قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل }
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفار وفضائحهم ، عاد إلى الترغيب في مقاتلتهم وقال : { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسبابا كثيرة موجبة لقتالهم ، وذكر منافع كثيرة تحصل من مقاتلتهم كقوله : { يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم } وذكر أقوالهم المنكرة وأعمالهم القبيحة في الدين والدنيا ، وعند هذا لا يبقى للإنسان مانع من قتالهم إلا مجرد أن يخاف القتل ويحب الحياة . فبين تعالى أن هذا المانع خسيس لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل جهل وسفه .
المسألة الثانية : المروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك ، وذلك لأنه عليه السلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة وأمر بجهاد الروم ، وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر وطابت ثمار المدينة وأينعت ، واستعظموا غزو الروم وهابوه ، فنزلت هذه الآية . قال المحققون : وإنما استثقل الناس ذلك لوجوه : أحدها : شدة الزمان في الصيف والقحط . وثانيها : بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات . وثالثها : إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت . ورابعها : شدة الحر في ذلك الوقت . وخامسها : مهابة عسكر الروم فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل الناس عن ذلك الغزو ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : يقال : استنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون نفرا ونفورا ، إذا حثهم ودعاهم إليه ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا استنفرتم فانفروا " وأصل النفر الخروج إلى مكان لأمر واجب ، واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير ، ومنه قولهم : فلان لا في العير ولا في النفير . وقوله : { اثاقلتم إلى الأرض } أصله تثاقلتم ، وبه قرأ الأعمش ومعناه : تباطأتم ونظيره قوله : { فادارأتم } وقوله : { قالوا اطيرنا بك } قال صاحب «الكشاف » : وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي ب( إلى ) ، والمعنى ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه ، ونظيره { أخلد إلى الأرض واتبع هواه } وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها ، وقوله : { مالكم إذا قيل لكم } وإن كان في الظاهر استفهاما إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار .
ثم قال تعالى : { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } والمعنى كأنه قيل قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال ، وقد شرحنا المنافع العظيمة التي تحصل عند القتال ، وبينا أنواع فضائحهم وقبائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم ، فتركتم جميع هذه الأمور ، أليس أن معبودكم يأمركم بمقاتلتهم وتعلمون أن طاعة المعبود توجب الثواب العظيم في الآخرة ؟ فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة ، لأجل المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا ؟ والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل ، إن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفات والبليات ومنقطعة عن قريب لا محالة ، ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات ، ودائمة أبدية سرمدية . وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسيس .
المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية تدل على وجوب الجهاد في كل حال لأنه تعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر ، ولو لم يكن الجهاد واجبا لما كان هذا التثاقل منكرا ، وليس لقائل أن يقول الجهاد إنما يجب في الوقت الذي يخاف هجوم الكفار فيه ، لأنه عليه السلام ما كان يخاف هجوم الروم عليه ، ومع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم ، ومنافع الجهاد مستقصاة في سورة آل عمران ، وأيضا هو واجب على الكفاية ، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين .
المسألة الخامسة : لقائل أن يقول إن قوله : { يا أيها الذين آمنوا } خطاب مع كل المؤمنين .
ثم قال : { مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } وهذا يدل على أن كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف ، وذلك التثاقل معصية ، وهذا يدل على إطباق كل الأمة على المعصية وذلك يقدح في أن إجماع الأمة حجة .
الجواب : أن خطاب الكل لإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن ، وفي سائر أنواع الكلام كقوله :
ذلك بدء العتاب للمتخلفين والتهديد بعاقبة التثاقل عن الجهاد في سبيل اللّه ، والتذكير لهم بما كان من نصر اللّه لرسوله ، قبل أن يكون معه منهم أحد ، وبقدرته على إعادة هذا النصر بدونهم ، فلا ينالهم عندئذ إلا إثم التخلف والتقصير .
( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللّه اثاقلتم إلى الأرض )
إنها ثقلة الأرض ، ومطامع الأرض ، وتصورات الأرض . . ثقلة الخوف على الحياة ، والخوف على المال ، والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع . . ثقلة الدعة والراحة والاستقرار . . ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب . . . ثقلة اللحم والدم والتراب . . والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه : ( اثاقلتم ) . وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل ، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل ! ويلقيها بمعنى ألفاظه : ( اثاقلتم إلى الأرض ) . . وما لها من جاذبية تشد إلى أسفل وتقاوم رفرفة الأرواح وانطلاق الأشواق .
