مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ} (215)

قوله تعالى : { يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } .

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن يكون معرضا عن طلب العاجل ، وأن يكون مشتغلا بطلب الآجل ، وأن يكون بحيث يبذل النفس والمال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } لأن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطا بعضها بالبعض ، ليكون كل واحد منها مقويا للآخر ومؤكدا له .

الحكم الأول

فيما يتعلق بالنفقة هو هذه الآية وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال عطاء : عن ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل أتى للنبي عليه الصلاة والسلام فقال إن لي دينارا فقال : أنفقه على نفسك قال : إن لي دينارين قال : أنفقهما على أهلك قال : إن لي ثلاثة قال : أنفقها على خادمك قال : إن لي أربعة قال : أنفقها على والديك قال : إن لي خمسه قال : أنفقها على قرابتك قال إن لي ستة قال : أنفقها في سبيل الله وهو أحسنها : وروى الكلبي عن ابن عباس أن الآية نزلت عن عمرو بن الجموح وكان شيخا كبيرا هرما ، وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم ، فقال : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية .

المسألة الثانية : للنحويين في { ماذا } قولان أحدهما : أن يجعل ( ما ) مع ( ذا ) بمنزلة اسم واحد ويكون الموضع نصبا بينفقون ، والدليل عليه أن العرب يقولون : عماذا تسأل ؟ بإثبات الألف في { ما } فلولا أن ( ما ) مع ( ذا ) بمنزلة اسم واحد لقالوا : عماذا تسأل ؟ بحذف الألف كما حذفوها من قوله تعالى : { عم يتساءلون } وقوله : { فيم أنت من ذكراها } فلما لم يحذفوا الألف من آخر ( ما ) علمت أنه مع ( ذا ) بمنزلة اسم واحد ولم يحذفوا الألف منه لما لم يكن آخر الاسم والحذف يلحقها إذا كان آخرا إلا أن يكون في شعر كقوله :

غلاما قام يشتمني لئيم *** كخنزير تمرغ في رماد

والقول الثاني : أن يجعل ( ذا ) بمعنى الذي ويكون ( ما ) رفعا بالابتداء خبرها ( ذا ) والعرب قد يستعملون ( ذا ) بمعنى الذي ، فيقولون : من ذا يقول ذاك ؟ أي من ذا الذي يقول ذاك ، فعلى هذا يكون تقدير الآية : يسألونك ما الذي ينفقون .

المسألة الثالثة : في الآية سؤال ، وهو أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم ، فكيف أجابهم بهذا ؟

والجواب عنه من وجوه أحدها : أنه حصل في الآية ما يكون جوابا عن السؤال وضم إليه زيادة بها يكمل ذلك المقصود ، وذلك لأن قوله : { ما أنفقتم من خير } جواب عن السؤال ، ثم إن ذلك الإنفاق لا يكمل إلا إذا كان مصروفا إلى جهة الإستحقاق ، فلهذا لما ذكر الله تعالى الجواب أردفه بذكر المصرف تكميلا للبيان وثانيها : قال القفال : إنه وإن كان السؤال واردا بلفظ { ما } إلا أن المقصود : السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذي أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى ، وإذا كان هذا معلوما لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو ؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون مرادا تعين أن المطلوب بالسؤال أن مصرفه أي شيء هو ؟ وحينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال ، ونظيره قوله تعالى : { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا قال أنه يقول إنها بقرة لا ذلول } وإنما كان هذا الجواب موافقا لذلك السؤال ، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي شأنها وصفتها كذا ، فقوله : { ما هي } لا يمكن حمله على طلب الماهية ، فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها ، فبهذا الطريق قلنا : إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال ، فكذا ههنا لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو ، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم : { ماذا ينفقون } ليس هو طلب الماهية ، بل طلب المصرف فلهذا حسن الجواب وثالثها : يحتمل أن يكون المراد أنهم سألوا هذا السؤال فكأنهم قيل لهم : هذا السؤال فاسد أنفق أي شيء كان ولكن بشرط أن يكون مالا حلالا وبشرط أن يكون مصروفا إلى المصرف وهذا مثل ما إذا كان الإنسان صحيح المزاج لا يضره أكل أي طعام كان ، فقال للطبيب : ماذا آكل ؟ فيقول الطبيب : كل في اليوم مرتين ، كان المعنى : كل ما شئت لكن بهذا الشرط كذا ههنا المعنى : أنفق أي شيء أردت بشرط أن يكون المصرف ذلك .

المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق ، فقدم الوالدين ، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب ، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف ، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه ، ولذلك قال تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين } وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين ، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة ، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة ، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق ، ثم ذكر تعالى بعد الوالدين الأقربين ، والسبب فيه أن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء ، بل لا بد وأن يرجح البعض على البعض ، والترجيح لا بد له من مرجح ، والقرابة تصلح أن تكون سببا للترجيح من وجوه أحدها : أن القرابة مظنة المخالطة ، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر ، فإذا كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا كان اطلاع الفقير على الغني أتم ، واطلاع الغني على الفقير أتم ، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق وثانيها : أنه لو لم يراع جانب الفقير ، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعا للضرر عن النفس وثالثها : أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير ، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد ، ثم إن الله تعالى ذكر بعد الأقربين اليتامى ، وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم ، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب ، وأشرف على الضياع ، ثم ذكر تعالى بعدهم المساكين وحاجة هؤلاء أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى ثم ذكر تعالى بعدهم ابن السبيل بأنه بسبب انقطاعه عن بلده ، قد يقع في الاحتياج والفقر ، فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه الله تعالى في كيفية الإنفاق ، ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإجمال فقال : { وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } أي وكل ما فعلتموه من خير إما مع هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم ، والعليم مبالغة في كونه عالما يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال : { إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } وقال : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } .

المسألة الخامسة : المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل : { وإنه لحب الخير لشديد } وقال : { إن ترك خيرا الوصية } فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر ، وفيه قول آخر وهو أن يكون قوله : { وما تفعلوا من خير } يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه البر والطاعة ، وهذا أولى .

المسألة السادسة : قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وهذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها أحدها : قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك ، والمراد بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك ، وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث ، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت ، وأيضا فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة وثانيها : أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع وثالثها : أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة ورابعها : يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثا على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ} (215)

215

( يسألونك ماذا ينفقون ؟ قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل . وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ) . .

لقد وردت آيات كثيرة في الإنفاق سابقة على هذا السؤال . فالإنفاق في مثل الظروف التي نشأ فيها الإسلام ضرورة لقيام الجماعة المسلمة في وجه تلك الصعاب والمشاق والحرب التي كانت تواجهها وتكتنفها ؛ ثم هو ضرورة من ناحية أخرى : من ناحية التضامن والتكافل بين أفراد الجماعة ؛ وإزالة الفوارق الشعورية بحيث لا يحس أحد إلا أنه عضو في ذلك الجسد ، لا يحتجن دونه شيئا ، ولا يحتجز عنه شيئا . وهو أمر له قيمته الكبرى في قيام الجماعة شعوريا ، إذا كان سد الحاجة له قيمته في قيامها عمليا .

وهنا يسأل بعض المسلمين : ( ماذا ينفقون ؟ ) . .

وهو سؤال عن نوع ما ينفقون . . فجاءهم الجواب يبين صفة الإنفاق ؛ ويحدد كذلك أولى مصارفه وأقربها :

( قل : ما أنفقتم من خير ) . .

ولهذا التعبير إيحاءان : الأول إن الذي ينفق خير . . خير للمعطي وخير للآخذ وخير للجماعة وخير في ذاته فهو عمل طيب ، وتقدمة طيبة ، وشيء طيب . . والإيحاء الثاني أن يتحرى المنفق أفضل ما عنده فينفق منه ؛ وخير ما لديه فيشارك الآخرين فيه . فالإنفاق تطهير للقلب وتزكية للنفس ، ثم منفعة للآخرين وعون . وتحري الطيب والنزول عنه للآخرين هو الذي يحقق للقلب الطهارة ، وللنفس التزكية ، وللإيثار معناه الكريم .

