب فرعون ، ويلبس{[53380]} ما يلبس ، وكان إنما يدعى موسى بن فرعون ، ثم إن فرعون ركب مركبا وليس عنده موسى ، فلما جاء موسى قيل له : إن فرعون قد ركب ، فركب موسى في أثره ، فأدركه المقيل بمنف فدخلها نصف النهار ، وليس بطرقها{[53381]} أحد .

وقال ابن{[53382]} إسحاق : كانت لموسى لما كبر{[53383]} وفيهم شيعة من بني إسرائيل ، يسمعون منه ، ويقتدون به ، ويطيعونه{[53384]} ، ويجتمعون إليه ، فلما اشتد رأيه ، وعرف ما هو عليه من الحق ، رأى فراق فرعون وقومه على{[53385]} ما هم عليه حقا في دينه ، فتكلم ، وعادى ، وأنكر{[53386]} حتى ذكر ذلك منه ، وحتى خافوه ، وخافهم ، وحتى كان لا يدخل قرية فرعون إلا مستخفيا ، فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها{[53387]} .

وقال ابن زيد : معناه{[53388]} : على حين غفلة من ذكر موسى ، ليس غفلة ساعة ، وذلك أن فرعون خاف موسى ، فأخرجه عنه{[53389]} ، فلم يدخل عليهم{[53390]} حتى كبر ، فدخل وقد نسي ذكره ، وغفل عن أمره{[53391]} .

قال ابن عباس{[53392]} : دخل نصف النهار وقت القائلة{[53393]} ، وعنه : دخل بين المغرب والعشاء .

ثم قال : { فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه }[ 14 ] ، أي أحدهما إسرائيلي من أهل دينه ، والآخر قبطي من قوم فرعون وعلى دينه ، وذكر{[53394]} أنهما اقتتلا في الدين الإسرائيلي على دين موسى والقبطي على دين فرعون ، فعند ذلك حميت نفس موسى في الدين ، فوكز القبطي ، فأتى عليه ومات من وكزته .

وعدو هنا بمعنى أعداء ، وكذلك يقال في المؤنث{[53395]} . ومن العرب من يدخل الهاء يجعله بمعنى : معادية .

ثم قال : { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه }[ 14 ] .

قال ابن جبير : مر موسى برجل من القبط قد سخر رجلا من المسلمين فلما رأى المسلم موسى استغاث به ، فقال : يا موسى ، يا موسى ، فقال موسى : خل سبيله ، فقال القبطي : قد هممت أن أحمله عليك ، فوكزه موسى{[53396]} فمات ، قال{[53397]} : حتى إذا كان الغد نصب النهار ، خرج ينظر الخبر ، فإذا ذاك الرجل قد أخذه آخر ، فقال : يا موسى ، فاشتد غضب موسى على القبطي فأهوى إليه ، فخاف المسلم أن يكون إنما أتاه{[53398]} يريده ، فقال له{[53399]} : { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس } .

فقال القبطي : يا موسى أراك{[53400]} أنت الذي قتلت{[53401]} بالأمس{[53402]} .

قال ابن عباس : لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا بسخرة ، حتى امتنعوا كل الامتناع . فبينا هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة ، إذا هو برجلين يقتتلان : أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون ، فاستغاثه{[53403]} الإسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى ، فوكز الفرعوني فقتله ، ولم يرهما أحد إلا الله جل ذكره ، فقال موسى لما مات : { هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين }[ 14 ] ، وفي هذا الحديث اختصار{[53404]} .

قال مجاهد{[53405]} : وكزه بجمع كفه .

وقال قتادة{[53406]} : وكزه بالعصا ولم يتعمد قتله فقضى عليه أي ففزع منه .


[53374]:"تعالى ذكره" سقطت من ز.
[53375]:"على حين غفلة من أهلها" ساقط من ز.
[53376]:منف: بالفتح ثم السكون وفاء: اسم مدينة فرعون بمصر، قال القضاعي: أصلها بلغة القبط مافه، فعربت فقيل منف. قال عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم بإسناده: أول من سكن مصر بعد أن أغرق الله قوم نوح عليه السلام، بيصر بن حام بن نوح، فسكن "منف"، وهي أول مدينة عمرت بعد الغرق هو وولده، وهم ثلاثون نفسا منهم أربعة أولاد قد بلغوا وتزوجوا، فبذلك سميت مافه، ومعنى مافه بلسان القبط: ثلاثون، ثم عربت فقيل منف، وهي المرادة بقوله تعالى: {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها}. انظر: معجم البلدان5/213-214.
[53377]:قاله ابن عباس، انظر: ابن جرير20/44، وزاد المسير6/208، والقرطبي13/260، وابن كثير5/268، والدر20/398.
[53378]:ابن جرير20/43، وزاد المسير6/207، والدر20/397.
[53379]:ز: تركب.
[53380]:ز: في طرقها.
[53381]:ز: في طرقها
[53382]:ز: أبو إسحاق.
[53383]:ز: ركبر.
[53384]:ز: ويطنعونه.
[53385]:ز: و.
[53386]:ز: وأبكر.
[53387]:ابن جرير20/44.
[53388]:ز: لمعناه.
[53389]:ز: منه.
[53390]:ز: عليه.
[53391]:ابن جرير20/44، والقرطبي13/260.
[53392]:ابن جرير20/44، وزاد المسير 6/208، والدر20/98.
[53393]:ز: الطائلة.
[53394]:انظر: ابن جرير20/44.
[53395]:ز: المنث.
[53396]:"موسى" سقطت من ز.
[53397]:من "قال يا موسى" سقط من ز.
[53398]:ز: إياه.
[53399]:"له" سقطت من ز.
[53400]:ز: أراك يا موسى.
[53401]:بعده في ز: نفسا.
[53402]:ابن جرير20/45.
[53403]:ز: فاستغاثهم.
[53404]:انظر: ابن جرير20/45.
[53405]:انظر: ابن جرير20/46، وزاد المسير6/208، والقرطبي 13/260، وابن كثير5/269.
[53406]:انظر: ابن جرير20/46، وزاد المسير 6/208، والقرطبي13/260، وابن كثير5/269.