قوله تعالى { قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد }
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { أصلاتك } بغير واو . والباقون { أصلواتك } على الجمع .
المسألة الثانية : اعلم أن شعيبا عليه السلام أمرهم بشيئين ، بالتوحيد وترك البخس فالقوم أنكروا عليه أمره بهذين النوعين من الطاعة ، فقوله : { أن نترك ما يعبد آباؤنا } إشارة إلى أنه أمرهم بالتوحيد وقوله : { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } إشارة إلى أنه أمرهم بترك البخس . أما الأول : فقد أشاروا فيه إلى التمسك بطريقة التقليد ، لأنهم استبعدوا منه أن يأمرهم بترك عبادة ما كان يعبد آباؤهم يعني الطريقة التي أخذناها من آبائنا وأسلافنا كيف نتركها ، وذلك تمسك بمحض التقليد .
المسألة الثالثة : في لفظ الصلاة وههنا قولان : الأول : المراد منه الدين والإيمان ، لأن الصلاة أظهر شعار الدين فجعلوا ذكر الصلاة كناية عن الدين ، أو نقول : الصلاة أصلها من الإتباع ومنه أخذ المصلي من الخيل الذي يتلو السابق لأن رأسه يكون على صلوى السابق وهما ناحيتا الفخذين والمراد : دينك يأمرك بذلك . والثاني : أن المراد منه هذه الأعمال المخصوصة ، روي أن شعيبا كان كثير الصلاة وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا ، فقصدوا بقولهم : أصلاتك تأمرك السخرية والهزؤ ، وكما أنك إذا رأيت معتوها يطالع كتبا ثم يذكر كلاما فاسدا فيقال له : هذا من مطالعة تلك الكتب على سبيل الهزؤ والسخرية فكذا ههنا .
فإن قيل : تقدير الآية : أصلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء ، وهم إنما ذكروا هذا الكلام على سبيل الإنكار ، وهم ما كانوا ينكرون كونهم فاعلين في أموالهم ما يشاءون ، فكيف وجه التأويل .
قلنا : فيه وجهان : الأول : التقدير : أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وأن نترك فعل ما نشاء ، وعلى هذا فقوله : { أو أن نفعل } معطوف على ما في قوله : { ما يعبد آباؤنا } والثاني : أن تجعل الصلاة آمرة وناهية والتقدير : أصلواتك تأمرك بأن نترك عبادة الأوثان وتنهاك أن نفعل في أموالنا ما نشاء ، وقرأ ابن أبي عبلة { أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء } بتاء الخطاب فيهما وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس والاقتناع بالحلال القليل وأنه خير من الحرام الكثير .
ثم قال تعالى حكاية عنهم : { إنك لأنت الحليم الرشيد } وفيه وجوه :
الوجه الأول : أن يكون المعنى إنك لأنت السفيه الجاهل إلا أنهم عكسوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية به ، كما يقال للبخيل الخسيس لو رآك حاتم لسجد لك .
والوجه الثاني : أن يكون المراد إنك موصوف عند نفسك وعند قومك بالحلم والرشد .
والوجه الثالث : أنه عليه السلام كان مشهورا عندهم بأنه حليم رشيد ، فلما أمرهم بمفارقة طريقتهم قالوا له : إنك لأنت الحليم الرشيد المعروف الطريقة في هذا الباب ، فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا وأسلافنا ، والمقصود استبعاد مثل هذا العمل ممن كان موصوفا بالحلم والرشد ، وهذا الوجه أصوب الوجوه .
{ قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ 87 قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم88 بِبَعِيدٍ 89 وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ 90 } .
أصلاتك : جمع صلاة ، وكان شعيب كثير الصلاة ، وقصدوا : الاستهزاء بصلاته .
الحليم : ذو الأناة والتروي الذي لا يتعجل بأمر قبل الثقة من فائدته .
الرشيد : الذي لا يأمر إلا بما استبان له من الخير والرشد .
87 { قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا . . . } الآية .
أي : قالوا مستهزئين به ؛ لكثرة صلاته وعبادته : هل صلاتك تأمرك بترك عبادة الآباء والأجداد ، كما يقال لعالم الدين المصلح ، هل علمك أو مشيختك دافع لك إلى ترك ما نحن عليه ؟ !
{ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء } . من إتمام الكيل والميزان ، وإخراج الزكاة ، وترك الأرباح التي كنا نحصل عليها ؟
أي : أن ما أمرتنا به مناف لسياسة تنمية المال وتكثيره ؛ وذلك حجر على حريتنا الاقتصادية .
والخلاصة : أن ردهم على شعيب في الأمرين تضمن رفضهم للتوحيد ، وإصرارهم على تثمير الأموال بالطرق العديدة المحرمة .
{ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ } . أي : أنت صاحب الحلم والتروي والتعقل ؛ فكيف تأمرنا بما أمرتنا به ؟ !
وقيل : المعنى : التهكم به ، والمراد : أنت ذو الجهالة والسفاهة في الرأي ، والغواية في الفعل ، بهوس الصلاة ، لكنهم عكسوا القضية ؛ تهكما واستهزاء ؛ كما يقال للبخيل : ( لو رآك حاتم لاقتدى بك في سخائك ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.