مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞إِلَيۡهِ يُرَدُّ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِۚ وَمَا تَخۡرُجُ مِن ثَمَرَٰتٖ مِّنۡ أَكۡمَامِهَا وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ أَيۡنَ شُرَكَآءِي قَالُوٓاْ ءَاذَنَّـٰكَ مَامِنَّا مِن شَهِيدٖ} (47)

قوله تعالى : { إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد * وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص * لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط * ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ * وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض * قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد * سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد * ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط } .

واعلم أنه تعالى لما هدد الكفار في الآية المتقدمة بقوله { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } ومعناه أن جزاء كل أحد يصل إليه في يوم القيامة ، وكأن سائلا قال ومتى يكون ذلك اليوم ؟ فقال تعالى إنه لا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله فقال : { إليه يرد علم الساعة } وهذه الكلمة تفيد الحصر أي لا يعلم وقت الساعة بعينه إلا الله ، وكما أن هذا العلم ليس إلا عند الله فكذلك العلم بحدوث الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله سبحانه وتعالى ، ثم ذكر من أمثلة هذا الباب مثالين ( أحدهما ) قوله { وما تخرج من ثمرات من أكمامها } ( والثاني ) قوله { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } قال أبو عبيدة أكمامها أوعيتها وهي ما كانت فيه الثمرة واحدها كم وكمة ، قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ( من ثمرات ) بالألف على الجمع والباقون ( من ثمرة ) بغير ألف على الواحد .

واعلم أن نظير هذه الآية قوله { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث } إلى آخر الآية ، فإن قيل أليس أن المنجمين قد يتعرفون من طالع سنة العالم أحوالا كثيرة من أحوال العالم ، وكذلك قد يتعرفون من طوالع الناس أشياء من أحوالهم ، وهاهنا شيء آخر يسمى علم الرمل وهو كثير الإصابة وأيضا علم التعبير بالاتفاق قد يدل على أحوال المغيبات ، فكيف الجمع بين هذه العلوم المشاهدة وبين هذه الآية ؟ قلنا إن أصحاب هذه العلوم لا يمكنهم القطع والجزم في شيء من المطالب البتة وإنما الغاية القصوى ادعاء ظن ضعيف والمذكور في هذه الآية أن علمها ليس إلا عند الله والعلم هو الجزم واليقين وبهذا الطريق زالت المنافاة والمعاندة والله أعلم ، ثم إنه تعالى لما ذكر القيامة أردفه بشيء من أحوال يوم القيامة ، وهذا الذي ذكره هاهنا شديد التعلق أيضا بما وقع الابتداء به في أول السورة ، وذلك لأن أول السورة يدل على أن شدة نفورهم عن استماع القرآن إنما حصلت من أجل أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى التوحيد وإلى البراءة عن الأصنام والأوثان بدليل أنه قال في أول السورة { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } فذكر في خاتمة السورة وعيد القائلين بالشركاء والأنداد فقال : { ويوم يناديهم أين شركائي } أي بحسب زعمكم واعتقادكم { قالوا آذناك } قال ابن عباس أسمعناك كقوله تعالى : { وأذنت لربها وحقت } بمعنى سمعت ، وقال الكلبي أعلمناك وهذا بعيد ، لأن أهل القيامة يعلمون الله ويعلمون أنه يعلم الأشياء علما واجبا ، فالإعلام في حقه محال .

ثم قال : { ما منا من شهيد } وفيه وجوه :

( الأول ) ليس أحد منا يشهد بأن لك شريكا ، فالمقصود أنهم في ذلك اليوم يتبرءون من إثبات الشريك لله تعالى .

( الثاني ) ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم لا يبصرونها في ساعة التوبيخ .

