في كيفية النظم وجوه : الأول : أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين على سبيل الاستقصاء ثم اتصل بذلك أمر المحاربة ، واتصل بذكر المحاربة ما يتعلق بها من الأحكام الشرعية ، مثل قتل المسلم خطأ على ظن أنه كافر ، ومثل بيان صلاة السفر وصلاة الخوف ، رجع الكلام بعد ذلك إلى أحوال المنافقين ، وذكر أنهم كانوا يحاولون أن يحملوا الرسول عليه الصلاة والسلام على أن يحكم بالباطل ويذر الحكم الحق ، فأطلع الله رسوله عليه وأمره بأن لا يلتفت إليهم ولا يقبل قولهم في هذا الباب .
والوجه الثاني في بيان النظم : أنه تعالى لما بين الأحكام الكثيرة في هذه السورة بين أن كل ما عرف بإنزال الله تعالى وأنه ليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلبا لرضا قومه .
الوجه الثالث : أنه تعالى لما أمر بالمجاهدة مع الكفار بين أن الأمر وإن كان كذلك لكنه لا تجوز الخيانة معهم ولا إلحاق ما لم يفعلوا بهم ، وأن كفر الكافر لا يبيح المسامحة بالنظر له ، بل الواجب في الدين أن يحكم له وعليه بما أنزل على رسوله ، وأن لا يلحق الكافر حيف لأجل أن يرضى المنافق بذلك ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اتفق المفسرون على أن أكثر هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق ، ثم في كيفية الواقعة روايات : أحدها : أن طعمة سرق درعا فلما طلبت الدرع منه رمى واحدا من اليهود بتلك السرقة ، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهودي جاء قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يعينهم على هذا المقصود وأن يلحق هذه الخيانة باليهودي ، فهم الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك فنزلت الآية ، وثانيها : أن واحدا وضع عنده درعا على سبيل الوديعة ولم يكن هناك شاهد ، فلما طلبها منه جحدها . وثالثها : أن المودع لما طلب الوديعة زعم أن اليهودي سرق الدرع .
واعلم أن العلماء قالوا هذا يدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين ، وإلا لما طلبوا من الرسول نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان ، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى : { وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء } ثم روي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد وثقب حائطا هناك لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات .
المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : قوله { أراك الله } إما أن يكون منقولا بالهمزة من " رأيت " التي يراد بها رؤية البصر ، أو من رأيت التي تتعدى إلى المفعولين ، أو من رأيت التي يراد بها الاعتقاد ، والأول باطل لأن الحكم في الحادثة لا يرى بالبصر ، والثاني أيضا باطل لأنه يلزم أن يتعدى إلى ثلاثة لا إلى المفعولين بسبب التعدية ، ومعلوم أن هذا اللفظ لم يتعد إلا إلى مفعولين أحدهما : الكاف التي هي للخطاب ، والآخر المفعول المقدر ، وتقديره : بما أراكه الله ، ولما بطل القسمان بقي الثالث ، وهو أن يكون المراد منه رأيت بمعنى الاعتقاد .
المسألة الثالثة : اعلم أنه ثبت بما قدمنا أن قوله { بما أراك الله } معناه بما اعلمك الله ، وسمي ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية في القوة والظهور ، وكان عمر يقول : لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله تعالى ، فإن الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيه ، وأما الواحد منا فرأيه يكون ظنا ولا يكون علما .
إذا عرفت هذا فنقول : قال المحققون : هذه الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالوحي والنص .
وإذا عرفت هذا فنقول : تفرع عليه مسألتان : إحداهما : أنه لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالنص ، فوجب أن يكون حال الأمة كذلك لقوله تعالى : { واتبعوه } وإذا كان كذلك وجب أن يكون العمل بالقياس حراما .
والجواب عنه أنه لما قامت الدلالة على أن القياس حجة كان العمل بالقياس عملا بالنص في الحقيقة ، فإنه يصير التقدير كأنه تعالى قال : مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر جامع بين الصورتين ف اعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن ، وإذا كان الأمر كذلك كان العمل بهذا القياس عملا بعين النص .
أما قوله : { ولا تكن للخائنين خصيما } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : معنى الآية : ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما لمن كان بريئا عن الذنب ، يعني لا تخاصم اليهود لأجل المنافقين .
المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : خصمك الذي يخاصمك ، وجمعه الخصماء ، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه ، والخصم طرف الزاوية وطرف الاشفار ، وقيل للخصمين خصمان لأن كل واحد منهما في ناحية من الحجة والدعوى ، وخصوم السحابة جوانبها .
المسألة الثالثة : قال الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام : دلت هذه الآية على صدور الذنب من الرسول عليه الصلاة والسلام ، فإنه لولا أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه وإلا لما ورد النهي عنه .
والجواب : أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي فاعلا للمنهى عنه ، بل ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما التمسوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يذب عن طعمة وأن يلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي فنزلت هذه الآية ، وكان الغرض من هذا النهي تنبيه النبي عليه الصلاة والسلام على أن طعمة كذاب ، وأن اليهودي بريء عن ذلك الجرم .
فإن قيل : الدليل على أن ذلك الجرم قد وقع من النبي عليه الصلاة والسلام قوله بعد هذه الآية { واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما } فلما أمره الله بالاستغفار دل على سبق الذنب .