على أن هذا الإيحاء ليس إلزاما ، فالإلزام - كما ورد في آية أخرى - أن ينفق المنفق من الوسط ، لا أردأ ما عنده ولا أغلى ما عنده . ولكن الإيحاء هنا يعالج تطويع النفس لبذل ما هو خير ، والتحبيب فيه ، على طريقة القرآن الكريم في تربية النفوس ، وإعداد القلوب . .

أما طريق الإنفاق ومصرفه فيجيء بعد تقرير نوعه :

( فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ) . .

وهو يربط بين طوائف من الناس . بعضهم تربطه بالمنفق رابطة العصب ، وبعضهم رابطة الرحم ، وبعضهم رابطة الرحمة ، وبعضهم رابطة الإنسانية الكبرى في إطار العقيدة . . وكلهم يتجاوزون في الآية الواحدة : الوالدون . والأقربون . واليتامى والمساكين وابن السبيل . وكلهم يتضامنون في رباط التكافل الاجتماعي الوثيق بين بني الإنسان في إطار العقيدة المتين .

ولكن هذا الترتيب في الآية وفي الآيات الأخرى ، والذي تزيده بعض الأحاديث النبوية تحديدا ووضوحا كالذي جاء في صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله [ ص ] قال لرجل : " ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا . . . " .

هذا الترتيب يشي بمنهج الإسلام الحكيم البسيط في تربية النفس الإنسانية وقيادتها . . إنه يأخذ الإنسان كما هو ، بفطرته وميوله الطبيعية واستعداداته ؛ ثم يسير به من حيث هو كائن ، ومن حيث هو واقف ! يسير به خطوة خطوة ، صعدا في المرتقى العالي : على هينة وفي يسر ؛ فيصعد وهو مستريح ، هو يلبي فطرته وميوله واستعداداته ، وهو ينمي الحياة معه ويرقيها . لا يحس بالجهد والرهق ، ولا يكبل بالسلاسلوالأغلال ليجر في المرتقى ! ولا تكبت طاقاته وميوله الفطرية ليحلق ويرف ! ولا يعتسف به الطريق اعتسافا ، ولا يطير به طيرانا من فوق الآكام ! إنما يصعدها به صعودا هينا لينا وقدماه على الأرض وبصره معلق بالسماء ، وقلبه يتطلع إلى الأفق الأعلى ، وروحه موصولة بالله في علاه .

ولقد علم الله أن الإنسان يحب ذاته ؛ فأمره أولا بكفايتها قبل أن يأمره بالإنفاق على من سواها ؛ وأباح له الطيبات من الرزق وحثه على تمتيع ذاته بها في غير ترف ولا مخيلة . فالصدقة لا تبدأ إلا بعد الكفاية . والرسول [ ص ] يقول : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول " . . وعن جابر - رضي الله عنه - قال " : جاء رجل بمثل بيضة من ذهب ، فقال : يا رسول الله . أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها . فأعرض عنه رسول الله [ ص ] ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه . فأتاه من قبل ركنه الأيسر فقال مثل ذلك ، فأعرض عنه . ثم أتاه من خلفه فقال مثل ذلك ، فأخذها [ ص ] فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته . وقال : " يأتي أحدكم بما يملك فيقول : هذه صدقة . ثم يقعد يتكفف الناس ! خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " " . .

