مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّـٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (8)

قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط } هذا أيضا متصل بما قبله ، والمراد حثهم على الانقياد لتكاليف الله تعالى .

واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلا أنها محصورة في نوعين : التعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله ، فقوله { كونوا قوامين لله } إشارة إلى النوع الأول وهو التعظيم لأمر الله ، ومعنى القيام لله هو أن يقوم لله بالحق في كل ما يلزمه القيام به من إظهار العبودية وتعظيم الربوبية ، وقوله { شهداء بالقسط } إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان : الأول : قال عطاء : يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودك وقرابتك ، ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك . الثاني : قال الزجاج : المعنى تبينون عن دين الله ، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه .

ثم قال تعالى : { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا } أي لا يحملنكم بغض قوم على أن لا تعدلوا ، وأراد أن لا تعدلوا فيهم لكنه حذف للعلم ، وفي الآية قولان : الأول : أنها عامة والمعنى لا يحملنكم بغض قوم على أن تجوروا عليهم وتجاوزوا الحد فيهم ، بل اعدلوا فيهم وإن أساؤا عليكم ، وأحسنوا إليهم وإن بالغوا في إيحاشكم ، فهذا خطاب عام ، ومعناه أمر الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدا إلا على سبيل العدل والإنصاف ، وترك الميل والظلم والإعتساف ، والثاني : أنها مختصة بالكفار فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام .

فإن قيل : فعلى هذا القول كيف يعقل ظلم المشركين مع أن المسلمين أمروا بقتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم ؟

قلنا : يمكن ظلمهم أيضا من وجوه كثيرة : منها أنهم إذا أظهروا الإسلام لا يقبلونه منهم ، ومنها قتل أولادهم الأطفال لاغتمام الآباء ، ومنها إيقاع المثلة بهم ، ومنها نقض عهودهم ، والقول الأول أولى .

ثم قال تعالى : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } فنهاهم أولا عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا ، ثم ذكر لهم علة الأمر بالعدل وهو قوله { هو أقرب للتقوى } ونظيره قوله { وأن تعفوا أقرب للتقوى } أي هو أقرب للتقوى ، وفيه وجهان ، الأول : هو أقرب إلى الاتقاء من معاصي الله تعالى ، والثاني : هو أقرب إلى الاتقاء من عذاب الله وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله تعالى ، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه .

ثم ذكر الكلام الذي يكون وعدا مع المطيعين ووعيدا للمذنبين وهو قوله تعالى : { واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } يعني أنه عالم بجميع المعلومات فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّـٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (8)

ومن الميثاق الذي واثق الله به الأمة المسلمة ، القوامة على البشرية بالعدل . . العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه مع المودة والشنآن ؛ ولا يتأثر بالقرابة أو المصلحة أو الهوى في حال من الأحوال . العدل المنبثق من القيام لله وحده بمنجاة من سائر المؤثرات . . والشعور برقابة الله وعلمه بخفايا الصدور . . ومن ثم فهذا النداء :

( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ، شهداء بالقسط ، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون ) . .

لقد نهى الله الذين آمنوا من قبل أن يحملهم الشنآن لمن صدوهم عن المسجد الحرام ، على الاعتداء . وكانت هذه قمة في ضبط النفس والسماحة يرفعهم الله إليها بمنهجه التربوي الرباني القويم . فهاهم أولاء ينهون أن يحملهم الشنآن على أن يميلوا عن العدل . . وهي قمة أعلى مرتقى وأصعب على النفس وأشق . فهي مرحلة وراء عدم الاعتداء والوقوف عنده ؛ تتجاوزه إلى إقامة العدل مع الشعور بالكره والبغض ! إن التكليف الأول أيسر لأنه إجراء سلبي ينتهي عند الكف عن الاعتداء . فأما التكليف الثاني فأشق لأنه إجراء إيجابي يحمل النفس على مباشرة العدل والقسط مع المبغوضين المشنوئين !

والمنهج التربوي الحكيم يقدر ما في هذا المرتقى من صعوبة . فيقدم له بما يعين عليه :

( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله . . . )

ويعقب عليه بما يعين عليه أيضًا :

واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون . .

إن النفس البشرية لا ترتقي هذا المرتقى قط ، إلا حين تتعامل في هذا الأمر مباشرة مع الله . حين تقوم لله ، متجردة عن كل ما عداه . وحين تستشعر تقواه ، وتحس أن عينه على خفايا الضمير وذات الصدور .

وما من اعتبار من اعتبارات الأرض كلها يمكن أن يرفع النفس البشرية إلى هذا الأفق ، ويثبتها عليه . وما غير القيام لله ، والتعامل معه مباشرة ، والتجرد من كل اعتبار آخر ، يملك أن يستوي بهذه النفس على هذا المرتقى .

وما من عقيدة أو نظام في هذه الأرض يكفل العدل المطلق للأعداء المشنوئين ، كما يكفله لهم هذا الدين ؛ حين ينادي المؤمنين به أن يقوموا لله في هذا الأمر ؛ وأن يتعاملوا معه ، متجردين عن كل اعتبار .

