أما قوله تعالى : { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : اختلفوا في تفسيره على وجهين : أحدهما : أن المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا ، وحجة هذا القول أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم ، وهذه الآية تقتضي كون المذكور فيها ضارا نافعا ، فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض . القول الثاني : أن المراد الوثن وأجابوا عن التناقض بأمور . أحدها : أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن عبادتها سبب الضرر وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها ، كقوله تعالى : { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سببا للضلال ، فكذا ههنا نفي الضرر عنهم في الآية الأولى بمعنى كونها فاعلة وأضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر . وثانيها : كأنه سبحانه وتعالى بين في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا تنفع ، ثم قال في الآية الثانية : لو سلمنا كونها ضارة نافعة لكن ضررها أكثر من نفعها . وثالثها : كان الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها نفع ولا ضرر في الدنيا ، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها ، فكأنهم يقولون لها في الآخرة : إن ضرركم أعظم من نفعكم .
المسألة الثانية : اختلف النحويون في إعراب قوله : { لمن ضره أقرب } .
أما قوله : { لبئس المولى ولبئس العشير } فالمولى هو الولي والناصر ، والعشير الصاحب والمعاشر ، واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق لأن ذلك لا يكاد يستعمل في الأوثان ، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله تعالى الذي يجمع خير الدنيا والآخرة إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء ، ثم ذم الرؤساء بقوله : { لبئس المولى } والمراد ذم من انتصر بهم والتجأ إليهم .
( يدعو لمن ضره أقرب من نفعه )من وثن أو شيطان ، أو سند من بني الإنسان . . وهذا كله لا يملك ضرا ولا نفعا ؛ وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضر . وضره أقرب من نفعه . ضره في عالم الضمير بتوزيع القلب ، وإثقاله بالوهم وإثقاله بالذل . وضره في عالم الواقع وكفى بما يعقبه في الآخرة من ضلال وخسران ( لبئس المولى )ذلك الضعيف لا سلطان له في ضر أو نفع ( ولبئس العشير )ذلك الذي ينشأ عنه الخسران . يستوي في ذلك المولى والعشير من الأصنام والأوثان ، والمولى والعشير من بني الإنسان ، ممن يتخذهم بعض الناس آلهة أو أشباه آلهة في كل زمان ومكان !
13 - يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ .
إن بعض الناس عبد الفراعنة ، فقد تأله فرعون وقال : أنا ربكم الأعلى . ( النازعات : 24 ) .
وقال : ما علمت لكم من إله غيري : ( القصص : 38 ) .
وهذا العابد غلب النفع المادي على النفع الأخروي ، فعبد من له جاه أو مال أو مملكة ، ليستفيد في الدنيا ، مع أن هذا المعبود ضرره أكثر من نفعه ، فنفعه في الدنيا قليل ، ومهما أغدق من النعم على من عبده في الدنيا ، فمتاع الدنيا قليل ، بالنسبة إلى العذاب الأليم والضرر البليغ الذي ينتظر من آثر الدنيا على الآخرة ، وفي يوم القيام يصيح العابد في وجه من عبده ، ويقول له : بئس الولي أنت ، وبئس الصاحب أنت ، فقد خذلتني وتركتني ألقى مصيري .
وخلاصة ذلك : أي عشير هذا ، وأنا ناصر ذاك ، الذي لا ينفع ولا ينصر من يعاشره ؟ والله لبئس العشير ، ولبئس النصير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.