والجواب من وجوه : الأول : لعله مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه كان في الظاهر من المسلمين فأمر بالاستغفار لهذا القدر ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين . والثاني : لعل القوم لما شهدوا على سرقة اليهودي وعلى براءة طعمة من تلك السرقة ولم يظهر للرسول عليه الصلاة والسلام ما يوجب القدح في شهادتهم هم بأن يقضي بالسرقة على اليهودي ، ثم لما أطلعه الله تعالى على كذب أولئك الشهود عرف أن ذلك القضاء لو وقع لكان خطأ ، فكان استغفاره بسبب أنه هم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه وإن كان معذورا عند الله فيه . الثالث : قوله { واستغفر الله } يحتمل أن يكون المراد : واستغفر الله لأولئك الذين يذبون عن طعمة ويريدون أن يظهروا براءته عن السرقة .
( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ، لتحكم بين الناس بما أراك الله ، ولا تكن للخائنين خصيما . واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما . ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ، إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما . يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله . وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول - وكان الله بما يعملون محيطا . ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة ؟ أم من يكون عليهم وكيلا ؟ ) .
إننا نحس في التعبير صرامة ، يفوح منها الغضب للحق ، والغيرة على العدل ؛ وتشيع في جو الآيات وتفيض منها :
وأول ما يبدو هذا في تذكير رسول الله [ ص ] بتنزيل الكتاب إليه بالحق ليحكم بين الناس بما أراه الله .
105 _ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا .
اختار الله رسوله بشرا من بين الناس ؛ ليكون قدوة عملية في سلوكه وله أن يجتهد في الحكم بين الناس وهذا هو رأي الجمهور .
وقال بعضهم : ليس له أن يجتهد ؛ لأن الوحي قطعى ، والاجتهاد ظني .
و أجيب عن ذلك بأن الوحي قد لا ينزل عليه في كل وقت ؛ فقد تأخر عنه الوحي خمسة عشر يوما . ثم إن الاجتهاد من صفة العلماء إذا توفرت لديهم شروطه و الرسول نوع مختار من البشر يتمتع بالذكاء والفطنة والأمانة فهو أولى أن يتمتع بهذه النعمة ، و أن يعمل عقله في ما لم ينزل عليه وحي بشأنه .
فإذا تخاصم إليه رجلان فمن حقه أن يقضي بينهما ، بما ينقدح في ذهنه بأنه الحق والصواب ، ولا يجب عليه انتظار الوحي ؛ لان الوحي من شئون الرسالة والدين ونظام التشريعة . أما شئون الدنيا والقضاء بين الناس في خصوماتهم العادية ، فهو من شئون الناس ؛ والرسول صلى الله عليه وسلم يقضي بينهم بأصول دينه الذي أوحى إليه ، وبما ينقدح في دهنه من الحكم بعد الاستماع إلى أطراف القضية .
وقد ساق الإمام ابن كثير في تفسيره طائفة من الأحداث تتعلق بهذه الآية . منها ما تبث في الصحيحين عن أم سلمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال : ( ( ألا إنما أنا بشر و إنما أقضى بنحو ما أسمع ولعل أحدكم أن أن يكون ألحن بحجته من بعض ؛ فأقضى له ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو ليذرها ! ) ){[84]}
سبب نزول هذه الآية وما بعدها :
ذكر ابن الجوزي ثلاثة أقوال في سبب نزول هذه الآية .
وقال ابن كثير : ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدى وابن زيد وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة .
جمهور العلماء على أن المشار إليه بالاستخفاء والتبييت : قوم طعمة بن أبيرق وقد بيتوا : احتيالهم في براءة أصحابهم بالكذب .
أن طعمة بن أبيرق سرق درعا لقتاده بن النعمان ؛ وكان الدرع في جراب فيه دقيق ؛ فجعل الدقيق ينتشر من خرق في الجراب ، حتى انتهى إلى الدار ، ثم خبأها عند رجل من اليهود ، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده ، وحلف : مالى بها علم ، فقال أصحابها : بلى و الله ، لقد دخل علينا فأخدها ، وطلبنا أثره حتى دخل داره ، فرأينا أثر الدقيق ، فلما حلف تركوه ، واتبعوا أثر الدقيق ؛ حتى انتبهوا إلى منزل اليهودي فأخدوه ، فقال : دفعها إلى طعمة بن أبيرق ، فقال قوم طعمة : انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ حتى نبرئ صاحبنا وندافع عنه ، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كلامهم ، وهم أن يجادل عن طعمة بن أبيرق ، و أن يعاقب اليهودي ؛ فنزلت هذه الآيات كلها ؛ تبرئ اليهودي وتطلخ طعمة بعار السرقة {[85]} وفي ذلك نلمح صدق القرآن فهو يتحيز إلى الحق ، ويدافع عن يهودي برئ ، ويوجه الا تهام إلى مسلم خائن ؛ لأن القرآن كلام الله الحق ، ومن أصدق من الله حديثا ؟ !
إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّه .
إنا أنزلنا إليك القرآن الكريم ناطقا بالحق ، داعيا إليه وإلى التمسك به ؛ لتحكم بين الناس على اختلاف عقائدهم ، بما عرفك الله وأوحى به إليك ، ولا تكن مجادلا عن الخائنين ؛ فينتصروا على البرءاء .
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ . أي : لتقضي بينهم ، وفي قوله : بما أراك الله . قولان :
أحدهما : أنه الذي علمه ، والذي علمه ألا يقبل دعوى أحد على أحد إلا ببرها .
والثاني : أنه مما يؤدي إليه اجتهاده {[86]} .
وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا .
قال الزجاج : لا تكن مخاصما ، ولا دافعا عن خائن ، واختلفوا هل خاصم عنه أم لا على قولين :
أحدهما : أنه قام خطيبا فعذره .
والثاني : أنه هم بذلك ولم يفعله .
قال القاضي أبو يعلي : وهذه الآية تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه ، وهو غير عالم بحقيقة أمره ؛ لأن الله تعالى عاتب نبيه على مثل ذلك .