وبهذه المقومات في هذا الدين كان الدين العالمي الإنساني الأخير ؛ الذي يتكفل نظامه للناس جميعا - معتنقيه وغير معتنقيه - أن يتمتعوا في ظله بالعدل ؛ وأن يكون هذا العدل فريضة غلى معتنقيه ، يتعاملون فيها مع ربهم ، مهما لاقوا من الناس من بغض وشنآن . .

وإنها لفريضة الأمة القوامة على البشرية . مهما يكن فيها من مشقة وجهاد .

ولقد قامت هذه الأمة بهذه القوامة ؛ وأدت تكاليفها هذه ؛ يوم استقامت على الإسلام . ولم تكن هذه في حياتها مجرد وصايا ، ولا مجرد مثل عليا ، ولكنها كانت واقعا من الواقع في حياتها اليومية ، واقعا لم تشهد البشرية مثله من قبل ولا من بعد ، ولم تعرفه في هذا المستوى إلا في الحقبة الإسلامية المنيرة . . والأمثلة التي وعاهاالتاريخ في هذا المجال كثيرة مستفيضة . تشهد كلها بأن هذه الوصايا والفرائض الربانية ، قد استحالت في حياة هذه الأمة منهجا في عالم الواقع يؤدي ببساطة ، ويتمثل في يوميات الأمة المألوفة . . إنها لم تكن مثلا عليا خيالية ، ولا نماذج كذلك فردية . إنما كانت طابع الحياة الذي لا يرى الناس أن هناك طريقا آخر سواه .

وحين نطل من هذه القمة السامقة على الجاهلية في كل أعصارها وكل ديارها - بما فيها جاهلية العصور الحديثة - ندرك المدى المتطاول بين منهج يصنعه الله للبشر ، ومناهج يصنعها الناس للناس . ونرى المسافة التي لا تعبر بين آثار هذه المناهج وآثار ذلك المنهج الفريد في الضمائر والحياة .

إن الناس قد يعرفون المبادى ء ؛ ويهتفون بها . . ولكن هذا شيء ، وتحقيقها في عالم الواقع شيء آخر . .

وهذه المبادى ء التي يهتف بها الناس للناس طبيعي ، ألا تتحقق في عالم الواقع . . فليس المهم أن يدعى الناس إلى المبادى ء ؛ ولكن المهم هو من يدعوهم إليها . . المهم هو الجهة التي تصدر منها الدعوة . . المهم هو سلطان هذه الدعوة على الضمائر والسرائر . . المهم هو المرجع الذي يرجع إليه الناس بحصيلة كدهم وكدحهم لتحقيق هذه المبادى ء . .

وقيمة الدعوة الدينية إلى المبادى ء التي تدعو إليها ، هو سلطان الدين المستمد من سلطان الله ، فما يقوله فلان وعلان علام يستند ؟ وأي سلطان له على النفوس والضمائر ؟ وماذا يملك للناس حين يعودون إليه بكدحهم وكدهم في تحقيق هذه المبادى ء ؟

يهتف ألف هاتف بالعدل . وبالتطهر . وبالتحرر . وبالتسامي . وبالسماحة . وبالحب . وبالتضحية . وبالإيثار . . . ولكن هتافهم لا يهز ضمائر الناس ؛ ولا يفرض نفسه على القلوب . لأنه دعاء ما أنزل الله به من سلطان !

ليس المهم هو الكلام . . ولكن المهم من وراء هذا الكلام !

ويسمع الناس الهتاف من ناس مثلهم بالمبادى ء والمثل والشعارات - مجردة من سلطان الله - ولكن ما أثرها ؟ إن فطرتهم تدرك أنها توجيهات من بشر مثلهم . تتسم بكل ما يتسم به البشر من جهل وعجز وهوى وقصور . فتتلقاها فطرة الناس على هذا الأساس . فلا يكون لها على فطرتهم من سلطان ! ولا يكون لها في كيانهم من هزة ، ولا يكون لها في حياتهم من أثر إلا أضعف الأثر !

ثم إن قيمة هذه " الوصايًا في الدين ، أنها تتكامل مع " الإجراءات " لتكييف الحياة . فهو لا يلقيها مجردة في الهواء . . فأما حين يتحول الدين إلى مجرد وصايا ؛ وإلى مجرد شعائر ؛ فإن وصاياه لا تنفذ ولا تتحقق ! كما نرى ذلك الآن في كل مكان . .

إنه لا بد من نظام للحياة كلها وفق منهج الدين ؛ وفي ظل هذا النظام ينفذ الدين وصاياه . ينفذها في أوضاع واقعية تتكامل فيها الوصايا والإجراءات ! . . وهذا هو " الدين " في المفهوم الإسلامي دون سواه . . الدين الذي يتمثل في نظام يحكم كل جوانب الحياة .

وحين تحقق " الدين " بمفهومه هذا في حياة الجماعة المسلمة أطلت على البشرية كلها من تلك القمة السامقة ؛ والتي ما تزال سامقة على سفوح الجاهلية الحديثة ؛ كما كانت سامقة على سفوح الجاهلية العربية وغيرها على السواء . . وحين تحول " الدين " إلى وصايا على المنابر ؛ وإلى شعائر في المساجد ؛ وتخلى عن نظام الحياة . . لم يعد لحقيقة الدين وجود في الحياة !