ولقد علم الله أن الإنسان يحب - أول ما يحب - أفراد أسرته الأقربين . . عياله . . ووالديه . فسار به خطوة في الإنفاق وراء ذاته إلى هؤلاء الذين يحبهم ؛ ليعطيهم من ماله وهو راض ؛ فيرضي ميله الفطري الذي لا ضير منه ، بل فيه حكمة وخير ؛ وفي الوقت ذاته يعول ويكفل ناسا هم أقرباؤه الأدنون ، نعم ، ولكنهم فريق من الأمة ، إن لم يعطوا احتاجوا . وأخذهم من القريب أكرم لهم من أخذهم من البعيد . وفيه في الوقت ذاته إشاعة للحب والسلام في المحضن الأول ؛ وتوثيق لروابط الأسرة التي شاء الله أن تكون اللبنة الأولى في بناء الإنسانية الكبير .

ولقد علم الله أن الإنسان يمد حبه وحميته بعد ذلك إلى أهله كافة - بدرجاتهم منه وصلتهم به - ولا ضير في هذا . فهم أفراد من جسم الأمة وأعضاء في المجتمع . فسار به خطوة أخرى في الإنفاق وراء أهله الأقربين ، تساير عواطفه وميوله الفطرية ، وتقضي حاجة هؤلاء ، وتقوي أواصر الأسرة البعيدة ، وتضمن وحدة قوية من وحدات الجماعة المسلمة ، مترابطة العرى وثيقة الصلات .

وعندما يفيض ما في يده عن هؤلاء وهؤلاء - بعد ذاته - فإن الإسلام يأخذ بيده لينفق على طوائف من المجموع البشري ، يثيرون بضعفهم أو حرج موقفهم عاطفة النخوة وعاطفة الرحمة وعاطفة المشاركة . . وفي أولهم اليتامى الصغار الضعاف ؛ ثم المساكين الذين لا يجدون ما ينفقون ، ولكنهم يسكتون فلا يسألون الناس كرامة وتجملا ؛ ثم أبناء السبيل الذين قد يكون لهم مال ، ولكنهم انقطعوا عنه ، وحالت بينهم وبينه الحوائل - وقد كانوا كثيرين في الجماعة المسلمة هاجروا من مكة تاركين وراءهم كل شيء - وهؤلاء جميعا أعضاء في المجتمع ؛ والإسلام يقود الواجدين إلى الإنفاق عليهم ، يقودهم بمشاعرهم الطيبة الطبيعية التي يستجيشها ويزكيها . فيبلغ إلى أهدافه كلها في هوادة ولين . يبلغ أولا إلى تزكية نفوس المنفقين . فقد أنفقت طيبة بما أعطت ، راضية بما بذلت ، متجهة إلى الله في غير ضيق ولا تبرم . ويبلغ ثانيا إلى إعطاء هؤلاء المحتاجينوكفالتهم . ويبلغ ثالثا إلى حشد النفوس كلها متضامنة متكافلة ، في غير ما تضرر ولا تبرم . . قيادة لطيفة مريحة بالغة ما تريد ، محققة كل الخير بلا اعتساف ولا افتعال ولا تشديد !

ثم يربط هذا كله بالأفق الأعلى ، فيستجيش في القلب صلته بالله فيما يعطي ، وفيما يفعل ، وفيما يضمر من نية أو شعور :

( وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ) . .

عليم به ، وعليم بباعثه ، وعليم بالنية المصاحبة له . . وهو إذن لا يضيع . فهو في حساب الله الذي لا يضيع عنده شيء ، والذي لا يبخس الناس شيئا ولا يظلمهم ، والذي لا يجوز عليه كذلك الرياء والتمويه . .

بهذا يصل بالقلوب إلى الأفق الأعلى ، وإلى درجة الصفاء والتجرد والخلوص لله . . في رفق وفي هوادة ، وفي غير معسفة ولا اصطناع . . وهذا هو المنهج التربوي الذي يضعه العليم الخبير . ويقيم عليه النظام الذي يأخذ بيد الإنسان ، كما هو ، ويبدأ به من حيث هو ؛ ثم ينتهي به إلى آماد وآفاق لا تصل إليها البشرية قط بغير هذه الوسيلة ، ولم تبلغ إليها قط إلا حين سارت على هذا المنهج ، في هذا الطريق .