مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ} (18)

ثم إنه تعالى لما بين أن الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة المسجد ، بين أن المشتغل بهذا العمل يجب أن يكون موصوفا بصفات أربعة :

الصفة الأولى : قوله : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر } وإنما قلنا إنه لا بد من الإيمان بالله لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه ، فما لم يكن مؤمنا بالله ، امتنع أن يبني موضعا يعبد الله فيه ، وإنما قلنا إنه لا بد من أن يكون مؤمنا بالله واليوم الآخر لأن الاشتغال بعبادة الله تعالى إنما تفيد في القيامة ، فمن أنكر القيامة لم يعبد الله ، ومن لم يعبد الله لم يبن بناء لعبادة الله تعالى .

فإن قيل : لم لم يذكر الإيمان برسول الله ؟

قلنا فيه وجوه : الأول : أن المشركين كانوا يقولون : إن محمدا إنما ادعى رسالة الله طلبا للرياسة والملك ، فههنا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ، وترك النبوة كأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ والمعاد ، فذكر المقصود الأصلي وحذف ذكر النبوة تنبيها للكفار على أنه لا مطلوب له من الرسالة إلا هذا القدر . الثاني : أنه لما ذكر الصلاة ، والصلاة لا تتم إلا بالأذان والإقامة والتشهد ، وهذه الأشياء مشتملة على ذكر النبوة كان ذلك كافيا . الثالث : أنه ذكر الصلاة ، والمفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق ، ثم المعهود السابق من الصلاة من المسلمين ليس إلا الأعمال التي كان أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان ذكر الصلاة دليلا على النبوة من هذا الوجه .

الصفة الثانية : قوله : { وأقام الصلاة } والسبب فيه أن المقصود الأعظم من بناء المساجد إقامة الصلوات ، فالإنسان ما لم يكن مقرا بوجوب الصلوات امتنع أن يقدم على بناء المساجد .

الصفة الثالثة : قوله : { وآتى الزكاة } .

واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن المراد من عمارة المسجد الحضور فيه ، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيما للصلاة فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد به ، وإذا كان مؤتيا للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به . وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة معتبر في هذا الباب أيضا لأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد نافلة ، والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة والظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤديا للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد .

والصفة الرابعة : قوله : { ولم يخش إلا الله } وفيه وجوه : الأول : أن أبا بكر رضي الله عنه بنى في أول الإسلام على باب داره مسجدا وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن والكفار يؤذونه بسببه ، فيحتمل أن يكون المراد هو تلك الحالة ، يعني إنا وإن خاف الناس من بناء المسجد إلا أنه لا يلتفت إليهم ولا يخشاهم ولكنه يبني المسجد للخوف من الله تعالى . الثاني : يحتمل أن يكون المراد منه أن يبني المسجد لا لأجل الرياء والسمعة وأن يقال إن فلانا يبني مسجدا ، ولكنه يبنيه لمجرد طلب رضوان الله تعالى ولمجرد تقوية دين الله .

فإن قيل : كيف قال : { ولم يخش إلا الله } والمؤمن قد يخاف الظلمة والمفسدين ؟

قلنا : المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى في باب الدين ، وأن لا يختار على رضا الله رضا غيره .

اعلم أنه تعالى قال : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله } أي من كان موصوفا بهذه الصفات الأربعة وكلما { إنما } تفيد الحصر وفيه تنبيه على أن المسجد يجب صونه عن غير العبادة فيدخل فيه فضول الحديث وإصلاح مهمات الدنيا . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( يأتي في آخر الزمان أناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم ، فليس لله بهم حاجة ) وفي الحديث ( الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش ) قال عليه الصلاة والسلام : قال الله تعالى : " إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زواري فيها عمارها طوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره " وعنه عليه الصلاة والسلام : " من ألف المسجد ألفه الله تعالى " وعنه عليه الصلاة والسلام : " إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان " وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في المسجد ضوؤه " وهذه الأحاديث نقلها صاحب «الكشاف » .

ثم أنه تعالى لما ذكر هذه الأوصاف قال : { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } وفيه وجوه : الأول : قال المفسرون : { عسى } من الله واجب لكونه متعاليا عن الشك والتردد . الثاني : قال أبو مسلم : { عسى } ههنا راجع إلى العباد وهو يفيد الرجاء فكان المعنى إن الذين يأتون بهذه الطاعات إنما يأتون بها على رجاء الفوز بالاهتداء لقوله تعالى : { يدعون ربهم خوفا وطمعا } والتحقيق فيه أن العبد عند الإتيان بهذه الأعمال لا يقطع على الفوز بالثواب ، لأنه يجوز على نفسه أنه قد أخل بقيد من القيود المعتبرة في حصول القبول . والثالث : وهو أحسن الوجوه ما ذكره صاحب «الكشاف » وهو أن المراد منه تبعيد المشركين عن مواقف الاهتداء ، وحسم أطماعهم في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها ، فإنه تعالى بين أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع وضموا إليها الخشية من الله ، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائرا بين -لعل وعسى- فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بالخير من عند الله تعالى وفي هذا الكلام ونحوه لطف بالمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ} (18)

إن العبادة تعبير عن العقيدة ؛ فإذا لم تصح العقيدة لم تصح العبادة ؛ وأداء الشعائر وعمارة المساجد ليست بشيء ما لم تعمر القلوب بالاعتقاد الإيماني الصحيح ، وبالعمل الواقع الصريح ، وبالتجرد لله في العمل والعبادة على السواء :

( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ) . .