إن النفرة للجهاد في سبيل اللّه انطلاق من قيد الأرض ، وارتفاع على ثقلة اللحم والدم ؛ وتحقيق للمعنى العلوى في الإنسان ، وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانه على عنصر القيد والضرورة ؛ وتطلع إلى الخلود الممتد ، وخلاص من الفناء المحدود :
( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ? فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل )
وما يحجم ذو عقيدة في اللّه عن النفرة للجهاد في سبيله ، إلا وفي هذه العقيدة دخل ، وفي إيمان صاحبها بها وهن . لذلك يقول الرسول - [ ص ] - " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق " . فالنفاق - وهو دخل في العقيدة يعوقها عن الصحة والكمال - هو الذي يقعد بمن يزعم أنه على عقيدة عن الجهاد في سبيل اللّه خشية الموت أو الفقر ، والآجال بيد اللّه ، والرزق من عند اللّه . وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيل ( 38 ) إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( 39 ) }
انفروا في سبيل الله : اخرجوا للجهاد في سبيله .
متاع الحياة الدنيا : المراد من متاعها : التمتع بلذائذها .
38 – { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ . . . . }الآية .
سبب نزول هذه الآيات وما بعدها : أن النبي صلى الله عليه وسلم استنفر أصحابه ؛ ليخرجوا معه في غزوة تبوك ، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام .
وكان الحر شديدا ، وبالناس عسر وقحط ، وقد نضجت ثمار المدينة وطابت ظلالها .
وتبوك في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق ، تبعد عن الأولى 690 كم ، وعن الثانية 692 كم ؛ فالشقة بعيدة ، والعدو قوي وكثير ، فشق عليهم ذلك ، وتباطئوا في الاستجابة ، فنزلت هذه الآيات ؛ تحثهم على التضحية بالنفس والمال في سبيل الله .
يا أيها المؤمنون بالله ورسوله ، أي شيء حصل لكم ؟ فثبطكم عن النهوض للجهاد ؟ حين قال لكم الرسول الأمين : انفروا في سبيل الله لقتال الروم الذين تجهزوا لقتالكم ؛ ثتاقلتم وتكاسلتم وملتم إلى الراحة وطيب الثمار ، والتفيؤ في الظلال ، وكرهتم مشاق الغزو ومتاعبه .
جاء في سيرة ابن هشام وغيرها من كتب السيرة النبوية : أن سبب هذه الغزوة ؛ استعداد الروم والقبائل العربية المنتصرة من لخم وجذام وغيرهم ، وتجهيز جيش كثيف لغزو المدينة بقيادة( قباذ ) وعدد جنده أربعون ألفا .
فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس للخروج لمقاتلتهم وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام للتجارة ، فقال : يا رسول الله ، هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ، ومائتا أوقية( من الفضة ) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم " 73 .
" ولما لم يجد النبي من يقاتله عاد إلى المدينة ، بسبب انسحاب الروم ، وعدولهم عن فكرة الزحف ؛ واقتحام الحدود ، ولكن كان لهذه الغزوة أثر معنوي كبير ، في نظر العرب والروم ، فكانت كفتح مكة ؛ لأنها كانت احتكاكا بأعظم قوة حينذاك ، وأثرت على المدى البعيد في نفوس الأعداء ، بعد أن كان العرب يخشون غزو الروم في عقر دارهم ، وقد مهد الله بهذه العزوة . لغزو المسلمين للشام في عهد الخليفتين : أبى بكر وعمر74 " .
{ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } .
أرضيتم بلذات الحياة الدنيا الزائدة بدلا من الآخرة ونعيمها الدائم ؟
إن كنتم فعلتم ذلك ؛ فقد تركتم الخير الكثير في سبيل الشيء الحقير ؛ فما متاع الحياة الدنيا في جنب متاع الآخرة إلا قليل ؛ لا ينبغي أن يحرص عليه ؛ لأنه لا يصلح عوضا عن المتاع الكثير في الآخرة .
روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي : عن المستورد أخي بني فهر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم فلينظر بم ترجع ؟ " 75 وأشار بالسبابة .
وروى ابن أبي حاتم : عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة " ، ثم تلا هذه الآية : { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل }76 .