( الثالث ) أن قوله { ما منا من شهيد } كلام الأصنام فإن الله يحييها .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞إِلَيۡهِ يُرَدُّ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِۚ وَمَا تَخۡرُجُ مِن ثَمَرَٰتٖ مِّنۡ أَكۡمَامِهَا وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ أَيۡنَ شُرَكَآءِي قَالُوٓاْ ءَاذَنَّـٰكَ مَامِنَّا مِن شَهِيدٖ} (47)

37

وبمناسبة الإشارة إلى الأجل المسمى ، وتقرير عدل الله فيه ، يقرر أن أمر الساعة وعلمها إلى الله وحده ، ويصور علم الله في بعض مجالاته صورة موحية تمس أعماق القلوب . وذلك في الطريق إلى عرض مشهد من مشاهد القيامة يسأل فيه المشركون ويجيبون :

( إليه يرد علم الساعة ، وما تخرج من ثمرات من أكمامها ، وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه . ويوم يناديهم : أين شركائي ? قالوا : آذناك ما منا من شهيد . وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل ، وظنوا ما لهم من محيص ) . .

والساعة غيب غائر في ضمير المجهول . والثمرات في أكمامها سر غير منظور ، والحمل في الأرحام غيب كذلك مستور . وكلها في علم الله ، وعلم الله بها محيط . ويذهب القلب يتتبع الثمرات في أكمامها ، والأجنة في أرحامها . يذهب في جنبات الأرض كلها يرقب الأكمام التي لا تحصى ؛ ويتصور الأجنة التي لا يحصرها خيال ! وترتسم في الضمير صورة لعلم الله بقدر ما يطيق الضمير البشري أن يتصور من الحقيقة التي ليس لها حدود .

ويتصور القطيع الضال من البشر ، واقفاً أمام هذا العلم الذي لا يند عنه خاف ولا مستور :

( ويوم يناديهم : أين شركائي ? ) . .

هنا في هذا اليوم الذي لا يجدي فيه جدال ، ولا تحريف للكلم ولا محال . فماذا هم قائلون ?

قالوا : أذناك ما منا من شهيد ? . .

أعلمناك ، أن ليس منا اليوم من يشهد أنك لك شريك !

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{۞إِلَيۡهِ يُرَدُّ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِۚ وَمَا تَخۡرُجُ مِن ثَمَرَٰتٖ مِّنۡ أَكۡمَامِهَا وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ أَيۡنَ شُرَكَآءِي قَالُوٓاْ ءَاذَنَّـٰكَ مَامِنَّا مِن شَهِيدٖ} (47)

شرح الكلمات :

{ إليه يرد علم الساعة } : أي إلى الله يرد علم الساعة أي متى تقوم إذ لا يعلمها إلا هو .

{ وما تخرج من ثمرات من أكمامها } : أي من أوعيتها واحد الأكمام كِمّ وكم الثوب مخرج اليد .

{ وما تحمل من أنثى } : أي من أي جنس كان إنساناً أو حيواناً .

{ ولا تضع إلا بعلمه } : أي ولا تضع حملها إلا ملابساً بعلم الله تعالى المحيط بكل شيء .

{ قالوا آذنَّاك } : أي أعلمناك الآن .

{ ما منا من شهيد } : أي ليس منا من يشهد بأن لك شريكاً أبداً .

المعنى :

يخبر تعالى أن علم الغيب قد انحصر فيه فليس لأحد من خلقه علم الغيب وخاصة علم الساعة أي علم قيامها متى تقوم ؟ كما أخبر عن واسع علمه وأنه محيط بكل الكائنات فما تخرج من ثمرة من كمها وعائها وتظهر منه إلا يعلمها على كثرة الثمار والأشجار ذات الأكمام ، وما تحمل من انثى بِجَنِين ولا تضعه يوم ولادته أو إسقاطه إلا يعلمه أي يتم ذلك بحسب علمه تعالى وإذنه ، وهذه مظاهر الربوبية المستلزمة للألوهية فلا إله غيره ولا رب سواه ، ومع هذا فالجاهلون يتخذون له شركاء أنداداً من أحجار وأوثان يعبدونها معه ظلماً وسفهاً . ويوم يناديهم وذلك في يوم القيامة أي شركائي ؟ أي الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء لي ، فيتبرءون منهم ويقولون : آذناك أعلمناك الآن أنه ما منا من شهيد يشهد بأن لك شريكا إنه لا شريك لك .

الهداية :

من الهداية :

- استئثار الله تعالى بِعِلْم الغيب وخاصة علم متى تقوم الساعة .

- إحاطة علم الله تعالى بكل شيء فما تخرج من ثمرة من أوعيتها ولا تحمل من أُنثى ولا تضع حملها إلا بعلم الله تعالى وإذنه .