والنص على خشية الله وحده دون سواه بعد شرطي الإيمان الباطن والعمل الظاهر ، لا يجيء نافلة . فلا بد من التجرد لله ؛ ولابد من التخلص من كل ظل للشرك في الشعور أو السلوك ؛ وخشية أحد غير الله لون من الشرك الخفي ينبه إليه النص قصدا في هذا الموضع ليتمحض الاعتقاد والعمل كله لله . وعندئذ يستحق المؤمنون أن يعمروا مساجد الله ، ويستحقون أن يرجوا الهداية من الله :

( فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) .

فإنما يتوجه القلب وتعمل الجوارح ، ثم يكافئ الله على التوجه والعمل بالهداية والوصول والنجاح .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ} (18)

17

المفردات :

مساجد الله : أي : أماكن عبادته .

18 – { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ . . . } الآية .

أي : إنما يستحق عمارة المساجد ، وتستقيم منه العمارة ويكون أهلا لها من آمن بالله وحده معبودا ، على النحو المبين في القرآن الكريم ، وآمن باليوم الآخر موعدا ومصيرا ، وحسابا وجزاء ، وأدى الصلاة على وجهها المشروع في مواقيتها ، وأعطى الزكاة بأنواعها ومقاديرها ، لمستحقيها المعروفين ، كالفقراء ، والمساكين ، وأبناء السبيل ، ولم يخش في قوله وعمله إلا الله وحده ، دون غيره من الأصنام والعظماء الذين لا ينفعون ولا يضرون في الحقيقة ، وإنما النفع والضر بيد الله ، هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات ، هم الذين يقتصر عليهم عمارة المساجد ، الحسية بالبناء والتشييد والترميم ، والمعنوية بالعبادة والأذكار وحضور دروس العلم ، دون من أشرك بالله ، وكفر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، هؤلاء المشركون الضالون الذين يجمعون بين الأضداد فيشركون بالله ، ويسجدون للأصنام ، ثم يقدمون بعض الخدمات للمسجد الحرام .

{ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } .

وهو تذييل قصد به حسن عاقبة المؤمنين الصادقين ، أي : فعسى أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة ، أن يكونوا من المهتدين إلى الجنة ، وما أعد فيها من خير عميم ورزق كبير .

والتعبير بعسى هنا ، مقصود به قطع أطماع الكافرين ، أي : إذا كان هؤلاء المؤمنون – وهم من هم – يدور أمرهم بين لعل وعسى ، فكيف يقطع المشركون – وهم بين المخازي والقبائح – أنهم مهتدون20 .

وقد ذكر العلماء : أن كلمة عسى إذا جاءت من الله تعالى ؛ فهي بمعنى : وجب واستحق كما قال تعالى : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } . ( الإسراء : 79 ) .

أما معنى عسى في النحو : فهو الترجي .

كما قال الشاعر :

عسى فرج يأتي به الله إنه *** له كل يوم في خليقته أمر

قال الآلوسي في تفسيره :

" وفي التعبير بعسى قطع اتكال المؤمنين على أعمالهم ، وإرشادهم إلى ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء " .

ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتي :

1 – أعمال البر الصادرة عن المشركين كإطعام الطعام ، وإكرام الضيف . . . إلخ . لا وزن لها عند الله ؛ لاقترانها بالكفر والإشراك به سبحانه .

وذهب الشيخ محمد عبده . وتلميذه السيد رشيد رضا ، إلى موقف آخر ، حيث رجحوا أن يجازيهم الله تعالى على هذه الأعمال في الآخرة .

واستشهدوا بعدل الله القائل : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . ( الزلزلة : 7 ، 8 ) .

وقوله عز شأنه : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } . ( النساء : 40 ) .

2 – إن عمارة مساجد الله من حق المؤمنين وحدهم ، أما المشركون فإنهم لا يصح منهم ذلك ؛ بسبب كفرهم ونجاستهم .

" والأصح أنه يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد ، والقيام بأعمال لا ولاية فيها كنحت الحجارة والبناء والنجارة ، فهذا لا يدخل في المنع المذكور في الآية .

ولا مانع أيضا من قيام الكافر ببناء مسجد أو المساهمة في نفقاته ، بشرط ألا يتخذ أداة للضرر ، وإلا كان حينئذ كمسجد الضرار . . . . 21 .

جاء في حاشية الجمل على الجلالين :

" لا يصح للمشركين أن يعمروا مساجد الله بدخولها والقعود فيها ، فإذا دخل الكافر المسجد بغير إذن من مسلم ؛ عزر وإن دخل بإذنه ؛ لم يعزر ، لكن لا بد من حاجة ، فيشترط للجواز الإذن والحاجة " 22 .

ونلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار ، وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام وهو كافر23 .

ونجاسة الكافر نجاسة معنوية ، فإذا دخل المسجد لغرض من الأغراض ، وأخذ إذنا من الجهات المختصة ؛ جاز ذلك .

2 – يؤخذ من الآيتين التنويه بشأن المساجد والتعبد فيها ، وإصلاحها ، وخدمتها ، وتنظيفها ، والسعي إليها ، واحترامها ، وصيانتها عن كل ما يتنافى مع الغرض الذي بنيت لأجله ، وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى ، منها ما يأتي :

1 – روى الشيخان والترمذي : عن عثمان رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله ؛ بنى الله له بيتا في الجنة " 24 .

2 – وروى الشيخان والحافظ أبو بكر البزار ، وعبد بن حميد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما عمار المساجد هم أهل الله " 25 .

3 – وروى أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن مردوية : عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد ؛ فاشهدوا له بالإيمان ، قال الله تعالى : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم والآخر }26 .

4 – وروى الشيخان : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من غدا إلى المسجد أو راح – أي : سار قبل الزوال أو بعده لعبادة الله في المسجد - ؛ أعد الله له منزلا –أي : مكانا طيبا في الجنة - ؛ كلما غدا أو راح " 27 .